fbpx
منبر

الملكية والصلاحيات الإستراتيجية الضامنة للثوابت المغربية

الإصلاح يجب أن يشمل الأحزاب التي ستستلم الصلاحيات الجديدة

يبدو أن مسيرة 20 فبراير 2011 قد حركت العديد من المياه الراكدة داخل المؤسسات الحزبية والحقوقية والمجتمع المدني وفئات عريضة من الشباب المغربي، ولا يشك أي متتبع أو محلل للأحداث الجارية في العالم العربي أن صدى هذه الاحتجاجات وجد شيئا في نفوس المغاربة، وأثر على أفكارهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لا يختلف أحد أيضا في أن المغرب كان الدولة السباقة إلى حدوث احتجاجات وحصول تغييرات سياسية وحقوقية على أكثر من مستوى منذ 1999، إلا أن الجديد في المغرب حاليا هو وجود قراءات متعددة لمسيرة 20 فبراير 2011 من زوايا مختلفة، ويمكن أن تقسم هذه القراءة إلى ثلاثة مستويات.
1- المستوى الأول: يتجلى في مجموعة من الشباب بدون انتماءات حزبية أو على الأقل بدون انتماءات واضحة أو معروفة ارتأت أن تعبر عن نفسها عن طريق “الفيسبوك” وتنظم احتجاجات غير النموذج التونسي والمصري، وقد لا ينكر أحد على هؤلاء الشباب هذه العملية على اعتبار أن المغاربة جميعا بمن فيهم فئة الشباب يتفاعلون مع المحيط الإقليمي والدولي، وبما أن هذه الفئة الشابة انطلقت بعفوية، فإنها رفعت مجموعة من المطالب تتراوح بين المطالب الاجتماعية والإصلاحية والحقوقية والعدالة الاجتماعية.
2- المستوى الثاني: يتجلى في مجموعة من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والتي انضموا إلى شباب 20 فبراير من باب دعمهم للمطالب الاجتماعية المشروعة، والتي هي مطالب الأحزاب السياسية ومطالب الآباء والأمهات قبل أن تكون مطالب الشباب، وحاولت هذه الفئة أن تحتضن هؤلاء الشباب عن طريق تحديد سقف هذه المطالب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الممكن تطبيقها مع المحافظة على الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي للمغرب في إطار حركة إصلاحية بالتدرج وهي الفئة التي تمثل معظم الشعب.
3- المستوى الثالث: هي مجموعة من الرافضين والمعزولين شعبيا وإيديولوجيا فشلوا عمليا في أن يحققوا أهدافهم عن طريق الآليات الديمقراطية والانتخابية، وأرادوا أن يستغلوا مسيرة 20 فبراير وشبابها لتطبيق أجندة سياسية خاصة فشلوا في تحقيقها، ويحاولون أن يجعلوا من مسيرة 20 فبراير، وما ينتج عنها قوة ضاغطة لرفع سقف المطالب السياسية، ليس من منطلق المناورة لتحقيق تواجد مفقود عمليا ومرفوض شعبيا.
وإذا قمنا بتحليل عميق لجميع المطالب التي رفعت في مسيرة 20 فبراير نجدها تنحصر في ما يلي :
1- المطالب الاجتماعية: ( التعليم – الصحة – الشغل)
2- مطالب حقوقية (توسيع مجال حقوق الإنسان – العدالة الاجتماعية – حرية التعبير – حرية الصحافة).
3- مطالب اقتصادية (عدم رفع أسعار المواد الأساسية – غلاء المعيشة – صعوبة الحصول على سكن لائق – رفع الأجور… إلخ)
4- المطالب السياسية : (إصلاح بعض القوانين المرتبطة بالعمل السياسي، قانون الأحزاب – مدونة الانتخابات- قانون الجهة – إسقاط الحكومة – محاربة الفساد الإداري والسياسي – إصلاح القضاء – الإصلاحات الدستورية.
وإذا كان الجميع يتفهم المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإن اللافت للانتباه هو التركيز على التعديلات الدستورية، ويبدو أن المتربصين بمسيرة 20 فبراير لم يأخذوا من الشعارات إلا الإصلاحات الدستورية، وجعلوا منها مطلبا رئيسيا، وظهروا بأشكال مختلفة وفي منابر متعددة حيث شعور المواطنين بأن الجميع يضع السقف الأول في المطالب هو الإصلاح الدستوري.
وقد سال حبر العديد من المحللين وغيرهم ممن ينتمون إلى هذه الفئة، حيث  ظهرت فئات تطالب بدستور جديد في المغرب تفتي وتؤول القوانين ويستشهد بالأنظمة الدولية والملكيات الأوربية وكان الحل وإبراز إصلاحات دستورية في المغرب وتأسيس نظام الملكية البرلمانية، وهذا المصطلح روج له بطريقة واضحة إعلاميا من طرف منتسبين إلى أحزاب اشتراكية ويسارية ومن يدور في فلكها، مما يوضح أن هناك اختراقا حزبيا لمسيرة 20 فبراير، وتأطيرها بأجندات حزبية معروفة اتخذت من المسيرة المذكورة قناعا إعلاميا للعودة إلى الصراع القديم الحديث بين الاستقرار واللااستقرار، والذي أضاع على المغرب 50 سنة من التنمية الاقتصادية المفترضة.
ليس عيبا أبدا أن نتحدث عن الإصلاحات السياسية والدستورية في بلد المصالحة والإنصاف والتي مكنت ضحايا حقوق الإنسان من توديع
السجون والتعويض بالمال والتعيينات الممنوحة ودخول المعارضة لتحكم بدون أصواتها وعلى حساب ضحايا من نوع آخر فضلوا أن يكون ضحايا لخدمة المغرب.
لكن العجيب والغريب هو طرح سقف خاص بالإصلاحات الدستورية في ما اصطلح عليه بنظام على الملكية البرلمانية، قبل 15 شهرا على الانتخابات البرلمانية، لتعيد التفاوض القديم الجديد من أجل الحصول على مكتسبات قبل وبعد انتخابات 2012 خارج الآليات الديمقراطية والانتخابية.
ويبدو أنه كلما اقتربت الانتخابات التشريعية خلقت أزمة للعمل من خلالها على رفع مطالب دستورية سابقة لأوانها.
إن الدستور المغربي كباقي دساتير العالم ليس له سقف محدد دائما، وإنما هو قائم على قاعدة الثابت والمتحرك، فالثابت منه يبقى ثابتا لفترة معينة ويصبح مستقبلا متحركا، ولكن متى نتشبث بالثابت ومتى نجعله متحركا هذه هي العملية الإصلاحية التي يجب ألا تخضع لأي اعتبارات سياسية أو حزبية أو أجندات خاصة، وإنما يجب أن تخضع لضوابط وطنية ضامنة لمصالح الوطن والمواطنين.
وبعد الخطاب الملكي ليوم الأربعاء 9 مارس الذي فاق السقف المتوقع في الإصلاحات الدستورية، حيث جعل الملك عملية مراجعة الدستور إصلاحا دستوريا شاملا، كما أن مشروع الجهوية الذي اقترحه الملك محمد السادس هو وحده بمثابة إصلاح شامل للسلطات التنفيذية المرتبطة بالتنمية المجالية للتراب الوطني.
وسأجاوز هنا ردود الفعل التي وردت من الأحزاب والمنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني ومواقف الأشخاص، والتي رحبت بالتعديلات الدستورية التي اقترحها الملك.
وأتساءل وبكل هدوء عن الإصلاحات الدستورية التي يريدها غالبية الشعب المغربي الذي لا ينتمي إلى الأحزاب ولا إلى منظمات حقوقية ولا لأي  جهة ولا يعرف الفيسبوك، وهو الذي سيصوت على التعديلات الدستورية الجديدة.
إنني شخصيا وبكل مسؤولية ووعي، أخالف من ينادي بالملكية البرلمانية على غرار الملكية البريطانية كأسلوب للنظام بالمغرب، ليس لأنني ملكي أكثر من الملك، ولكن اعتبر أخذ بعض الصلاحيات الدستورية من الملك وتسليمها لمؤسسات تسيطر عليها أحزاب عرفت تاريخيا بمحاربة التعددية والتسلط على الحكم، وتحويل مؤسسات الدولة إلى مؤسسات حزبية ستدخل المغرب إلى حكم ديكتاتورية حزبية جديدة قد تستخدم هذه السلطات الدستورية لتصفية كل من تخالفها، وتقضي نهائيا على تطلعات فئات واسعة وعريضة من الشعب المغربي. وندخل في متاهات الحكومات المتساقطة على غرار ما وقع في إيطاليا.
وقد لاحظنا منذ حكومات التناوب إلى الآن تجاوزات بكل أسف شارك فيها الجميع.
1- حكومات اهتمت بالجانب السياسي، وأهملت الجانب الاقتصادي والاجتماعي
2- حكومات ألغت النتائج الانتخابية البرلمانية، وتشكلت بمقاييس جديدة بعيدة عن الديمقراطية لأن هناك جماعات حزبية كانت تطالب بالتحكم بالنتائج الانتخابية ثم أصبحت تطالب بالمشروعية التاريخية خلافا للمرجعيات الديمقراطية.
3- كل الإخفاقات الحكومية تحاول بعض الأحزاب ربطها بالإصلاحات الدستورية وعدم وجود اختصاصات.
4- خلق مناخ سياسي غير خاضع لأي مقاييس تجعل المغاربة يعزفون به عند السياسة وتدبير الشأن العام.
5- خلق بدعة جديدة في المغرب تتجلى في أن الحكومة تحكم وتعارض في الوقت نفه، وأحيانا مع الشعب وأحيانا ضده مما جعل الحكومات المغربية المتتالية عبارة عن آلة ميكانيكية لتدبير الشان العام  لمدة 5 سنوات تتسم بالرتابة والجمود وتعيش الحكومات معزولة تماما عن الشعب المغربي.
6 – إن جميع الوزراء الذين تناوبوا على الوزارة الأولى مارسوا الإقصاء على كل الأحزاب خارج الكتلة بما فيها الأحزاب التي يحكمون بأصواتها.
إذا كانت هذه الممارسات والأعمال والتصرفات قد وقعت من الوزارة الأولى بدون صلاحيات موسعة. ماذا سيقع لو أن الوزارة الأولى أعطيت لها صلاحيات دستورية تقيل وتعين وتقصي، هنا أتساءل لمن تعطى هذه الصلاحيات ومن يحترمها, إنني مع توسيع صلاحيات الوزير الأول في بعض السلطات التنفيذية الذي يكون فيها الوزير الأول مسؤولا مسؤولية كاملة عن العمل الحكومي لكي يحاسب ويكون وزيرا أولا للجميع، ويقدم المصلحة الوطنية ومصلحة جميع الفئات على المصلحة الحزبية.
– إن الحديث عن الملكية البرلمانية قد يفقد حقوق ومصالح الشعب بسبب إسناد صلاحيات إلى فئات حزبية قد لا تقدر هذه المسؤولية وتعبث بها، كما أنه من الناحية العملية والديمقراطية يشكل دعاة الملكية البرلمانية أقلية في البرلمان، وفي الحكومة. فضلا عن أن الشعب المغربي بكل فئاته متذمر من العمل الحزبي بصفة عامة ومن العمل الحكومي بصفة خاصة، فكيف يمكن قبول توسيع صلاحيات دستورية من حكومة مثل الحكومة الحالية التي قامت على مشاركة 37 في المائة من الناخبين، بمعنى أن هذه الحكومة لا تستحق حتى أن تشرف  تعديلا دستوريا من هذا الحجم أو السقف.
ولقد استنتجت من خلال لقاءات حزبية وسياسية وثقافية أنه لو طرح على الشعب المغربي السؤال التالي: هل يقبلون بحكم الملك أم بحكم الأحزاب ؟ لكانت النتيجة لصالح حكم الملك وضد الملكية البرلمانية.
لهذا يجب طرح السؤال بهذه الطريقة على الشعب المغربي وليس على أشخاص أو أقليات.
إنني أتخوف من استغلال التعديلات الدستورية المقترحة من طرف الملك والتي هي مكتسب للشعب المغربي كيفما كان سقفها، من طرف متربصين بهذه الفرصة لفرض أجندتهم الخاصة، والتي تمثل الأقلية.
ولذلك لا يجب أن يكون التعديل الدستوري وفق توافق مع أي جهة مادام الاستفتاء الشعبي هو الحاسم ديمقراطيا كما هو معمول به دوليا.إن النقاش يجب أن يبقى نقاشا مسؤولا وحذرا ونقاشا مؤسساتيا ونقاشا لنخب مسؤولة ومؤهلة.
وتدرس بعمق كبير نبضات الشعب المغربي، ودراسات بعض الاختلالات التي يتحمل المسؤولية فيها الناخبون الكبار في الدوائر العليا الذين يقترحون على جلالة الملك الأشخاص في تدبير الأجهزة التنفيذية في المجلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لأن معظم ردود الفعل لدى الشارع المغربي تكونت ضد بعض المؤسسات بسبب وجود أشخاص لا يدبرون إدارة، ولا رأيا عاما ولا سياسة عامة، ولا يملكون تواصلا مع فئات الشعب المغربي، وإنما يعملون كأنهم منتدبون لدى شركات عامة.
بالإضافة إلى الوجود أشخاص في بعض المسؤوليات لسنوات طويلة وتخصصوا في ارتكاب العديد من الأخطاء، وفشلوا في مهامهم ولم يحاسبوا، لأن إهمال تدبير الرأي العام سياسيا واجتماعيا قد يجعل من مسيرة 20 فبراير وغيرها تكتسب شرعية خارج المؤسسات الحكومية والدستورية، والدخول في فوضى لا أحد قد يتحكم فيها بعد ذلك.
إن المناداة بتعديل الدستور ودسترة نظام الملكية البرلمانية على قاعدة الملك يسود ولا يحكم مصادرة لحقوق المغاربة وخوصصتها، وهي أيضا رهن مصالح الشعب المغربي بكل فئاته في يد أشخاص أثبتوا عمليا عدم القدرة على تسيير أحزابهم وتنظيمها، فبالأحرى تسيير الملكية البرلمانية.
إن الإصلاح يجب أن يشمل الأحزاب التي ستستلم الصلاحيات الجديدة حتى تصبح مؤسسات قائمة الذات وقادرة على التعامل مع الدستور الجديدة بكل مسؤولية وتجرد.
إننا نقول نعم للإصلاحات الدستورية التي جاء بها جلالة الملك والتي ركزت على الثوابت الوطنية التي محط إجماع (الإسلام-إمارة المؤمنين-النظام الملكي-الوحدة الترابية).
ويبدو أن توسيع صلاحيات الوزير الأول والبرلمان مطلب الجميع في إطار تحمل الأحزاب والبرلمان المسؤولية الكاملة أمام الشعب المغربي.
ولكن هناك جوانب أخرى  يجب أن لا نتحمس إليها تحت أي ضغط كيفما كان، لأن الدستور المعدل قد يستمر لعقود وستخضع له أجيال بكاملها ويرهن مستقبل المغاربة.
ولذلك، يجب على النخب السياسية والجمعوية وغيرها التريث في طبيعة الإصلاحات الدستورية، لأن الدستور يهم الشعب المغربي الذي سيقول كلمه فيه دون غيره.  

بقلم : حسن عبيابة: أستاذ جامعي للدراسات الجيوسياسية ورئيس المنتدى الليبرالي للدراسات والأبحاث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى