fbpx
منبر

الثورة العربية… القراءات الممكنة في ميكانيزمات التحول

“إن المستبدين لا ينكرون أن الحرية رائعة، لكنهم يريدونها لأنفسهم ويرون أن غيرهم غير جدير بها» توكفيل
مطلع هذه السنة، توقفت عجلة تاريخ العالم العربي عن الدوران، وصارت ثمار الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحل موسم الحصاد العربي الذي انطلق من قرطاج، يقتلع الاستبداد والقهر والفساد والطغيان… ويزرع شتائل الحرية والتعددية والكرامة والمساواة ودولة الحق والقانون… في موسم ربيعي تلوح تباشيره في الأفق. نعم إن الأنظمة العربية تدخل تدريجيا إلى مختبر سياسات التدبير ونظريات التحول واستراتيجيات الصراع. إنها مرحلة تفكيكية بامتياز سمتها الأساسية السرعة في كل شيء والتفاعل اللحظي للأحداث من غير سابق إنذار أو توجيه.
إن سيناريو أحداث تونس، مصر، اليمن، البحرين، ليبيا والبقية تأتي، أصبح  فوق أي إدراك، فالفكر لا يزال عاجزا عن القبض على ميكانيزمات التحول التي تحكم هذه اللحظة التاريخية من زمن النظام العربي الذي بدأت شمسه بالأفول. إذ المتأمل في الأحداث وما واكبها من تحليلات وقراءات يخلص إلى محصلة أساسية مفادها سطحية المعالجة المتسارعة التي تتداول في وسائل الإعلام بحكم وظيفتها في نقل الخبر وتحليله. خارج ذلك لم يسعفنا السوسيولوجيون ولا خبراء السياسات العامة ولا منظرو الفلسفات الاجتماعية من قراءة أو تحليل أكاديمي دقيق يستطيع أن يبلور رؤية أو يقعد لنظرية تحاول فهم ميكانيزمات التحول و الوقوف عند استراتيجيات التغيير وأبعاده ومداه.
لا تدعي هذه المقالة من قريب أو بعيد رصدا شاملا لمختلف الفرضيات التي أثيرت لفهم هذه المتغيرات في تونس أو مصر أو اليمن أو غيرها من الدول العربية، فكل فرضية في حد ذاتها موضوع أكاديمي للدراسة والتحليل وما خفي كان أعظم، بيد أن هذا لا يعفينا من محاولة للقراءة إن لم تمكنا من محاولة للفهم، فلا أقل إذن أن تساعدنا على وضع حد فاصل بين جملة أمور تستهلك في الإعلام اليومي دون أن يكون لها أي نصيب من الصحة.
فأولى الفرضيات تتحدث عن الثورة المعرفية الكبرى التي نشهدها الآن، والتي أفسحت المجال لتغيير آليات التبادل والتواصل والتفاعل. ولم تعد الوسائل والأدوات الاتصالية والتأثيرية التقليدية تملك ذلك الزخم التفاعلي، زيادة على ذلك نرى أن اللعبة التواصلية الجديدة ذات وقع تأثيري كبير في كل صغيرة وكبيرة داخل حياة الإنسان.
هذه المركزية لأدوات الاتصال انجرف معها الشباب في العالم العربي بنسب متفاوتة في محاولة منه للمواكبة من خلال تعاطيه اليومي المستمر معها، حتى أضحت عنصرا أساسيا في حياته، ولعل هذه المركزية وهذا النوع من الاستخدام هو بالتحديد ما مكن الشباب العربي من وعي “الذات” و”الآخر” وعيا موضوعيا سليما، كما مكنه من إدراك “العصر” و “المحيط” إدراكا بنيويا عميقا من خلال الوقوف عند نقاط الضعف ونقاط القوة للأنظمة بمختلف مؤسساتها، كل ذلك سهل آليات التعامل والتعاطي المناسب في الزمن المناسب.
وعلى النقيض من ذلك بقيت الأنظمة بكل مؤسساتها وفية لتقليدانيتها، مكتفية بالأساليب التقليدية للعملية الاتصالية، بل أكثر من ذلك لم تبذل أي مسعى للوصول إلى مستوى الفهم فقط دون إتقان آليات التوظيف.
بينما البعض الآخر، يرى الفرضية الأولى قاصرة وحدها لاستيعاب ما لم نربطها بتراجع دور المثقف الذي خان الجماهير، فصار بين أمرين لا ثالث لهما إما الارتماء في أحضان الأنظمة والتحول إلى واعظ لسلطان، أو تفضيل الهجرة والاغتراب بدل سؤال الوطن، لينكشف بذلك عجز شريحة المثقفين عن قيادة التغيير في مجتمعاتها، وأنها ليست النخبة الطليعية التي تقود المجتمع، فصار الشباب مقتنعا بقدراته الذاتية، وبفكرة صناعة الواقع من منطلق وعي جمعي عفوي تراكمي لحظي، خاصة أن التاريخ لم يعد حاضنا للحقيقة، فليس ثمة تاريخ واحد، وبذا فالحقائق متعددة ولم تعد هنالك حقيقة واحدة مطلقة.
وبين هذا وذاك ظهرت فرضية ثالثة تتحدث عن أن متغيرات المشهد العربي ما هي إلا محصلة منطقية عن ضريبة التحديث المعطوب في غياب الديمقراطية والمؤسس لصراع المصالح والهويات، بعبارة أخرى إن ما يقع على امتداد جزء كبير من الوطن العربي ما هو إلا نتيجة طبيعية لتحول غير طبيعي للمجتمع التقليدي في صراع مع متطلبات التحديث في انعدام أي تأهيل اجتماعي أو ثقافي. فالدولة التوليتارية كانت جامدة كلية، بينما مختلف التحولات الاجتماعية تمر من مراحل عدة: الكمون فالنضج ثم الانفجار.
بين كل هذه الآراء يبرز تيار رابع يحاول تفسير ما حدث على ضوء ما تشهده الأنظمة السياسة العربية من أفق مسدود وانغلاق شبه تام، أفقد اللعبة الديمقراطية أي مصداقية ـ رغم تدافعات العولمة الضاغطة وتزايد مستوى الاحتقان الاجتماعي واتساع مساحات التنفيس الافتراضي، مما سهل عملية الانتقال من الافتراضي إلى الواقعي. إننا أمام زحف للمحرومين من التعبير عن أنفسهم بحرية والمهمشين المبعدين من المشاركة في صناعة حاضر ومستقبل بلدانهم.
فرضيات إلى جانب أخرى لكل واحدة منها نصيب في تحريك المياه الآسنة في المشهد العربي، الذي صار محط اهتمام القاصي والداني، فرياح التغيير قادمة لا محال، فهذا الوباء المحمود ينتشر بسرعة في الجسم العربي الذي ظن العالم أنه مات وما عادت الحياة ترجى منه. و عمليات العبور من الهدم إلى البناء، ومن الثورة إلى الديمقراطية، ومن نظام فاسد إلى آخر راشد مبتغى الجميع، وإن كان البعض متخوفا من ضمانات نجاح هذه العملية.
المقال ينشر بالتعاون مع مشروع منبر الحرية
www. minbaralhurriyya.org
بقلم : محمد طيفوري: كاتب وباحث في العلوم القانونية من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى