fbpx
منبر

الخطاب الملكي … انتقال من الإيديولوجيا إلى العقلنة

من الواضح أن الخيار الديمقراطي الذي جعله الخطاب الملكي ليوم 9 مارس، من الثوابت المقدسة للإصلاح الدستوري، باعتباره يشكل، كما قال جلالة الملك الضمان القوي، والأساس المتين لتوافق تاريخي، الذي يدخل ضمن المصالحات التاريخية الرائدة، التي أشار إليها جلالته في الخطاب نفسه، واضح أن هذا الخيار الديمقراطي هو الذي استند إليه جلالته لجعل الأمازيغية في

صلب الهوية المغربية متعددة الروافد ، من منطلق أنها ملك لجميع المغاربة بدون استثناء، ثم  لوضع صورة الهوية بهذا الشكل، من ضمن المرتكزات الأساسية للتعديل الدستوري المرتقب.
إذن بتنصيص الدستور الجديد على هذا المرتكز، سيعلن لأول مرة أن السمة الجوهرية التي تميز هوية المغرب والمغاربة عن باقي هويات شعوب العالم هي الأمازيغية.
وهذا الإعلان عن الوعي بالذات، وبحقيقة الهوية المغربية، يشكل بدوره إعلانا آخر عن تخلص شعبنا، أخيرا، من العمل بالإيديولوجيا المبنية على الفكر المغلوط، واعتماده على العقل والعلم اللذين يعتبران أساس الخيار الديمقراطي المشار إليه آنفا، بدليل ان مجتمعنا ما كان  ليكتشف حقيقة  نفسه ، لو لم يهتد إليها  بنور العقل والعلم .
من المعلوم أن هذه الإيديولوجيا هي التي حجبت عن مجتمعنا معرفة حقيقة الكثير من الأمور، وهي التي منعته بالتالي  من التنصيص على هذه الخصوصية الأمازيغية في القانون الأساسي للمملكة الصادر سنة 1961، وكذا في سائر الدساتير التي عرفها منذ حصوله على الاستقلال، بل هي التي كانت السبب في تهميش ملوكنا السابقين للأمازيغية في مختلف العصور، وفي تهافت أفراد شعبنا على تعلم العربية بعشوائية، وعلى انتحالهم النسب العربي، لترسيخ فكر هذه الإيديولوجية في أذهانهم أن هذا الأمر يضمن لهم اكتساب أجر الدنيا وثواب الآخرة، مما أدى إلى حدوث شرخ في كيان شعبنا بين ناطقين بالدارجة الذين يتوهمون أنهم من أسلاف العرب، وبين الناطقين بالأمازيغية الذين يعتقدون أنهم من بقايا الشعب الأمازيغي المنقرض.
ومن هنا تكمن الصفة الثورية لهذا الخطاب، وتميزه التاريخي، وغير ذلك من الأوصاف التقديرية التي عبر عنها الكثير من الملاحظين من المواطنين والأجانب، لأنه، واقعيا وموضوعيا،  ليس من السهل إخراج بلادنا من جاذبية الدوامة الإيديولوجية التي كانت تدور في فراغها المظلم والبارد طيلة أربعة عشر قرنا تقريبا، إلى الفضاء الرحب للعقلنة والحداثة، الذي سيتموقع فيه المغرب بجانب الأمم المتقدمة،  من منطلق إدراك حقيقة أن العقل وحده، هو الذي يشكل المعيار الحقيقي  للتمييز بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، وليس العمارات الشاهقة أو المتاجر الراقية، أو المصانع الضخمة، أو السيارات الفخمة أو غير ذلك من الوسائل المادية للحضارة.
ومما لاشك فيه أن اللجنة الاستشارية التي عينها جلالة الملك لمراجعة الدستور، ستعي الطابع السيادي الذي أضفاه جلالته على الأمازيغية لربطه إياها  بصلب الهوية الوطنية من جهة، وبالملك المشترك لجميع المغاربة بدون استثناء من جهة أخرى، خلافا للمنظور الأيديولوجي السابق الذي كان يحصرها في فئة معينة من الشعب.
وهذا الطابع السيادي للأمازيغية يقتضي في اعتقادي أن تقوم هذه اللجنة بالتنصيص في مشروع الدستور على الهوية المغربية  بنفس الصيغة المحبوكة والدقيقة الواردة  في الخطاب الملكي المذكور، لأنها تعبر بحق عن حقيقة هذه الهوية، من حيث المعنى والمبنى.
ثم التنصيص ثانيا على جعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية استنادا إلى مبدأ اعتزاز الشعوب عامة بالقضايا المرتبطة بسيادتها وبحقوقها الطبيعية، ثم من منطلق أن إدراج القضايا السيادية في الدساتير تعتبر مسالة مبدأ، لا يقبل التأجيل أو التدرج أو اشتراط بلوغ مستوى معين من الرقي والتقدم أو غير ذلك من الشروط الأخرى، بدليل أن شعبنا  أدرج اللغة العربية  في الدستور الأول بعد حصوله على الاستقلال، رغم ثبوت  قصورها المعرفي آنذاك، وعدم بلوغها  مستوى  اللغة الفرنسية واللغة الاسبانية، لأنه كان يعتبر هذا الأمر مسالة سيادية لا تقبل الانتظار .
إذن يجب التفريق بين الاعتراف بالحق السيادي من جهة، وبين تطبيق هذا الحق وأجرأته أو تنفيذه على ارض الواقع من جهة أخرى، فالأول غير قابل للتأجيل أو التدرج  أو أي شرط آخر، أما الثاني فيقبل ذلك.
ومن هنا  ينبغي في نظري  مراعاة الوضع الهش الحالي للأمازيغية، وقصورها الموضوعي في  جل الميادين، ومحاولة معالجة هذا الواقع بصيغة توفيقية  تنص على ضرورة ترسيمها في الدستور، لاكتساء هذا الترسيم طابع الحق السيادي غير القابل لأي تأجيل أو تدرج أو غير ذلك من الشروط، ثم على ضرورة إخضاع عملية إدماجها في مؤسسات الدولة ومرافقها العمومية  للتدرج قصد توفير الشروط اللازمة لإنجاح هذا الإدماج .

بقلم: الصافي مومن علي: محام بالدارالبيضـاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى