ربورتاج

اللوحات … “بزنس” الأذكياء

الاستثمار في اللوحات استقطب الباحثين عن الربح السريع ودخول نادي الـ”كوليكسيونور”يتطلب بطاقة توصية

من الذي يصدق أن لوحة مطلية بألوان لا تتجاوز تكلفة إنجازها عشرات الدراهم، ستقفز قيمتها بين عشية وضحاها إلى مئات الملايين في بلد مثل المغرب، إنها باختصار، بوادر وعي حفزته “البراغماتية”، بأهمية اللوحات الفنية وقيمتها المادية، ما فتئ ينتشر بين صفوف الشباب، من الأطر والمقاولين والموظفين، المصنفين اجتماعيا في خانة ما فوق المتوسط أو “الجون أكتيف”، فضلوا ادخار أموالهم في الطلاء، من أجل ضمان عائد مادي مهم، يجنبهم ضيق الأزمات المالية. يجوبون أروقة العرض في مختلف المدن بحثا عن صفقة جيدة، وينتظمون في مجموعات تتبادل المعلومات والأخبار الإستراتيجية عن جديد اللوحات في السوق. ناد مخملي صغير، ينخرط فيه الأعضاء الجدد بتوصيات خاصة، والسرية والجرأة مفتاحا النجاح.

إنجاز: بدر الدين عتيقي

في أحد أزقة حي “السيال”الراقي بالبيضاء، ينزوي جمال في فيلا فخمة، خصص حيزا مهما منها، لتجميع وعرض اللوحات الفنية. لم يدخر الرجل الأربعيني جهدا على مدى سنوات في سبيل تجميع أفضل اللوحات وأكثرها قيمة. يتحول منزله كل مساء إلى رواق فني، يستقبل فيه ثلة من الأصدقاء الذين يشاركونه الشغف المربح نفسه. يتبادلون الأخبار حول جديد السوق وتداولاته، والفرص التجارية العذراء هنا وهناك. يحتد الجدل بينهم تارة ويخفت تارة أخرى. فيما يرتبك العقل عند محاولة فهم المصطلحات التي يتداولونها، مزيج من الإيطالية والفرنسية والإنجليزية، وقليل من الإسبانية. “لا نحس بالزمن ونحن نتجاذب أطراف الحديث عن جديد سوق اللوحات الفنية”، يعلق جمال على المشهد ضاحكا.

لوحات لفنانين مغاربة، أمثال الجيلالي الغرباوي وميلود الأبيض، وكذا أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية، إضافة إلى أسماء أخرى، من قبيل محمد المليحي ومحمد شبعة وآخرين، أصبحت أعمالهم ذات قيمة مالية عالية، بعيدا عما تختزله من قيم فنية وجمالية. وليس من قبيل المفاجأة أن يصل سعر إحداها إلى مليار سنتيم، فيما يفضل جامعو اللوحات المبتدئون من أمثال جمال، الذي ما زال يشدد على حداثة مساره في مجال تجميع الأعمال الفنية، الاستثمار حاليا، في لوحات تحمل توقيعات فنانين مغاربة، مثل منير الفاطمي ومحمد الباز، وكذا صفاء الرواس، إذ يتوقع ارتفاع قيمتها المالية على المدى المتوسط.

أموال قذرة
استقطب مجال تجميع اللوحات الفنية خلال السنوات الماضية، نوعيات مختلفة من الأشخاص، كما يحكي عبد اللطيف، جامع لوحات أو”كوليكسيونور”، مؤكدا أن كل ذي رأس مال أو “صاحب الشكارة”، أصبح يتجول في الأروقة ويلتقي بالفنانين، ويحضر المزادات، من أجل اقتناء لوحات فنية لا يرى فيها سوى عائدها المادي المربح، دون الالتفات إلى ما يختزله الطلاء من قيم ومعان فنية، تشير إلى مدارس تشكيلية عالمية مختلفة، موضحا أن هذه النوعية من الجامعين، غالبا ما تكون معاملاتهم المالية موضوع شبهة “تبييض”للأموال، وهو نوع من الممارسات الإجرامية الذي يعتبر شائعا خارج المغرب، ويستقطب أباطرة الجريمة المنظمة.
ويتحدث عبد اللطيف عن استعانة هذه الفئة من جامعي اللوحات الفنية بمستشارين فنيين، من أجل  ترصد اللوحات والتوقيعات، يتوقع أن ترتفع قيمتها المالية في السوق خلال الفترة المقبلة، وكذا سماسرة يسهلون عملية إقناع ملاك لوحات صغار ببيعها، علما أن مبالغ العمولة تكون سخية في هذا الشأن، وتصل حتى 10 % من سعر اقتناء اللوحة. ويثير جامع اللوحات، مدير مصلحة الموارد البشرية في إحدى الشركات الخاصة في الدار البيضاء، الانتباه إلى غياب الوعي لدى هؤلاء التجار، بكيفية حماية اللوحات من التلف وصيانتها، إلى جانب التأمين عليها ضد المخاطر، علما أن قيمتها المالية العالية، تفرض توخي الحذر في التعامل معها.
لوحات مطلوبة
يتركز الطلب في سوق اللوحات على أعمال وتوقيعات معينة، ذلك أن الأعمال التي تعود إلى الحقبة بين 1955 والسبعينات مثلا، تعتبر الأكثر طلبا حاليا، إذ يمكن أن تتجاوز قيمة اللوحة 2.2 ملايين درهم، فالمزادات المنظمة في أروقة العرض بشكل متقطع، تظهر دائما منحى السوق. وبهذا الخصوص، يتحدث سمير ناصيف، جامع لوحات فنية، عن تطور أسعار لوحات فنانين مثل الجيلالي الغرباوي، رائد المدرسة الانطباعية بالمغرب، بزائد 20 %  سنويا، لتبدأ من 550 ألف درهم فما فوق، إضافة إلى أعمال فنانين مغاربة آخرين، من قبيل ميلود الأبيض، الذي تبدأ أسعار بعض لوحاته من 600 ألف درهم، موضحا أن الاستشارات المقدمة من الخبراء، تفيد بأفضلية الاستثمار في لوحات الفنان التي تعود إلى سنوات السبعينات والثمانينات.
ويوضح جامع اللوحات الشاب، الذي عمد إلى تثقيف نفسه بشكل فردي عبر الأنترنت، حول كيفية تقييم الأعمال الفنية، والمدارس الفنية التشكيلية المختلفة، أن لوحة تحمل اسم “التعويذة الحمراء”لصاحبها أحمد الشرقاوي، تعود إلى 1967، أي تاريخ وفاة الفنان، وصل سعرها خلال أحد المزادات العلنية، المقامة قبل حوالي ثلاث سنوات، إلى 1.4 مليون درهم، فيما استقر سعر أعمال كل من فريد بلكاهية ومحمد المليحي، وكذا محمد شبعة، عند 100 ألف درهم على الأقل خلال الفترة المذكورة، مع توقعات بارتفاع القيمة إلى 800 ألف درهم بالنسبة إلى بعض الأعمال، خصوصا تلك التي تعود إلى بلكاهية.

استثمارات ذكية
على غرار جمال ورفاقه من جامعي اللوحات الفنية، وظف رشيد العلمي، “كوليكسيونور”وخبير في الأعمال الفنية،  الملايين على مدى سنوات في استثمارات ذكية، من خلال اقتناء لوحات وأعمال تحمل توقيعات كبار الفنانين بأسعار منخفضة نسبيا، لترتفع قيمتها المالية بعد ذلك في غضون سنوات قليلة، إلا أن هذا المستثمر الفني، يجمع إلى جانب الرغبة في الربح، شغفا بالأعمال الفنية واللوحات التي تعود إلى فنانين مغاربة. “لا أدري، لماذا ينظر الناس بعين الدهشة إلى لوحات لفنانين مغاربة بيعت بالملايير”، يقول رشيد باستغراب، مؤكدا أن لوحات أحمد اليعقوبي الذي توفي في 1985، اقتنيت من قبل فنانين كبار، مثل “مارلون براندو”و”مادونا” تباع بسعر 20 مليون سنتيم أو 43 مليون سنتيم، فيما تباع أعمال أصدقائه من الفنانين العالميين بالملايير، وهو الأمر الذي فسره بتقليل المغاربة من قيمة فنانيهم وأعمالهم.
ويحكي العلمي كيف أن الأذكياء من المستثمرين، الذين اقتنوا لوحات “الشعيبية”والغرباوي منذ 15 سنة مضت بسعر يتراوح بين 20 ألف درهم و30 ألفا، تضاعف سعرها اليوم بشكل كبير، مؤكدا أن الاستثمار في اللوحات الفنية يضاهي الاستثمار في الأصول العقارية، إذ تتطور قيمة العمل الفني المالية كل سنة، في الوقت الذي فضل نبيل، جامع لوحات مبتدئ، التضحية بمبلغ ادخره من أجل اقتناء سيارة، لشراء لوحتين بسعر 30 ألف درهم للواحدة، متحدثا عن اختياره بفخر وثقة، “اللوحات فلوسها فيها، وموفرة الديكور اللي نتباهي بيه في الدار”، ذلك أنه إلى جانب القيمة المادية للوحة، فهي وسيلة تزيين قديمة، تتيح لمالكها التمتع بمنظر جميل، يخفي منفعة مالية مهمة.
ويتجه عدد من جامعي اللوحات المبتدئين بشكل متزايد، إلى اقتناء لوحات لفنانين شباب بسعر يتراوح بين ثلاثة آلاف درهم و30 ألفا، ومع تزايد معرفتهم شيئا فشيئا بالقيمة الفنية للوحات الفنية، عبر زيارة أروقة العرض، البالغ عددها حاليا حوالي 30 رواقا في مختلف أنحاء المملكة، يراكمون خبرة تتطور مع الوقت، وحسا قويا حول تطور قيمة هذا العمل مقارنة مع آخر، وهو الأمر الذي يؤكده نبيل، الذي خاض تجربة تجميع اللوحات حديثا، بناء على نصيحة من صديق، سبقه إلى المجال، وراكم في ظرف عشر سنوات ملايين السنتيمات، من عمليات اقتناء وإعادة بيع صغيرة.

أروقة عرض على الشبكة العنكبوتية

معظم تجارة اللوحات الفنية مازالت تجري بطرق تقليدية عبر المعارض والمزادات، إلا أن عددا متزايدا من الفنانين يرون أن الأنترنيت أيضا، يتيح لهم فرصة كبيرة لتصريف أعمالهم، فهو يمكنهم من الوصول إلى زبائن محتملين في مناطق مختلفة بسرعة كبيرة. وبهذا الخصوص يعرض موقع مثل “آرت شوب ماروك”لوحات بسعر يبدأ من 900 درهم، مع عروض تسويقية تضم خصومات، ومرفوقة بخدمات توصيل.
وتعود الأعمال المسوقة عبر هذا الموقع وغيره من المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية، إلى فنانين مغمورين خلال الفترة الحالية، وهو الأمر الذي يقول عنه أحمد، مسير لموقع متخصص في تسويق الأعمال الفنية، إن اللوحة منخفضة السعر استثمار، ويتعين الاحتفاظ بها مثل ورقة الياناصيب، إذ من شأنها أن تخول لمالكها ربح الملايين بين لحظة وأخرى.

“الكروشاج”… مهنة تكسب ذهبا

“الكروشاج”مهنة معروفة في مجال العرض الفني بالأروقة المعروفة، يمارسها العنصر النسوي بشكل رئيسي، وتركز على تعليق اللوحات بشكل مناسب، يلائم الزائر ويراعي خصوصية الفضاء واللوحة الفنية، خصوصا ما يتعلق بالضوء والمفاضلة بين لوحة وأخرى، وكذا الألوان، وعمر العمل والمدرسة التي ينتمي إليها، فيما يصل ثمن تعليق لوحات رواق معين إلى خمسة آلاف درهم، نظير عمل لا تتجاوز مدة إنجازه ربع ساعة.
وإذا كان “الكروشاج”مهنة تكسب ذهبا، فهناك مهن أخرى مرتبطة بصيانة اللوحات الفنية، إذ يحصل متخصصون في هذا المجال على تعويضات مهمة، حين يعملون على صيانة اللوحات لفائدة الأروقة، وكذا البنوك، التي كرست مكانتها في السوق أخيرا، جامعا رئيسيا للوحات، إما بهدف الزينة أو تشجيع الفنانين المغاربة، سواء القدامى المشهورين أو الشباب المغمورين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق