fbpx
خاص

البيعة وسؤال الانسجام مع العصر

 

التعبير السنوي عن الولاء لم يعد من مهام الأعيان وأصبح يقدمه المنتخبون

لم تخرج البيعة عن مسار عمليات التحديث، التي بدأت في مغرب الاستقلال بالانتقال من بلاد السلطان إلى دولة الملكية الدستورية، إذ يشدد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، على أن التعبير عن البيعة كل سنة في ذكرى تولية الملك على العرش، يشكل وجها من وجوه الانسجام مع العصر، على أن العملية لم تعد مهام الوجهاء والأعيان، بل صارت من اختصاص المنتخبين المحليين.
وأوضح التوفيق في جلسة استضافتها الأمم المتحدة، شتنبر الماضي، في إطار الجلسات التي نظمتها لجنة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الأمن، أن سياسة المملكة في مجال تدبير الشأن الديني مستمدة من طبيعة النظام المغربي الذي يقوم، منذ أزيد من عشرة قرون، على أن ولي الأمر، أي جلالة الملك، يستمد مشروعيته من أنه أمير للمؤمنين، ملتزم بحماية الدين، “حماية (وقاية) لثوابت المغرب الدينية وحماية (تنمية وتنزيل) وفق ما تتطلبه المستجدات”.
وسجل الوزير أن بيعة المعاربة لملكهم تعاقد على الولاء مقابل التزامه بحماية ما يسميه “كليات الدين”، وهي تشمل خمسة ميادين: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ المال، وحفظ العرض. ويشمل مضمون هذه الكليات ضمان كل الحقوق التي تنص عليها الدساتير الحديثة، تضاف إليها حماية الدين، موضحا أن عقد البيعة في المغرب عقد مكتوب تعاد كتابته عند تولية ملك جديد.
 ويدفع التوفيق بأن نظام البيعة المغربية غني بتجربة تاريخية، وبحس في التواصل العقلاني والعاطفي مع الأمة، له بعد روحي آخر هو النسب الشريف، كما له رصيد في الحفاظ على الوحدة الترابية والنضال ضد الاستعمار، موضحا أن الالتزام بالكليات مستمر اليوم في أعمال الإصلاح التي تتحقق بها، في كامل تفريعاتها التفصيلية التي تشمل السياسة والاقتصاد والمجتمع، وذلك بالأسلوب الحديث الذي يتطابق مع الدستور.
وبما أن إمارة المؤمنين هي المسؤولة عن حماية الدين والمختصة بشؤونه، فإن منطق البيعة حسب التوفيق لا يترك مجالا لأي مشروع سياسي على أساس الدين، لأن السياسة ينظمها الدستور ويمارسها الفاعلون في مؤسساتها وبلغتها وضوابطها.
وتقتضي حماية الكليات الأربع الأخرى، غير الدين، القيام بجميع الإصلاحات، وفي مقدمتها الأمن والعدل وترقية المعاش، على اعتبار أن “الناس يحكمون في حياتهم اليومية، على العمل الإصلاحي لأمير المؤمنين على أنه يحمي كليات الشرع، من خلال نشاط دائب، لا فرق في تجلياته بين الخروج للصلاة وتدشين المساجد، وبين إطلاق المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والتربوية، بما فيها المبادرات التي تنمي التضامن وتحارب التهميش والإقصاء”.
واعتبر التوفيق أن من التدابير، التي تعزز المشروعية والإصلاح، الالتزام بثوابت الدين كما أجمع عليها المغاربة منذ عشرة قرون، التي تشمل بالإضافة إلى إمارة المؤمنين، العقيدة الأشعرية، التي “لا تكفر الناس ولا تقبل الحكم بالقتل بسبب المخالفات التي تتعلق أساسا بحقوق الله، لا بحقوق الغير التي يتولاها القضاء، والمذهب المالكي الغني بأساليب استخراج الأحكام من مصادرها، والمرن في إدماج الممارسات الثقافية المحلية في دائرة الشرع، بالإضافة إلى الأهمية التي يعيرها للمصلحة العامة، “الأمر الذي يترتب عنه في عصرنا إضفاء الشرعية على كل القوانين التي تخدم المصلحة دونما تناقض مع قطعيات الشرع”.
ولا يستثني التوفيق من ثوابث الدين رعاية البعد الروحي للإسلام، المعروف بالتصوف، على أساس أنه “يقوم على التربية على محاسبة النفس طريقا لبلوغ الكمال الأخلاقي المطلوب في كل تعامل، أو تساكن بين الناس، ويعبئ الوعي بحرمة الآخر، ويقلل من غلواء الانتماء العرقي والقبلي، وينشئ مؤسسات للإسعاف والحماية والتعليم والتنمية”.
ياسين قُطيب

التوفيق: إمارة المؤمنين تسد الطريق أمام الإرهاب

يشدد التوفيق على  أن إمارة المؤمنين تسد الطريق أمام الإرهاب ، وذلك بالارتكاز على عنصر المشروعية، وما يصل به من فروع الإصلاح والعمل وفق الثوابت الدينية، وجود سلطة علمية تتولى إصدار الفتاوى وتأويل النصوص، بالإضافة إلى تأطير الخدمات الدينية.
وركز الوزير في مداخلته على مسألة إصدار الفتاوى وتأويل النصوص، مذكرا أن المغرب قام بتجديد هذه الهيأة بالتنظيم القانوني والدستوري، على اعتبار أنها كانت تعرف في تاريخ المغرب بـ”مشيخة العلماء”، وتتمثل اليوم في المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية التابعة له، وموضحا أن التشريع المحدث لها ينص على دور العلماء في عدد من المجالات، كالحرص على العمل بالثوابت، سيما في المساجد، والتنمية الفكرية للقيمين الدينيين ولعموم الناس، الأمر الذي يؤدي حتما إلى محاصرة الظواهر السلبية مثل الإرهاب، فدورهم في الإرشاد وتوجيه سلوك الناس يشمل حقوق النفس وحقوق الله وحقوق الناس، يمارسونه حسب تقاليد السنة وعمل المؤسسين من أسلافهم، وفي دائرة الحرية وما ينص عليه القانون.
 وتتطابق الأدوار التربوية للعلماء مع مبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، الذي كثيرا ما يستعمله تيار الإرهاب للتشويش على سير الحياة العامة في المجتمعات، وللطعن في مشروعية الحكام، “بيد أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي وضعه القرآن لصيانة المجتمع الإسلامي من الفساد، يجد اليوم في آليات الديموقراطية أقوى الإمكانات لتفعيله، لأن العلماء يربون عليه بوازع القرآن، والدولة، بكل وسائلها، تقوم بما يتطلبه تفعيله من أنواع الردع والزجر”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق