fbpx
ربورتاج

آلة متنقلة لغسل السيارات تزاحم المحلات

زهرار حول “تريبورتر” إلى نظام هيدروليكي متطور يثير فضول المارة

امحمد خيي – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)

مازال هذا الوطن، زاخرا بشباب من أوساط شعبية، يتحدون قلة الإمكانيات وصعوبة شروط الترقي الاجتماعي، ويوظفون المادة الرمادية الموجودة في عقولهم، رأسمالا وحيدا، لإبداع أفكار مرجعية تنقذهم من العطالة.

هذا هو الانطباع الذي يخلفه، الغسال المتنقل للسيارات، الذي بدأت أخباره تتداول في البيضاء، منذ أيام.

«ما ترونه إنجاز بسيط وفي حدود ما تسمح به إمكانياتي المالية، مقارنة مع الأفكار والاختراعات التي أبدعها على الورق، منذ سن مبكرة»، يقول هشام زهرار، التقني المتخصص في الميكانيك، الذي أبدع فوق شاحنة دراجة ثلاثية العجلات، نظاما كهرو-ميكانيكيا متنقلا، لغسل السيارات والشاحنات.

غسال متنقل
يعد المولعون بمعاينة أمواج المحيط الأطلسي وهي تتلاطم بجدران مسجد الحسن الثاني بالبيضاء، أول مكتشفي اختراع «التريبورتر اللي كايغسل الطوموبيلات»،  إذ اختار هشام، ابن درب السلطان الشعبي، البالغ من العمر 36 سنة، منذ شهر، «الكورنيش» الممتد من المسجد إلى محطة معالجة المياه «العنق»، رقعة يقدم فيها خدماته.

وصار ياسين، من أوائل الزبناء الذين اكتسب الغسال المتنقل ثقتهم، إذ غلبه الفضول ذات مرة،  ولم يتردد في ركن سيارته البيضاء الضخمة والفخمة، من نوع «رونجريفير»،  قرب «الدراجة الغسالة»، وطلب من صاحب الاختراع، أن يعيد إليها بياضها الناصع، ويقوم بتنظيفها من الداخل وغسلها من الخارج، فربح هشام التحدي.

وتتم العملية في الظروف ذاتها المعتمدة في المحلات الحديثة لغسل السيارات: يركن السائق سيارته بشكل مواز للدراجة ثلاثية العجلات، ويفتح أبوابها، أمام هشام ومساعده، ليقوم بعمله. ويبدأ الغسال بتشغيل محرك ركبه فوق الدراجة، يشتغل بالبنزين ليولد الكهرباء، ما ينتج عنه تحريك الشفاطة الكهربائية الخاصة بتنظيف الزرابي، لتشرع بحركات متواترة في تنظيف مقاعد السيارة وأرضيتها مما علق بها من غبار وأتربة.

وبفضل المولد الكهربائي ذاته، يشغل الغسال، مضخة للهواء، قبل أن يتحكم في قناة ذات رأس على شكل مسدس، ليتولى النفخ به داخل السيارة، لتخليص أبوابها وطاولة التحكم الموجودة بجانب المقود من الأوساخ.

وفوق الدراجة ذاتها، ركب هشام صهريجا للمياه من سعة 500 لتر، ثبته على منصة حديدية، واخترع له نظاما يضخ المياه ويخلطها أتوماتيكيا بمحاليل التنظيف الخاصة بالسيارات، لتكون النتيجة، رغوة ذات عبير فواح، يرش بها هيكل السيارة، لتنظيفه.
وبعد انتهاء أعمال التنظيف والغسل والتجفيف، يتوجه الغسال من جديد، نحو القناة المرتبطة بمضخة الهواء، ويطوف على عجلات سيارة الزبون، ليمدها بما تحتاجه من هواء تطوي به المسافات على الطرقات، فيتسلم من زبونه تسعيرة الغسل المحددة في 40 درهما.

تقني  متخصص
لا يخشى هشام زهرار، السيارات والآلات، ولا يتردد في تقديم نصائح لزبنائه واقتراح خدمات الإصلاح التي يجيدها، لأنه ليس غريبا عن الميدان، إذ بعد أن غادر الثانوية التأهيلية سنة 1997، قرر التوجه نحو التكوين المهني، حيث تخرج عام 2000، حاملا شهادة تقني مؤهل في التصنيع والإصلاح الميكانيكي.
ويحكي هذا الأب لطفلين قصة ولعه، لـ»الصباح» قائلا: «بوصولي إلى المستوى الإعدادي في الدراسة، ومع تلقي أول الدروس العلمية، اكتشفت في نفسي ولعا برسم المحركات والأشكال الهندسية الميكانيكية، ورغبة في سبر أغوار عالم المحركات والآلات الميكانيكية وكيفيات صنعها، وقررت ولوج التكوين المهني في تخصص الميكانيك».
وبعد التخرج، وجد الشاب الأسمر النحيف ذو الذقن غير الحليق، أول فرصة عمل، تقنيا في التصنيع، لدى شركة مغربية، متخصصة منذ 1982 في تصميم وتصنيع أنظمة الدفع «الهيدرولي»، وذاع صيتها أكثر، بعد فوزها بصفقة إنشاء نظام الإغلاق والفتح التلقائي للأبواب الصخمة لمسجد الحسن الثاني بالبيضاء.
وظل الفتى في عمله بالشركة يكتسب الخبرة والتجربة منذ 2000 إلى 2012، تاريخ تسريحه مع مجموعة من العمال، بعد أن عين «رئيس ورش التصنيع الهيدرولي»، ليصير شبح الفاقة والحاجة، يتربص به، سيما أن زوجته، العاملة في التخصص الميكانيكي ذاته، كانت بين العمال المسرحين.
لم يفقد هشام وزوجته الأمل، فظل ينتقل بين أوراش الميكانيك عاملا مياوما، وما لم يناد عليه سائق من أصدقائه ليصلح له سيارة أو شاحنة تعطلت في طريق على حين غرة، ينشغل في بيته، بإبداع رسوم وتصاميم لأحواض الأسماك وبالعزف على القيثارة.

الحاجة أم الاختراع
منذ شهر، يخرج هشام، من بيته في درب غلف، ويتوجه بورشته المتنقلة، نحو «كورنيش» مسجد الحسن الثاني، الفضاء الشاسع المترب، حيث لا يضايق أحدا، فيباشر غسل سيارات مرتادي الفضاء، ما لم يتلق اتصال زبون يطلب منه التنقل إليه ليستفيد من خدماته في الغسل والتصليح.
وعندما تسأل الشاب، إن كانت «الحاجة أم هذا الاختراع»، يجيب برحابة صدر مبتسما خجلا، «سأحكي لك قصة الفكرة: لقد كنت، أثناء فترة العطالة التي مررت بها، زبونا لمحطة غسل وتنظيف في شارع 2 مارس، تتيح لأصحاب الدراجات والسيارات، هذه العملية مقابل 10 دراهم، ليتولى الزبون بنفسه غسل دراجاته أو سيارته». ومع توالي تردد هشام على خدمات المحطة لغسل دراجته النارية، تولدت لديه الرغبة في اكتشاف كيفية عمل أنظمة غسل السيارات، لتتولد لديه فكرة توظيف ولعه بالتقنية، ليخترع شيئا مماثلا، غير مكلف، ولا يحتاج إلى عقار أو فضاء شاسع، فلم يجد غير شاحنة دراجته الثلاثية العجلات، منصة يركب عليها النظام.
ويؤكد هشام، أن بلوغ النتيجة الحالية، لم يكن هينا، إذ أنشأ نظاما، لكنه لم يكن بمستوى طموحاته، فظل يعيد الكرة ويجرب، إلى أن صنع الورشة المتنقلة ذات اللون البرتقالي المميز، التي يجول بها حاليا محيط مسجد الحسن الثاني، بحثا عن سائقين يرغبون في غسل سياراتهم، وهي الفرصة التي تتيح لهم الدردشة مع شاب أنقذ نفسه وأسرته، بمشروع بسيط، يطمح إلى تكبيره وتوسيعه، حتى يرتقي به اجتماعيا.

الحاجة أم الاختراع

لعل هشام زهرار، هو الشاب الوحيد بالمغرب، حاليا، الذي استطاع أن يتخذ من دراجة ثلاثية العجلات منقذا له من الفاقة، دون أن يهدد حياة الناس ويضايقهم، إذ كان بإمكان هذا الشاب، أن يلتحق بفوضى آلاف مالكي هذه الدراجات الأسيوية، ويمتهن نقل البضائع والأشخاص بها، دون التقيد بقانون، أو بشروط السلامة على الطريق.
ويحدث ذلك، في وقت لم يظهر فيه أثر للإجراءات التي أعلنتها وزارة النقل والتجهيز، لاحتواء فوضى الدراجات ثلاثية العجلات، والتي فرض عددها المتزايد، البالغ حوالي 500 ألف، إصدار قرار وزاري يحاول معالجة غموض الوضعية القانونية لاستخدامها.
ومع ذلك، لا يظهر أن «التريبورتر»، سينزع عنه توصيف «الخطر»، باعتبار أن مشروع القانون المعدل والمتمم لمدونة السير، الذي طرحته وزارة النقل، يسير نحو الترخيص لها بنقل الأشخاص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى