fbpx
خاص

المغرب يتجه نحو تبني مفهوم الدستور التعاقدي

تعددت نشأة الدساتير بين الممنوحة و التعاقدية ودساتير الجمعية التأسيسية والاستفتاء الشعبي

يحيل النقاش الدائر حول مسلك تعديل الدستور بين من يرى أن المبادرة الملكية تأتي انسجاما مع الأولوية التي يمنحها الدستور للملك في ذلك، وأن شرعيتها تكمن في أن يحظى الدستور الجديد بشرعية ديمقراطية من خلال الاستفتاء الشعبي، ونخب اليسار الجذري والعدل والإحسان المطالبين بأن يصدر الدستور من قبل جمعية تأسيسية بعد حل جميع المجالس المنتخبة، وتكريس مفهوم السلطة التأسيسية من خلال تجسيد الإرداة الشعبية في انتخاب الجمعية التأسيسية، إلا أن تاريخ نشأة الدساتير يجعل من خصوصية تطور المجتمعات والأنظمة السياسية عاملا حاسما في اختيار صيغة وضع الدستور.
لا يمكن حسب فقهاء القانون الدستوري وصف طريقة إعداد الدساتير منذ سنة 1962 إلى الآن بأنها تندرج ضمن مفهوم «المنحة» أي أن الحاكم يتنازل طوعا عن بعض من سلطاته لفائدة الشعب ويهب دستورا جديدا، كما يراه، لشعبه، لأن التعاقد السياسي الذي أنتج دساتير المغرب كان قائما دائما بين أحزاب الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية، رغم تمسك تيارات داخلها منذ الستينات بمطلب الجمعية التأسيسية الذي اختفى مع مرور الوقت، لأن قواعد اللعبة السياسية أصبحت توضع خارج الدستور والمؤسسات من خلال مسلك المذكرات والمشاورات…
ردود الفعل الصادرة حول طريقة التعديل العميق للدستور كما طرحه الملك في خطابه، والذي تولت بموجبه لجنة يعين الملك رئيسها وباقي أعضائها بتشاور مع القوى الحية في البلاد، تجعلنا ملزمين بالرجوع إلى الفقه الدستوري من أجل توضيح المفاهيم ومرجعياتها التاريخية.
ذهب الفقه الدستوري المقارن إلى تصنيف طرق أو أساليب وضع الدساتير إلى صنفين ،الصنف الأول،وأسماه بالطريق الملكي وتشمل المنحة والعقد، والصنف الثاني يدعى بالطرق الديمقراطية ويشمل الجمعية التأسيسية والاستفتاء.
-طريقة المنحة Octrioميزت مرحلة تاريخية انتقلت فيها الملكيات، من ملكية مطلقة Monarchie absolue إلى ملكية مقيدة Monarchie Limitee يتنازل فيها الحكام (ملوكا أو أيا كانت ألقابهم) عن بعض سلطاتهم وامتيازاتهم للأمة، ويكون هذا التنازل بدستور يمنحه الحاكم للأمة، ومثال ذلك الدستور الفرنسي لسنة1814 والذي كان منحة من لويس الثامن عشر، وكذلك الدستور الإيطالي لسنة1848 والذي كان منحة من الملك شارل البرت الى سردينا، والدساتير المصرية لسنة1923 ،ولسنة1930 ،ولسنة1934 ، ولسنة 1935.
والمفروض في هذه الطريقة أن صاحب السلطان حين يتنازل عن بعض سلطاته فإنما يتنازل عنها بمحض اختياره، أما الواقع فعكس ذلك،إذ أنه إنما يتنازل لإنقاذ موقفه المتأزم وتحت ضغط مطالبة الأمة بحقوقها، ولهذا فمن المتفق عليه أنه بعد صدور الدستور(الممنوح)لا يستطيع الحاكم أو الملك بمفرده أن يسحبه لتعلق حق الأمة به، إذ الأصل أن الأمة هي صاحبة السيادة، وهي التي يحق لها أن تحكم نفسها.
أما  طريقة التعاقد على الدستور بين الحاكم و الشعب Le pacte فتعني أن الدستور يصدر وفقا لهذه الطريقة نتيجة الاتفاق بين الملك وبين الشعب، ومن أمثلة هذه الدساتير: الميثاق الأعظم الانجليزي Magna carta لسنة1215 فلقد أرغم النبلاء الملك على التنازل عن بعض سلطاته وامتيازاته في الميثاق والذي لا يزال يعتبر جزءا من دستور انجلترا العرفي. وكذلك الدستور الفرنسي لسنة 1830 والذي جاء على إثر ثورة ضد الملك شارل العاشر الذي تنكر للدستور فاضطرته الثورة للتنازل عن العرش،ثم حصل التعاقد بعد ذلك بين نواب الأمة الذين اجتمعوا ووضعوا مشروعا لدستور جديد ، ومن هذه الإجراءات استقى الفقهاء الصفة التعاقدية للدستور.
أما الطريقة الثالثة فتعني وضع الدساتير بواسطة جمعية تأسيسية، وبمقتضى هذه الطريقة تضع الدستور جمعية منتخبة من الشعب، تمثل كافة فئاته الاجتماعية والسياسية والمدنية.
ثم اقتبست الثورة الفرنسية هذه الطريقة من أميركا وأضفت عليها رداء فلسفيا تحت تأثير فقهاء مدرسة القانون الطبيعي وعلى الأخص فاتيل الذي فرق بين القوانين العادية، والقوانين الأساسية أي الدستور، وتحت تأثير نظرية العقد الاجتماعي الذي اشتهر باسم جان جاك روسو، فالدستور بالنسبة لكثير من رجال الثورة يعتبر الأساس الذي يتحقق به العقد الاجتماعي، هذا العقد الذي يكون المجتمع السياسي وينشأ بإنشائه السلطة العامة ولا يتحقق هذا العقد إلا باتفاق مجموع الأفراد واختيارهم لحياة الجماعة.
أما الطريقة الرابعة فتعني طريقة الاستفتاء الشعبي، وبمقتضاها لا تصدر الدساتير إلا بعد موافقة الشعب عليها باستفتائه في نصوصها، أما هذه النصوص فقد تضعها جمعية مؤسسة منتخبة لهذا الغرض من قبل الأمة، أو تقوم بوضعها لجان خاصة بل وقد يضعها الحاكم نفسه، ولكنها في جميع هذه الأحوال تبقى مشروعا فقط ما لم يصوت عليه بالموافقة من قبل الأمة، أي أن القيمة القانونية للدستور في هذه الطريقة لا تحصل إلا بعد عرضه على الشعب وموافقته عليه، أما قبل هذا أي قبل إجراء الاستفتاء والتصويت على الدستور بالموافقة، فهو مجرد مشروع ولا فرق في ذلك أن يكون هذا المشروع قد أعد من قبل جمعية تأسيسية منتخبة، أو من قبل لجان معينة، أو من قبل الحاكم نفسه.
وأخيرا قد تبدو هذه الطريقة أكثر ديمقراطية من غيرها، إذ يقرر الشعب بنفسه ومباشرة في دستوره الذي يرتضيه، إلا أنها تفرض وصول الشعب إلى درجة كبرى من النضج السياسي.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى