وطنية

مصطفى سلمة… “رهينة بوليساريو”

مصطفى سلمة ولد سيدي مولد، بطل صحراوي انبعث من وسط المخيمات. واحد من شباب المخيمات. درس بها وحصل على شهادة البكالوريا، قبل أن يلتحق بالجامعة في الجزائر العاصمة ليتابع دراسته في العلوم الفيزيائية. كان واحدا من الطلبة الصحراويين المتفوقين في دراستهم، غير أن شخصيته القوية ودفاعه المبكر عن أفكاره بكل حرية، جعلاه لا يخرج من الجامعة إلا مفتشا للشرطة في المخيمات، بينما نجح الباقون، من زملاء الدراسة الذين كانوا ينشطون في الجامعة لحساب المخابرات الجزائرية ويتجسسون على أبناء قبيلتهم من الطلبة الصحراويين، في الحصول على مناصب المسؤولية بفضل الولاءات والتزلف إلى قيادة الجبهة.

هادئ مثل الأبطال دائما. الابتسامة لا تفارقه، ودهاء كبير يشع من عينيه. بثقة كبيرة في النفس كان يتحدث إلى جموع الحاضرين من أبناء قبيلته في مدينة السمارة، وكان ينتقي الكلمات لئلا يكون لها رجع صدى وهو العارف بخبايا المخيمات، وحدود العنف الذي تمارسه أجهزة المخابرات الجزائرية على من يبدي رأيا مخالفا لقيادة بوليساريو. بين كلماته ودفاعه المستميت عن حق الصحراويين في العيش الكريم فوق وطنهم وداخل وطنهم، كانت صورة البطل تولد. كانت صورته تكبر في أعين الكثير من القابعين تحت سوط بوليساريو في المخيمات.
راهن البطل الصحراوي على الرجوع إلى المخيمات، بعد أن قال كلمة حق، وطالب بوقف الاتجار بمأساة الآلاف من سكان المخيمات، وجدوا أنفسهم رهينة حسابات استخباراتية تورط فيها قادة بوليساريو منذ منتصف السبعينات، وتورط معهم عشرات من الصحراويين الذين آمنوا بفكرة الوطن، قبل أن يتحول الوطن إلى وثن جزائري يتعبد حوله مسؤولو الجبهة. راهن مصطفى سلمة ولد سيدي مولود على المخاطرة بنفسه من أجل الدفاع عن فكرته، فتحول إلى رهينة بيد ميليشيات بوليساريو، لكنه كان مثل جمرة حارقة تتقاذفها الأيدي، وتنوء بها بعيدا عن المخيمات مخافة أن تشعل فتيل انتفاضة مثل تلك التي اشتعلت في 1988.
بقي مصطفى سلمة شامخا، يتابع ضباط المخابرات الجزائرية وعناصر بوليساريو يركضون وراءه. لم ينل السوط منه ومن شرف كلمته التي دافع عنها، صبورا مثل الصحراء. تعب الجلاد ولم يتعب الضحية. خبا صوت الجلادين في سجون تندوف وثكناتها العسكرية وبقي صوت مصطفى سلمة صادحا، يتردد صداه بين أوتاد المخيمات كلها، حينها أحست بوليساريو أن مصطفى سلمة يحمل نورا إلى تندوف، فوق بؤرة ظلت لسنوات طويلة محاصرة، حينها قررت التخلص منه وترحيله إلى منطقة عازلة، لإدراكها أن الضوء خير علاج للتعفن الذي فاحت رائحته وسط المخيمات.

إحسان الحافظي ورضوان حفياني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق