fbpx
منبر

حماية هيبة القاضي وضمان استقلاليته من صميم الإصلاح

مقر وزارة العدل
ورش إصلاح القضاء من أهم الأوراش التي يشتغل عليها مغرب العهد الجديد

لو قيل إن من أهم ما يملكه القاضي هو هيبته، لكان هذا القول صحيحا مائة بالمائة، ولو قيل إن أهم ما يمكن أن يعد إصلاحا حقيقيا في مجال العدالة هو  ضمان استقلالية القضاء وترسيخها لكان هذا القول أيضا صحيحا لا غبار عليه… لكن! أي هيبة هذه، وأي استقلالية نتحدث عنهما في ظل حملة عمياء يتعرض لها القضاء.
وأخص بالذكر هنا قضاء الأسرة من طرف جهات تحاول بكل جهدها الضغط على القاضي ومحاصرته والتشنيع به بسبب حكم قضى به، وهو يعلم أنه وحده، نعم وحده الذي سيقف بين يدي الله ليحاسبه عليه. لقد تطاول الكثيرون تارة باسم البحث الجامعي وتارة في  مؤتمرات جمعيات المجتمع المدني يصبّون جامّ غضبهم على القضاة، فمرّة يتهمونهم بالجمود، كما هو حال العديد من البحوث التي وقفت عليها، ومرة يصفون أحكامهم بالجائرة والمنافية للعدالة، ومرة أخرى- تتهم محكمة للأسرة- وسط المغرب- بأنها تقاوم تطبيق المدونة في نشرة أخبار القناة الثانية في صورة لا يجب السكوت عليها.
نعم، إننا لا نقر للقاضي بالعصمة من الخطأ، فهذا واضح لا يزايد علينا فيه أحد، لكن القانون كفل للجميع ما يضمن العدالة، وحدد ضوابط لتحقيقها يعرفها الجميع ليس من بينها أبدا أن نتطاول على القضاة ونتهمهم تلك التهم الجاهزة.
وفي الوقت نفسه نحترم للباحثين ما يثرون به الأحكام القضائية ويبدونه من ملاحظات سيستفيد منها القضاة قبل غيرهم، لكن هذه الملاحظات لا يجب أن تغفل جانب الأدب في مخاطبة القاضي ولا يجب أصلا أن يتعلق مضمونها بالقاضي، بل بما قضى به.
ثم ما معنى أن نتهم القاضي بأنه يقاوم تطبيق مدونة الأسرة، وهو المكلف بتطبيقها؟ بل تلك مهمته ليس له غيرها، أي اتهام خطير وخبيث هذا!!؟؟ وننسى أو نتناسى أن مؤسسة القضاء هي التي كانت دائما إلى جانب الأسرة-بأطرافها كلها- في وقت غاب فيه النص القانوني، ومن له أدنى فكرة حول ما يتعلق بتطبيق أحكام السعاية داخل محاكم سوس على وجه الخصوص يفهم ما أقول.
إن هذه الحملة -وأصر أنها كذلك- إنما يقصد أصحابها توجيه القضاء اتجاها مُعينا-وهيهات- وفرض آراء محدّدة على عقلية القاضي، وهي آراء لم يحسم فيها المشرع نفسه أو تركها لسلطة القاضي، وفي أحيان أخرى تتناقض وروح التشريع كما هوا الحال بالنسبة لمن يعيبــون على القضاة عدم اعترافهم بعمل المرأة المنزلي.
كيف أفرض على القاضي أن يؤول النص بما يتناسب ورأيي، كيف أفرض عليه أن لا يرى إلاّ ما أرى، وإلاّ نعته بأقبح الصفات وجيّشت الجميع ضده، ويبلغ الأمر ذروته عندما يقع هذا التجييش والضغط أثناء قيام الدعوى في مس خطير بسيرها واستقلالية القضاء.
إنه لا سبيل لإصلاح القضاء بدون ضمان استقلال القاضي واحترام هيبته وشخصه ومكانته وزجر من ينتقص من هذه الأمور التي بدونها تسقط مكانة القضاء كله داخل المجتمع، ولن يتحقق هذا الأمر إلاّ بتعبئة الجميع إعلاميين وباحثين ومختصين ومهتمين ومهنيين ومدرّسين ومسؤولين ومجتمع مدني لتحمل مسؤولية إصلاح القضاء الذي يعد من أهم وأكبر الأوراش التي يشتغل عليها مغرب العهد الجديد، والذي تعتبر مسألة استقلالية القاضي واحترام مكانته داخل المجتمع أمراً أساسيا وجوهريا فيه، وللقضاة جميعا الذين يتحرون العدل ومصلحة الأطراف المقاومين لكل الضغوط والملتزمين-قبل أي شيء- بتطبيق القانون كل احترامي وتقديري وامتناني.
عبد الوهاب محسن: باحث في مجال الأسرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى