fbpx
خاص

سوق الأغنام بسطات… “الشناقة” يلهبون الأسعار

ما إن تبدأ الشمس في إرسال أول خيوط فجر اليوم الجديد، حتى تدب الحركة في أرجاء سوق الأحد الاسبوعي بسطات، على امتداد 10 أيام التي تسبق عيد الاضحى. يتحول السوق إلى محج للآلاف من الباحثين على أضحية العيد، لكن ليس كل من يفد إلى السوق زبونا محتملا. «الصباح» تجولت في السوق، ورصدت بعض المشاهد التي أصبحت تلازم كل عيد، مع اكتساح «للشناقة» وحضور لافت لمحترفي الشهادة بالزور، والمتربصين بجيوب المواطنين.

“الشناقة” أسياد السوق

تجده في كل زاوية من زوايا السوق. لا تلتئم مجموعة أو حلقة صغيرة دون أن يكون جزءا منها، بل ومسير نقاشاتها. حديثه على الأعم حول الانخفاض الكارثي في أثمنة الاكباش بالاسواق المجاورة. ملامحه غير غريبة فهو يتفنن في تغيير المهن، هو الكتبي عند الدخول الدراسي، والحلواني، وبائع الخردة، وبائع مواد التنظيف… واليوم هو فلاح بعمامة وجلباب صوفي غامق ولكنة بدوية مصطنعة، يقطع مداخل و مخارج السوق بخطوات رياضية سريعة و عيناه لا تحيدان عن الشاحنات التي تدخل السوق محملة بالأكباش. إنه «الشناق» أو دركي بورصة سوق الأغنام، كما يحلو للكثيرين تسميته.
«الشناقة» في المخيال الشعبي للمغاربة هم أولائك الأشخاص المتنكرون بلبوس الفلاحين، يقومون بشراء الأكباش من عند «الكسابة» بثمن، ثم يعمدون بعد ذلك إلى بيعها من جديد بأثمنة تفوق الثمن الأصلي، ما يؤدي إلى ارتفاع أثمانها بسرعة.
و»للشناقة» قواعد لعب لا يعلمها سوى الراسخين في لعبة «تشناقت»، فيعمدون بدهاء على الاتفاق فيما بينهم على تخفيض الأثمنة المعروضة، لتكون في صالحهم، بل أنهم يشكلون «لوبيا» حقيقيا داخل السوق، للتأثير على «الكسابة»، وعلى الأثمنة وجعلها منخفضة، ويلجؤون من أجل ذلك الى عدة طرق في الشراء، أهمها اجتماع اثنين أو ثلاثة على كساب أو فلاح واحد يريد بيع كبش مثلا، فيعطيه أحد هؤلاء «الشناقة» ثمنا ويطلب منه أن يبيع سلعته قبل أن ينخفض الثمن بدعوى أن العرض كثير، وأحيانا يقاطعه «شناق» آخر، هو في الأصل شريكه، فيعطي لنفس الكساب ثمنا أقل من صاحبه «الشناق» الأول في محاولة منهما للتأثير على هذا الكساب، إلى أن يشتري أحدهما الكبش بالثمن الذي حددوه، لأن الكساب في مثل هذه الحالات ليس له خيار.
اللعبة تتحول من التوسل إلى الكساب وتحذيره في مرات كثيرة إلى التحكم الجزئي في أسعار السوق مباشرة بعد وضع اليد على الأكباش، ليتحول «الشناق» بقوة الواقع المفروض إلى سيد السوق، والذي يتحكم في الثمن كما يريد، ضاربا عرض الحائط بكل بلاغات وزارة الفلاحة التي تتحدث عن وفرة العرض وعن استقرار الاثمان.
«للشناقة» منطقهم وطرقهم الخاصة في التسويق، فهم  يعمدون إلى عدة حيل تضلل المواطن الذي يرغب في شراء الكبش، ومنها أنهم يقومون بتزيين الكبش عن طريق قص صوفه، وتنظيفه حتى تتغير ملامحه، ويتحول من كبش عاد إلى كبش يثير انتباه المشتري الذي لا علم له، وليس له دراية بعملية قياس جودة الكبش، دون الحديث عن لجوء «الشناقة» إلى خدع أمكر وأخطر، كإرغام الكبش على شرب مواد تجعله منتفخا، مثل سقيه بالخميرة ممزوجة بالماء، وهي العملية التي تهدد بموت الخروف، قبل يوم العيد المنتظر بأحر الأشواق.
في جعبة «الشناق» الكثير من الألاعيب والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبدر من كساب سهر الليالي من أجل رعاية أكباشه، وحل متسلحا بالقناعة الى السوق لبيع منتوجاته،  لذلك، فإن الكساب في كثير من الأحيان، يتساءل باستغراب عن كيفية حصول الشناق على كل هذه الأرباح في وقت وجيز.

شهود تحت الطلب

حكايا الإقناع لم تعد أمرا ثانويا داخل سوق الأغنام، فالنظام التجاري هناك طور نفسه بشكل جعل لعملية بيع أضحية العيد عناصر ووسائل لا غنى عنها، فلا يكتفي العارض كيفما كان «كسابا» أو «شناقا» بجودة معروضاته لاقناع المشتري، بل أضحى الاعتماد ضروريا على شهود تحت الطلب ليعززوا المقدمة التي يحفظونها عن ظهر قلب تتغنى بمناقب ومحاسن الخروف، وعلى تدخل طرف ثالث في الموضوع، يقسم بأغلظ الأيمان، ويرفع صوته ويديه الى السماء، ويهمس في ادن المشتري المنتظر يحدثه عن «الهمزة» وعن «الحولي الفابور» الذي بصدد شرائه،  وفي كثير من الأحيان، تنطلي الحيلة بسهولة على المشترين، و إذا رمت بهم أقدامهم إلى إحدى المقاهي الشعبية المنصوبة داخل السوق، فعلى الأرجح سيشاهدون البائع وشاهده يحتسيان كأس شاي منعنع وضحكتهما تجلجل في المكان.

 حضي راسك لا يفوزو بيك..

«حضي راسك لا يفوزو بيك القومان»، لازمة تتناقلها كل مكونات السوق، فالكسابة يحرصون منذ أن تطأ أقدامهم رحبة السوق على وضع إجراءات أمنية صارمة لحماية قطيعهم. الكثيرون يعمدون إلى تطويق الأغنام، ووضع شخص في مكان بعيد نسبيا وبزاوية نظر جيدة تسمح له بمراقبة كل صغيرة وكبيرة، ولا يبدو بأن تحلق عدد كبير من الناس حول الأكباش يخلق لديهم مشكلا، مادامت الأدوار موزعة جيدا، والعيون يقظة لما يجري ويدور، ورغم ذلك، فإن أغلب الكسابة يتحدثون بتفاخر عن إحباطهم محاولات نصب أو سرقة بفضل يقظة فريقهم «الأمني».
رواد السوق بدورهم لا يتخلصون من فوبيا سرقة «ميزانية أضحيتهم»، إلا بعد أن يسلموها ويستلموا الكبش، قصص سرقات تعرض لها البعض على مدار السنوات الماضية تسيطر على مخيلة العديدين، وتجعلهم يتعاملون مع محفظات نقودهم  كالقابض على الجمر، حركية غير عادية غالبا لا ينتبه اليها الجميع بالسوق، مع أشخاص لم يحضروا للسوق بغرض البيع أو الشراء، لكنهم لتأمين العملية، رجال أمن يتنكرون بملابس بدوية أو ملابس عادية يجولون السوق ذهابا وإيابا، وأعينهم تتفحص كل الوجوه، بالنسبة إليهم تسجيل عملية سرقة في حضورهم إهانة لا يمكن أن يقبلوها، لذلك فمؤشر اليقظة لديهم في مداه الأقصى.
غير بعيد عن باب «الرحبة» شخص في عقده الرابع يولول ويرغي، صراخه استرعى انتباه اشخاص تجمعوا حوله. ما يفهم من كلامه أنه تعرض لعملية سرقة لمدخراته، وهو الآن  يرثي حاله وحال أطفاله الذين ينتظرون بشوق خروف العيد، مما جعل العديديـــــــــن بحركة سريعــــــة يفرغون ما في جيوبهم من فكة ويضعونها في يد «الضحية». أثـــار انتباهنا صـــــوت ضحكة مجلجلة لشخصين كانــــا بجوارنا بـــــــدا أنهما فلاحان، تجاهلا نظرتنا المستنكــــــــــــــرة لصنيعهمــــــــــــا، وأطلقا عبارتهما التي نزلت كقطعة ثلج باردة على قلوب جميع من كان بجوارنا: «هاذا الشخص تمت سرقته بثلاثة أسواق متتالية بالإقليم وأعقباها بضحكة مجلجلة. تحولت ملامح الشفقة إلى غضب ارتسم على الوجوه، بعد اكتشاف أن الشخص محتال و يتقمص دور ضحية السرقة ليجمع الصدقات.  
هشام الأزهري
(سطات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى