fbpx
خاص

زواج القاصرات … احتيال على القوانين

اعتماد مبررات واهية في الإذن بالزواج والقضاء يساير أغلبها

رغم أن مدونة الأسرة حددت السن القانوني للزواج، الذي يفترض اعتماده في جميع الزيجات، وتشددت في الاستثناء الممنوح لزواج القاصر، فإن مؤشرات تزويج القاصرين التي يتم تسجيلها سنويا منذ دخول المدونة حيز التنفيذ سنة 2004 ، تطرح أكثر من تساؤل على مستوى الارتفاع المتنامي لعدد رسوم زواج القاصرين، مما يجعل القوانين الحمائية، والمؤسسات الساهرة على إنفاذها وجميع الفاعلين محط مساءلة، حول التدابير التي يتعين اتخاذها للحد من هذا الزواج، نظرا لما يترتب عنه من تبعات وآثار، تحول دون تمتع الأطفال بحقوقهم كاملة، ويجعلهم أكثر عرضة للعنف بشتى أنواعه، فضلا عن ارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضع. كما يشكل هذا الزواج إحدى العقبات الرئيسية التي تحول دون ضمان فرص التعليم والعمل وغيرها من فرص التمكين للفتيات.

إنجاز: كريمة مصلي

التعامل المبهم مع مسألة زواج القاصرات سجلته دراسة ميدانية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان تم الكشف عنها بداية الأسبوع الجاري، وقدمت تشريحا عمليا لواقع تزويج القاصرات بالمغرب، وموقف القضاء من ذلك.

المشورة بشكل غير رسمي

أظهرت الدراسة أنه من خلال المقابلات التي أجريت مـع عـدد مـن المهنيين داخـل منظومة العدالة، أكدوا أن الأرقام الرسـمية التي تنشر حـول طلبات تزويـج الطفلات لا تشـمل جميع الحالات التي تـرد علـى المحاكـم، والتي يتـم غالبا اسـتقبالها في إطـار عمـل خلايا التكفل بالنساء والأطفال بالمحاكم، أو من خلال الاستقبالات التي تتم بشكل غير رسمي بهدف الحصول على المشورة القانونية.
ويلاحظ أن قضاة النيابة العامة والمساعدين الاجتماعيين وخلايا التكفل بالنساء والفتيات هم من بين أكثـر الجهـات التـي تقـدم المشـورة القانونيـة، والتـي يكـون الهدف منهـا تفادي تسـجيل طلبـات للإذن بزواج قاصـر مـؤدى عنهـا، يكون مآلها الرفـض، نظرا للظـروف الاجتماعية لعدد من الفئات الهشـة التي تقـدم طلبات تزويج القاصـرات.
كمـا أكدت أغلبية المسـتجوبين أنهم يقومـون بدور «الوسـاطة» لإقناع أولياء أمور الفتيات بتأخير تقديم طلبـات تزويجهـن الـى حيـن بلوغهن سـن 17 أو 18 سـنة، أو إلى حين اتمامهن دراستهن، ويلاحظ أن هذا المعطى لا يدخل ضمن الجهاز الإحصائي, خاصة وأنه لا يتم تحرير أي محاضر اسـتماع بشـأن طلبـات الحصـول علـى المشـورة القانونية.

قلة الموارد تحد من البحث الاجتماعي

76 بالمائة مـن أفـراد العينة المستجوبة في الدراسة أكدوا أن البحث الاجتماعي يتـم داخل المحكمة، بينمـا صرح 23 بالمائة فقـط بإمكانية إجـراء البحـث الاجتماعـي خارجها، ويرجع سـبب قلة حالات انتقـال المساعدة أو المساعد الاجتماعي إلى خارج المحكمة إلى قلة الموارد المالية واللوجسـتيك المخصص للمسـاعدة الاجتماعية، وضعـف التفـرغ، وهـو مـا يصعـب إمكانية القيام بأبحاث ميدانية للتأكـد مـن ظـروف الطفـل ومـن ظروف الخاطب ومدى وجود مصلحة للطفـل، فضلا عـن عامل آخر يتمثـل في ارتفاع عـدد الطلبات المقدمة أمـام المحاكم والبت فيهـا داخـل اليـوم نفـسه، بشـكل يتعـذر معـه منطقيا قيـام المساعد الاجتماعي بالبحث خارج جـدران المحكمة.
وأكـد 30 بالمائة منهم أنهم يحضرون لجلسـة الاسـتماع إلى الطفل باعتبارهم مسـاعدين للقضـاء، بينمـا أكـد 70 بالمائـة منهـم أنهـم لا يحضـرون هـذه الجلسـات لانعـدام الأسـاس القانونـي لحضورهـم ولعـدم التفـرغ، ولأن دورهـم يبـدأ عنـد تكليفهـم مـن قبل قضـاة الأسـرة بإنجـاز بحـث اجتماعي، وغالبا ما يتم ذلك باستماعهم مـن جديد للطفلة للوقـوف علـى ظروفها الاجتماعية، كما تبين أن 52 بالمائـة مـن الأبحاث الاجتماعية ينجزها القضاة أنفسهم، وأن 35 بالمائة من هـذه الأبحاث تسـند إلى المساعدة الاجتماعية. كما تبين أنه في حالات أخرى لا تتجاوز 11 بالمائة تتم الاسـتعانة بأبحاث تجريها جهات أخرى من بينها الشرطة أو الدرك أو السلطات الإدارية.

قضاة لا يتتبعون مصير ملفاتهم

وقفت الدراسة الميدانية للمجلس الوطني لحقوق الإنسان على نقطة مهمة في شأن تتبع قضاة لمآل الطعون في الأحكام التي يصدرونها في ملف زواج القاصرات، سواء أمام محكمة الاستئناف أو النقض، وأكدت الدراسة أن 88 في المائة من القضاة لا يتتبعون مآل الطعون المتعلقة بأحكامهم، بينما حوالي 12 في المائة منهم فقط أنهم قـد يتتبعون مآل هذه الطعون، حينما تعرض عليهم في ملفات أخـرى خاصة مع اسـتحضار عنصر عدم التفرغ.

التحايل لاستصدار أحكام

لاحظت الدراسة أن عـددا مـن الأحكام الصادرة عـن بعض أقسـام قضـاء الأسـرة، قضت فـي وقـت سابق بعدم قبول طلبات ثبوت الزوجية، فـي حالة ثبوت تحايل أطرافها على مسـاطر التعـدد أو زواج القاصرات، كما عملت في أحوال أخرى علـى تطبيق مقتضيات المواد المتعلقة بتزويج الطفلات أو بالتعدد أثناء النظر فـي دعاوى ثبـوت الزوجية ترتبط بهاتين المسطرتين، وفي هـذا السـياق اعتبـر قسـم قضاء الأسرة بأزيلال أن عدم سلوك مسطرة الإذن بالزواج بقاصر لم تبلغ 18 سـنة لا يعد ظرفا قاهرا يحول دون توثيق الزواج طبقا لمقتضيات المادة 16 من مدونة الأسرة، وعلـل حكمه بمـا يلي: «… حيث طالب المدعي باستصدار حكم يقضي فـي مواجهة المدعى عليها بثبـوت الزوجية بينهما، وحيث إن المانع الذي حال دون إبرام عقد الزواج في حينه هو أن الزوجة قاصر، وحيث إن السبب المذكور لا يعتبر من قبيل السبب الاستثنائي المانع من إبرام عقد الزواج في إبانه، وحيث كان بإمكان الطرفين سلوك مسطرة تزويج القاصر، وحيث والحالة هذه يبقى الطلب غير مبرر ويتعين عدم الاستجابة له». وحسب الدراسة فإن هذا التوجه أكدتـه عدد من أقسـام قضاء الأسـرة، كما تم تأييده استئنافيا.

المبررات المعتمدة

وقفت الدراسة على وجود تفاوت فـي أعمال السلطة التقديرية للقضاة بخصوص المبررات المعتمدة في تعليل طلبات تزويج الأطفال، التي يمكن إجمالها في 10 مبررات، أولها مراعاة التقاليد والأعراف، إذ في كثير مـن طلبات تزويج الطفلات يستند فيهـا أصحاب هـذه الطلبات علـى الأعراف والتقاليد بالمنطقة والتي تقتضي تزويج الفتيات فـي سـن مبكرة تحصينا لهن، أو خوفا من فقدان فرصة الـزواج، ويأتي بعدها اليتم أو غياب الأب، ثم تزويج الطفلة بسبب القرابة، وتستند بعـض الطلبـات المقدمة إلى المحاكم على وجود مصلحة للطفلة أو الطفل بتزويجهما من أحد الأقارب، وغالبا ما تتم الاستجابة إلى هذه الطلبات من خلال اعتماد حيثيات من قبيل: «وحيث إن الخاطب ابن عمها، وكثير المخالطة بهم، وأن المخطوبة قادرة على الزواج والأمومة، وأن الخاطـب كفء لها».
الأسباب الاقتصادية هي الأخرى يتم اعتمادها في تبرير زواج القاصرات، إذ أحيانا يفسـر العمل القضائي شـرط مصلحة الطفلة مـن ناحية مادية ويعتبر أن تزويج الطفلة مـن شأنه ضمان عيـش أفضل لها، خاصـة حينمـا تكون متحدرة مـن أوسـاط هشـة وفقيرة، ويكون الخاطـب ميسور الحال.

إرغام على مغادرة المدرسة

ومن الأسباب المعتمدة أيضا تلك المتعلقة بعدم التمدرس، إذ يلاحظ من خلال نماذج مقررات قضائية وجود توجه عام يرمي إلى رفض طلبات تزويج الطفلات، إذا كن يتابعن دراستهن، وقد أدى هـذا التوجه ببعض أولياء أمور الفتيات إلى إرغامهن على الانقطاع عن الدراسة، وأصبحت شهادة الانقطاع عـن الدراسـة وثيقـة من بيـن الوثائـق التي يدلى بهـا في ملـف طلب تزويج القاصر، وهو ما يبدو من خلال عدة مقررات قضائية اعتمدت علـى منح الإذن بالتزويج على أن الطفلة لا تتابع دراستها.

تزويج الطفلة المغتصبة من مغتصبها

وقفت الدراسة على نماذج من طلبات تزويج الطفلات، اللواتي يكن ضحايا اغتصاب أو تغرير أو علاقة جنسية خارج إطار مؤسسة الزواج أو حمل غير مرغوب فيه، والملاحـظ أن أغلب هذه الطلبات تكـون مغلفة بدواع أخرى، غير حقيقية، مثل رغبة أسرة الطفلة فـي إحصانها، ولا يتم الإشارة في المقال الافتتاحي إلى أن الطفلة ضحية اعتداء جنسي، وغالبا ما يتم الكشـف عـن ذلك في جلسة البحث الاجتماعي، إذ تصرح به الطفلـة طواعية عند الاستماع إليها على انفراد، أو يصرح بذلك أحد والديها، للضغط «معنويا» علـى المحكمة لمنح الإذن بتزويج الطفلة، وفي أحيان أخرى يتم الكشـف عن ذلك حينما يأمر القاضي باستدعاء الخاطب للتعرف عليه، وتضطر أسرة الطفلة للبوح بأن الخاطب يوجد بالسجن، وفي أحوال أخرى يتم الكشف عن هذا المعطى نتيجة الخبرة الطبية، التي تفيد أن الطفلة تعرضت لاغتصاب، أو أنها حامل.

سن الزواج الواقعي

يعتبر معيار السن من المعايير التي يعتمدها القضاء في دراسة طلبات تزويج الطفلات، ورغم أن مدونة الأسرة لم تحدد سنا أدنى للزواج، إلا أن الممارسة القضائية فـي أغلب أقسام قضاء الأسرة اهتدت إلى تحديد السن الأدنى للزواج ما بين 16 سنة و17، مع إمكانية النزول إلى سـن 15 سنة في حالات نادرة، كما يلاحظ أن عـددا مـن الطلبات يستند فيهـا الآباء على مبرر نضج الفتاة، ويلاحظ أن هـذا المبرر يختلف عـن مبرر السـن، كأن يكـون سـن الطفلة أقل من 16 سنة، ويدعي ولي أمرها أنها ناضجة بشكل أكبر من السن المدون فـي سجلات الحالة المدنية، ويستند أصحاب هـذا المبرر فـي كثير من الأحيان علـى تصورات ثقافية تجعل مـن معيار النضج معيارا متميزا عـن معيار السن.

الخوف من علاقة جنسية خارج الزواج

يلاحظ أن عددا مـن الطلبات المقدمة إلى المحاكم للحصول على إذن بتزويج الطفلات، تعتمد على مبررات الخـوف عليهن مـن العنت أو الوقوع فـي المعصية أو الفسـاد، ويلاحظ أن عددا مـن المقـررات القضائية التي تسـتجيب للطلب تعتمد علـى المبرر نفـسه، إذ يتم تبرير شـرط المصلحة فـي الخوف مـن دخول الطفلة في علاقة جنسـية خارج إطار مؤسسة الزواج، وتعتمد لذلك عدة مبررات من قبيل «الاتقاء مما يخشى معه العنت أو ما تتطلبه المحافظـة علـى العفـة والشـرف والحمايـة والإحصان مـن الوقوع في الفسـاد»، فـي المقابـل يلاحظ أن محاكم أخـرى لا تعتبـر هـذا السبب مبررا كافيا للاستجابة إلى الطلب، حتـى وإن أدلى ولي أمر الطفلة بلفيف عدلي يشهد شهوده بأن ابنته يخاف عليها من الوقوع في الفساد.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى