fbpx
ملف الصباح

الفقهاء حرموا الخمر وأجازوا شرب النبيذ

أبو حنيفة حصر الخمر في شراب العنب وأحداث محرجة كانت سببا في تحريمه

رغم أن غالبية المذاهب الفقهية حرمت الخمر بصفة قطعية، بل ودعت إلى الحد على شاربها، إلا أن هناك وجهة نظر أخرى، يتزعمها بعض علماء الحنفية، ترى أن شرب الخمر ليس محرما إذا لم يسكر وأن باقي المسكرات الأخرى، من قبيل النبيذ، يجوز شربها، لكن دون أن يسكر صاحبها. قد يثير موقف الطرف الثاني استغراب العامة ، الذين سيشهرون في وجه أصحابه أحاديث تحرم الخمر والآية الكريمة “ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون”، للدلالة على التحريم. غير أن حديث الصحابي الجليل ابن مسعود حول الخمر يطرح العديد من الأسئلة، التي تصل إلى حد “الصدمة”، إذ روي عنه أنه قال: “شهدت تحريم الخمر كما شهدتم، ثم شهدت تحليله، فحفظت ونسيتم”.
بل يضيف أنصار هذا الطرح رواية صحابي جليل آخر، وهو أبو موسى الأشعري التي قال فيها “بعثني رسول الله أنا ومعاذا إلى اليمن فقلنا يا رسول الله: إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير: أحدهما يقال له المزر، والآخر يقال له البتع. فما نشرب؟ فقال: اشربا ولا تسكرا”.
قبل الخوض في موضوع تحريم الخمر من عدمه، تحدث المؤرخون أن الخمر خلال الدعوة الإسلامية كان مباحا، إذ شربه المسلمون وكبار الصحابة مدة 13 سنة بمكة، وأنهم استمروا في شربه حتى بعد الهجرة إلى المدينة لمدة تباينت حسب الرواة بين ثلاث سنوات وثمان، قبل أن يبدأ تحريمه تدريجيا.
ويقدم المؤرخون دليلا على جواز شرب الخمر خلال هذه الفترات، من القرآن، خصوصا سورة النحل، الآية 67 “ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون”، والتي قالوا إنها نزلت قبل آية التحريم، بل إن القرآن وعد المؤمنين بأنهار من الخمر بالجنة.
بدأ تحريم الخمر تدريجيا، بداية خلال واقعة شهيرة، عندما كان الصحابة يحتسون الخمر في جمع عند الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف، وعند الصلاة أمهم أحدهم، فحذف حرف “لا” في الآية “قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون”، لتنزل الآية “يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون” (النساء – الآية 43).
بعد هذه الآية، تشير المصادر التاريخية أن المسلمين انقسموا بين شارب للخمر ورافض لها، قبل أن تقع وقائع أخرى أحرجت الرسول الكريم وكبار الصحابة، خصوصا عندما بلغ إلى علمه أن أحد المهاجرين وهو سكران “ناح” قتلى المشركين خلال غزوة بدر، بل يسجل واقعة مثيرة، عندما أساء حمزة بن عبد المطلب وهو سكران الحديث مع الرسول وخاطبه بفظاظة، قبل أن يعتذر له.
فجاءت الآيتان 90 و91 في سورة المائدة “يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون”.  
رغم هذه الآية، تشير المصادر إلى صحابة شربوا الخمر، منهم ابن مسعود، ، بل منهم من دفع حياته ثمن ذلك، بعد أن نفذ فيه حد شرب الخمر، من قبيل عبد الرحمن بن عمر، في زمن خلافة والده عمر ابن الخطاب.
بعيدا عن موقف الصحابة، انقسمت المذاهب الأربعة حول تحريم واجتناب الخمر، إذ حصر الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، الخمر في الآية السابقة في جميع الأنبذة المسكرة سواء كانت من التمر والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها، واعتبروها خمرا وكلها محرمة.
في حين خالفهم الإمام أبو حنيفة، الذي اعتبر  أن المقصود بالخمر في الآية عصير العنب، مستندا إلى المعنى اللغوي لكلمة الخمر وأحاديث أخرى. وكان من نتائج اجتهاده، تحليل بعض أنواع من الأنبذة كنبيذ التمر والزبيب والعسل والتين والبر، وهو ما جعل فقهاء يرون في اجتهاد أبي حنيفة اقتداء بموقف الصحابي ابن مسعود، الذي كان كان يرى تحليل النبيذ.
على نقيض الخمر، لم يقع خلاف كبير حول النبيذ من قبل علماء الدين، الذين أجازوا شربه لكن بشرطين، الأول ألا يأتي عليه ثلاثة أيام بلياليهن حتى لا يتحول إلى خمر، والثاني ألا يجمع فيه بين شيئين مختلفين كتمر وزبيب.
هناك أحاديث عديدة تشير إلى أن الرسول الكريم والخلفاء والصحابة كانوا يشربون النبيذ، إذ جاء في السنن أن النبي “كان ينبذ له في سقاء فإذا لم يجدوا سقاء نبذ له في تور من حجارة، وهو إناء صغير يشرب فيه ويتوضأ منه”، وفي حديث آخر أن النبي استسقى، فقال رجل من القوم: ألا نسقيك نبيذا؟ قال: بلى،
وروي قول عائشة عن المادة التي تصنع منها النبيذ فقالت: “كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب فألقيه في إناء فأمرسه ثم أسقيه النبي”.
وروى عبد الله بن مسعود أن النبي شرب في آخر حجة له إلى مكة من سقاية العباس فوجده شديدا، فقطب بين عينيه، ودعا بدلو من ماء زمزم فصب عليه، وقال: “إذا كان هكذا، فأكسروه بالماء”.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى