fbpx
ملف الصباح

المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط

كتاب لمصطفى نشاط يسلط الضوء على جوانب منسية من علاقة المغاربة بالخمر

رغم أن تاريخ عادات وتقاليد الأكل والشرب في المغرب ما زال مبحثا عصيا على البحث التاريخي، إذ أن المراجع والكتب الصادرة في هذا الشأن قليلة جدا، إلا أنه يمكن القول إن كتاب “جوانب من تاريخ المشروبات المسكرة بالمغرب الوسيط” للدكتور مصطفى نشاط ، واحد من الكتب القليلة التي تطرقت إلى جانب من هذه العادات وحاولت الإحاطة به من عدة جوانب.
الكتاب الصادر قبل سنوات عن منشورات “الزمن” (سلسلة “قضايا تاريخية”) ورغم أن صفحاته بالكاد تتجاوز المائة، إلا أنه فتح الطريق في اتجاه مسألة كثيرا ما سكت عنها المؤرخون أو تجاهلوها، وهي علاقة مغاربة العصر الوسيط بالخمر، وكيف كان أجدادنا يتعاملون مع هذا “المشروب السحري” الذي تباينت بشأنه الآراء والمواقف، ما بين التحريم الظاهري والاستسلام لسحره وإغرائه من طرف الشيوخ والفقهاء والسلاطين وعامة الناس.
وقسم مصطفى نشاط كتابه إلى أربعة مباحث تناول في أولها “جوانب من جغرافية الخمور بالمغرب الوسيط” وفي الثاني “الخمور والمجتمع بالمغرب الوسيط” أما في المبحث الثالث فخصصه ل”الخمور ورقة سياسية” بينما تطرق في المبحث الرابع ل”شعر الخمريات بالمغرب الوسيط”.
أما مسألة عبارة “العصر الوسيط” وما يمكن أن تطرحه من إشكال على المستوى النظري من منطلق التساؤل في ما إذا عاش المغرب فعلا هذه المرحلة، فقد أجاب عنها نشاط “أن استعمال هذا المفهوم لم يتم إخضاعه للمعيار الحضاري أو التشكيلة الاجتماعية، كما أنه لا يستدعي عصرا وسيطا في التاريخ الأوروبي، إيمانا منا بأن للتاريخ المغربي خصوصياته وتمفصلاته وتموجاته المميزة له”
لذا فقد كتب المؤلف كتابه بدقة المرحلة التاريخية التي تشملها الدراسة وهي محطتين أساسيتين من تاريخ المغرب: دخول الإسلام إلى المنطقة، أواسط القرن الأول الهجري وحتى سقوط مدينة سبتة في يد البرتغال سنة 1415م (القرن التاسع الهجري).
ويشير الكاتب إلى أن زراعة الكروم تعد إحدى الزراعات القديمة بالمغرب، إذ تشير بعض المصادر إلى أنه سادت ببعض الجبال خلال فترة سيطرة الفينيقيين على السواحل المغربية، ثم توسعت زراعتها في العصر الروماني.
كما تؤكد المصادر ذاتها أن الفاتحين المسلمين وجدوا سكان البلاد يتعاطون زراعة الكروم ويحولونها إلى خمور، معززا ذلك بروايات تاريخية من مصادر معلومة لدى الباحثين ك”البيان المغرب” لابن عذاري المراكشي و”الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري” و”فتوح افريقية” للواقدي.
ويتحدث الباحث في الفصل الأول عن جوانب من جغرافية الخمور بالمغرب الوسيط ، كمناطق زراعة الكروم خلال العصرين الموحدي والمريني، ويذكر العديد من هذه المناطق التي تتوزع شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ثم أنواع العنب وصناعة الخمور وتسلل المسكرات الأوربية إلى المغرب الوسيط بطرق متعددة ووسائل مختلفة، طالما تحدث عنها المؤرخون بدءا بالعصر المرابطي وحتى سقوط الشواطئ المغربية في يد الأسبان والبرتغال.
وفي هذا الفصل أيضا يشير نشاط إلى “تسلل الخمور الأوربية إلى المغرب الوسيط” مؤكدا أن تجارة الخمور بين الأوربيين والمغاربة، توسعت أكثر في العصر المريني، مرجعا ذلك إلى أن التجارة المغربية الأوربية شهدت حينها انفتاحا وازدهارا لم تبلغها من قبل، بحكم أن المرينيين كانوا في حاجة ماسة إلى التجارة مع الأوربيين باعتبارها أهم المصادر المادية التي أسسوا عليها توازنات حكمهم، سيما من خلال الضرائب الجمركية. كما أن أعداد اليهود والنصارى بالمغرب المريني ارتفع بشكل ملحوظ، مقارنة مع بقية فترات العصر الوسيط، وانتشار ظاهرة بيع “أهل الذمة” الخمور للمسلمين.  
أما في الفصل الثاني فيتطرق الكاتب إلى مسألة الخمور والمجتمع بالمغرب الوسيط مؤكدا تعاطي كثير من شرائح الخاصة والعامة للخمور المسكرة وغير المسكرة ، وفي ظل مختلف الدول التي تعاقبت على حكم البلاد عبر الفترة المدروسة…وفي الفصل الموالي يتحدث الأستاذ نشاط عن الخمور كورقة سياسية، استغلت في فترات الصراع المرابطي الموحدي خاصة،ومن أجل تأليب الناس ضد السلطة القائمة باعتبارها تشجع الموبقات وما إلى ذلك…
أما في الجزء الأخير من الكتاب، فيتعرض الباحث لشعر الخمريات بالمغرب الوسيط وهو شعر قليل على وجه العموم ، نظم في هذا الغرض قياسا إلى الأغراض الأخرى، غير أنه ظل حاضرا عبر كل مراحل الشعر المغربي خلال نفس الفترة المدروسة… وفي الأخير يشير الكاتب إلى بعض امتدادات ظواهر الخمور، كموقف المغاربة من الحشيشة والتي كانت منتشرة بالشرق ولم تصل المغرب إلا في حدود القرن الثامن الهجري…إلى أن ظهرت العصور الحديثة فعرفت البلاد الشاي والتبغ، وانتشرت جلسات الأنس صحبة كؤوس الشاي، بل تمت مقارنته بالخمر في حين انقسم الفقهاء بين محلل للتبغ ومحرم له.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق