fbpx
حوادث

رخصة البناء … أزمة تدبير أم أزمة تشريع؟!

الواقع العملي للرخصة الضمنية صعب لما تلعبه من دور أساسي في التعامل مع جميع الإدارات العمومية

تعتبر وثيقة تصميم التهيئة المرجع الأَسَاس لضمان الأَمْن التعاقدي بين الإِدارة من جهة، وأصحاب الملكية العقارية أو المستثمر من جهة أخرى، بحيث تنظم هاته الوثيقة استغلال واستعمال الوعاء العقاري داخل المدن والقرى حسب حاجيات المجتمع من مجموعات سكنية صناعية أو سياحية، بالإضافة إلى الارتفاقات العمومية من طرق ومساحات خضراء، وتخصيص مناطق للمنشأة الإدارية العامة. وبهدف تجاوز الاختلالات المتعلقة بالتعمير قام المشرع بإصدار ترسانة قانونية تستجيب لتنظيم سياسة التعمير: قانون التعمير رقم 90/12، وقانون التجزئات العقارية والمجموعات السكنية رقم 90/25، كما أصدر كذلك القانون رقم 66/12 لزجر المخالفات، ناهيك عن إصدار مجموعة من التدابير والضوابط الواجب احترامها من قبل المنعشين العقاريين تحت طائلة العقوبات الزجرية أو المدنية في مواجهة كل مخالفة لقوانين التعمير أو رفض الترخيص من قبل الجهة الإدارية المعنية في حالة عدم مطابقة المشروع لمقتضيات القوانين السالفة الذكر.

وعليه فما هي الإجراءات والمساطر القانونية الواجب اتباعها للحصول على رخصة البناء..؟ وما هي الجهات التي خول لها القانون صلاحيات مراقبة البناء وزجر المخالفات؟

يتم توجيه ومراقبة العمليات في مجال السكنى والتعمير بوسائل قانونية محددة، والتي تعد بمثابة الرخصة الإدارية، وتمنحها السلطات الإدارية المختصة التي لها الصلاحية المطلقة في رفض أو منح الترخيص بمقتضى قانون التعمير 90/12، وكذلك قانون التجزئات العقارية والمجموعات السكنية 90/25 مع ضرورة تقديم طلب الى الإدارة المختصة للحصول على إذن إحداث مجموعة سكنية. وقد جاء مرسوم ضابط البناء الصادر سنة 2013م بإجراءات أسهمت في توحيد المساطر وتحديد آجال للترخيص في ميدان البناء والتعمير، إذ نص على ضرورة إيداع طلبات الحصول على رخصة البناء والسكن من قبل مهندس معماري بشكل إلكتروني في موقع رخصتي، بل تم التنصيص على أن التوقيع يكون الكترونيا (حسب رسالة وزير الداخلية المؤرخة في أبريل 2020)، سعيا من الإدارة لتحقيق الأمن الإداري بواسطة هذا المُوَقِّع الالكتروني.

وبعد دراسة الملف من طرف اللجنة التقنية المخول لها ذلك قانونا تتخذ السلطات التي لها صلاحيات منح الرخصة القرارات الآتية:

رخصة صالحة: يمنح رئيس المجلس الجماعي رخصة البناء بشكل صريح بعد مطابقة المشروع لجميع المقتضيات التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.
رخصة معلقة على شرط: يمنح رئيس الجماعة رخصة البناء بتحفظ وبشروط يجب الالتزام بها عند إنجاز المشروع المرخص وتسمى الرخصة المقيدة.
الرخصة الضمنية: بمقتضى المادة 48 من قانون التعمير والتي تنص على أن سكوت رئيس المجلس الجماعي عند انقضاء مدة شهرين من تاريخ إيداع طلب الحصول على رخصة البناء يعتبر بمثابة الموافقة الضمنية لهاته الرخصة، وكذلك بمقتضى المادة 08 من القانون رقم 90/25 عند مضي أجل ثلاثة أشهر من تقديم طلب إحداث تجزئة أو مجموعة سكنية مع شرط مطابقة المشروع لوثائق التعمير المعمول بها، وعليه فسكوت الإدارة يعتبر بمثابة إذن بإنجاز التجزئة.
لكن الواقع العملي للرخصة الضمنية صعب جدا نظرا لما تلعبه من دور أساسي في التعامل مع جميع الإدارات العمومية، وكذلك دور رخصة البناء باعتبارها وثيقة أساسية لتأسيس عقد البيع، خصوصا بيع العقار في طور الإنجاز. كما نعلم أن رخصة البناء تعد التزاما موثقا بين الإدارة والمستثمر وفق شروط معينة وواضحة يجب احترامها حتى إنهاء الأشغال، ودخول مرحلة تسليم صلاحية السكن، فهاته الوثيقة (أي تسليم السكن) بمثابة اعتراف وموافقة الإدارة والمهندس المعماري للمشروع بمطابقته للوثائق التعميرية والرخصة المخصصة لإنجازه.

الجهات المختصة لمراقبة البناء وزجر المخالفات
إذا كانت رخص التعمير تعتبر قرارات إدارية في إطار ممارسة سلطة التعمير فقد جاء القانون رقم 66/12 المتعلق بزجر المخالفات بمستجدات تتعلق بتنظيم أوراش البناء وفرضها على المشرف المختص بإدارة الأشغال، كأن يمسك دفتر الورش لتدوين كافة العمليات التي تمت من خلال زيارات جل المتدخلين وملاحظاتهم التقنية، وكذلك بعقوبات يمكن للإدارة أن تمارسها في حق المخالف لأحكامه.
وفي حالة ما إذا كانت أشغال البناء المكونة للمخالفة مازالت في طور الإنجاز وَجَبَ تحرير محضر المخالفة من قبل موظفين لهم صفة ضابط الشرطة القضائية، وترسل النسخة الأصلية إلى وكيل الملك في أقل من ثلاثة أيام، وكذلك نسخة أخرى إلى السلطة المحلية، ورئيس المجلس الجماعي، والوكالة الحضرية، والمخالف. وإذا لم ينفذ المخالف الأمر بإيقاف الأشغال في الحال يتم حجز أدوات البناء وإغلاق الورش ووضع الأختام عليه.
 ويوجه الأمر للمخالف لإنهاء المخالفة في أجل ما بين 10 أيام وشهر، وبعد ذلك تصدر السلطة الإدارية أمراً بهدم الأبنية المخالفة ويبلغ إلى المخالف، وإذا لم ينفذ الهدم في الأجل المضروب لذلك تولت الإدارة القيام بالهدم داخل أجل 48 ساعة.
 كما تضمن هذا القانون عقوبات حبسية لكل إحداث لتجزئة عقارية أو مجموعة سكنية في منطقة غير قابلة لاستقبالها بموجب النظم المقررة.

خلاصة
نخلص إلى قصور التشريع المغربي في مجال البناء والتعمير، نظرا لأن القوانين والنظم الجاري بها العمل في هذا القطاع مرت عليها أكثر من اثنين وثلاثين سنة، ولإرساء قواعد جديدة للتنافس وتحسين مناخ الأعمال واستقطاب المستثمرين وتطبيق مبادئ الحكامة الجيدة لتدبير الشأن العمومي في مجال التعمير والبناء، والاحترام الكامل لمبدإ دستورية الملكية العقارية، والتي لا يمكن المساس بها إلا بموجب قانون ينظم توظيف هذا العقار حسب الفصل 35 من الدستور المغربي، ولهذا وَجَبَ على المشرع المغربي إصدار قوانين جديدة تواكب تطورات العصر وتكون محل الاطمئنان، وتحمي الحقوق العامة والخاصة في قطاع التعمير والبناء.
*دكتور في القانون
باحث في قضايا العقار والتعمير


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى