fbpx
ملف الصباح

تحرير الملك العمومي … سلطة القائد أقوى من القاضي

الأول ينفذ حملات مباغتة تتخللها اختلالات والثاني تخشاه السلطة لأن مساطره طويلة

بالرجوع إلى قانون التعمير والبناء، فإن جميع المخالفات المتعلقة بالبناء أي ما يهم الهدم تثبت بالمحاضر وهناك إشراف النيابة العامة على عملية الهدم وهناك إحالة على المحكمة المختصة لمراقبة شرعية المسطرة، ثم إصدار حكم في الموضوع. كما يستشف من مقتضيات القوانين ذات الصلة، وجوب إنذار المخالف وإمهاله أجلا معقولا وإفساح المجال لإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو إجراء الحوار والتفاوض لإفراز حل رضائي سلمي متحضر، في إطار الحفاظ على السلم والأمن واستقرار المعاملات دون ضرر ولا ضرار.
وعند مشاهدة عملية هدم تقوم به السلطة المحلية بواسطة أعوانها والمركبات والآليات المسخرة لفائدتها من أجل ما يسمى “تحرير الملك العمومي”، يحيل الأمر على مفاهيم دستورية تارة، وقانونية تارة أخرى بل واجتماعية إنسانية من ناحية أخرى.
كيف وصل الأمر إلى هذا الحد ليخلق وضعية غير مشروعة تؤدي إلى الأمر بالهدم “الإداري” بشكل غير منظم وغير مقبول من الناحية الاجتماعية؟.
فمشاهدة الواقعة بتفاصيلها من حضور الحشد والمباغتة وإحضار العتاد والعباد لتنفيذ عملية “الهدم” توحي في شكلها أنها محاطة بالارتياب وعدم الاطمئنان للفعل نفسه، ثم الشعور بعدم الرضى، لأن كل هذا مبني أساسا على خطأ من جانب الإدارة أصلا.
لأن المفهوم الدستوري لدولة الحق والقانون يتناقض والقيام بالعملية المسماة “الهدم الإداري” للتمييز بينه وبين الهدم القضائي، أي بناء على حكم نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به، صدر في إطار محاكمة عادلة تتوفر فيها جميع الضمانات الدستورية منها والقانونية، وأتيح لطرفي الدعوى العمومية والخصومة الجنائية إبداء جميع أوجه دفاعهما ووسائل إثباتهما، وفي عدة مراحل قضائية ابتدائية واستئنافية ونقض وإعادة النظر، وتعرض عند الاقتضاء، أي ضمانات عديدة تحت إشراف السلطة القضائية بل وتحت مظلة مؤسسة قضاء التنفيذ، أي إطارا قانونيا يجعل من عملية التنفيذ شرعية، تطمئن لها النفوس ويستسلم لها المنفذ عليه ويطمئن لها المجتمع، وهذا بعكس عملية الهدم الإداري التي تنعدم فيها غالبا الضمانات المذكورة، بل وتسيطر عليه المفاهيم السلبية التي لا تعدو أن تكون وجها سلبيا للإدارة الترابية في هذه الفترة الزمنية بالذات. فمهما بلغ الأمر من حدة وتأثير، فإن ضبط النفس هو سيد الميدان، إذ أن إعمال سلطان القانون هو الملجأ والحل الوحيد لفك المفاهيم السلبية عن العملية القيصرية التي تقعد صاحبها عن الحركة نسبيا مؤقتا، لكن آثارها مستمرة ووقعها قوي يصاحبه الضرر المادي والمعنوي ويلحق بأطراف العملية سواء كان المعني بالأمر أم لا.
إن الهدم أولا هو عكس التشييد والبناء والإصلاح بما للكلمة من معنى إيجابي، وباستثناء الهدم القضائي أو بمناسبة تنفيذ حكم نهائي، فإن الهدم الإداري الممارس عنوة وبشكل فجائي في غياب تأطير قانوني يجعل المعني بالأمر “ضحية” تارة و”مظلوما» تارة أخرى في جميع الحالات التي تباشر فيها العملية بالطريقة المعتادة من قبل بعض رجال السلطة المحليين، تنفيذا لتعليمات شفوية يغيب فيها المنطق أحيانا، وتغيب عنها الحكمة والإنسانية أحيانا أخرى.
فعلى فرض ارتكاب المواطن خطأ ما بتجاوزه الحد القانوني لاحتلال الملك العمومي أو غياب الترخيص لذلك أصلا، فإن الحكمة والإنسانية تقتضيان أولا سلوك المسطرة القانونية لطرد محتل، شأن الإدارة المحلية في هذا كشأن المواطن لتحرير ملكه، وذلك في إطار سواسيتهما أمام القانون، إذ أن القضاء هو ملجأهما أخيرا ليعطي كلمته وتكون أحكامه عنوانا للحقيقة ولا يلام أحد حينئذ.
أما الاستنكاف عن سلوك مسطرة قانونية تغيب فيها حقوق المواطن في الدفاع عن نفسه وعن منقولاته تحت ذريعة الخطأ، رغم أن الإدارة بنفسها ترتكب الأخطاء والقانون نفسه يرتب المسؤولية الإدارية لموظفي الدولة، فإن ذلك يعتبر ظلما اجتماعيا بكل المقاييس.
ولنترك هذا جانب، وننظر أين كانت الإدارة، أي السلطة الإدارية والمحلية عند احتلال الملك العمومي بواسطة ذلك المواطن (التاجر النظامي أو البائع المتجول)، بل واشتغاله بمرور الزمن، وتارة اطمئنانه لسنوات من الاستثمار في ذلك الملك العمومي وأمام أنظار تلك المؤسسات، ليتفاجأ يوما بتنفيذ عشوائي لهدم ما شيده طوال مدة من الزمن أمام وبحضور الجميع.
فالمنطق يقتضي المنع والتصدي لذلك وفي إبانه، وترتيب الجزاء القانوني، عندما يكون له محل، أمام وأن يترك المخالف ردحا من الزمن، واكتسابه ثقة الآخرين زبناء كانوا أو مرتادين بل ونشوء التزامات صادرة عنه إزاء المتعاملين معه بفضل هذه الواقعة الظاهرة تجعل منه “صاحب حق ظاهر” لا تجوز معه الاستعانة بعنصر المفاجأة ولا الانتقام منه بتلك الطريقة المعروفة لأن الأمر تطور بشكل لا يمكن معه الاحتكام إلى العنف أو ردة فعل غير مشروعة، وذلك لعدة اعتبارات، منها ما ذكر أعلاه ومنها ما تولد عن الظاهرة عبر الزمن الذي كانت فيه الإدارة غائبة أو مغيبة.
إن سلوك المسطرة القضائية تجاه المخالف أو التحاور معه بإجراء الوساطة والتحكيم عبر الآليات المتاحة، يفرزان على الأقل حالة صحية اجتماعية ويكرسان مفهوم دولة الحق والقانون.

المصطفى صفر


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى