fbpx
تحقيق

تامسولت… مدرسة عتيقة تبعث الحياة في جبال تارودانت

تقوم بأدوار دينية واجتماعية وثقافية والطلبة يقضون بها 12 سنة قبل الحصول على البكالوريا

تتربع مدرسة تمسولت العتيقة، شامخة، محصنة فوق قدم جبل أدرار ندرن، منذ نهاية القرن 11 الهجري، محمية بين أحضان سلسلة مقدمة جبال الأطلس الكبير. وتعني “أدرار ندرن” بالعربية، جبل الحياة، لأن السكان المحليين القدامى اعتقدوا بأن الجبل هو مصدر الماء والحياة. وتطلق الكلمة الأمازيغية “أدرار ندرن” على جبل توبقال، البالغ علو قمته 4167 مترا، والذي تلامس قمم مقدمته تخوم شمال وشرق تراب إقليم تارودانت، الذي تنتمي إليه جماعة تافروتن، ذات الحدود الشمالية المشتركة مع تالمكانت والشمال الشرقي مع ايمولاس والشرقي الجنوبية مع جماعة تملوكت والجنوب الغربي مع أيت مخلوف وغربا مع جماعة أركانة.

تقع مدرسة تمسولت العتيقة الخاصة وسط قرية تامسولت بجماعة تاملوكت بالشمال الشرقي لتارودانت، والتي تبعد بدورها عن عاصمة سوس العالمة بـ 80 كيلومتر شرقا.
ويشبه الحوض الطبيعي الذي تعشش فيه قرية تامسولت ومدرستها العتيقة، في تفاصيل جغرافيته، وثنايا قممه الحادة، وسفوح جباله الشديدة الانحدار، وممرات فجاجه المتراصة، وأوديته الحلزونية، ومنعرجات طريقه الملتوية صعودا وهبوطا، منطقة التبت الصينية التي يمر منها طريق سمي بـ”الطريق السماوي”.

الطريق إلى مدرسة تامسولت

قررت أنا وزميلي ياسين التوجه إلى بلدة تامسولت. سألت عن المسافة التي تربط بينها وبين حاضرة سوس تارودانت، فاطمأننت، عندما علمت بأن الطريق المؤدية إلى واحدة من أعرق المدارس العتيقة تامسولت معبدة، ومسافتها حوالي 30 كيلومترا، غير أن المفاجأة، بقدرما كانت حالة الطريق صادمة، كلها منعرجات ومنحدرات وصواعد ونوازل، وتصل مسافتها إلى 50 كيلومترا ، كانت الرحلة، من ناحية أخرى جذابة وممتعة، لما تزخر به المنطقة من مناظر جذابة، تنعش الخيال، وتبوح بأسرار المغرب العميق. وبمجرد أن قطعنا الوادي الواعر الذي اتخذته تارودانت حزاما شماليا لها، وانطلقنا صوب قرية الأئمة والفقهاء والطلبة، متتبعين توجيهات الأستاذ ناصر، ووصلنا إلى مركز تاملكوت، حتى بدا لنا الطريق الذي سيوصلنا إلى تامسولت شبه مقفر من السيارات. كان سيرنا، ونحن نصعد وننزل منعرجات ومنحدرات ومرتفعات جبال مقدمة توبقال، كمن يسير صوب المجهول.
لم نلحظ وجود أي علامات للتشوير تدل على وجهة المسار، ولا مساكن على الطريق، لمساءلة قاطنيها عن وجهة الطريق. تخيل لنا بعد قطع 20 كيلومتر أننا نسير في الاتجاه الخطأ، وأننا فقدنا بوصلة الطريق التي تعبر الجبال المكسوة بالأركان. فجأة شاهدنا بعض القرى الصغيرة البعيدة، منتشرة هنا وهناك، معلقة فوق سفوح الجبال.
تابعنا سيرنا نحو المجهول، بعد أن فقدنا الاتصال الهاتفي مع مرشدنا الذي كان يقتفي خطواتنا منذ الوادي الواعر، للانعدام التام للتغطية الهاتفية. واصلنا السير نخيط الجبل بالآخر، حتى استوقفتنا قرية يخترقها الطريق بشكل عنيف، لأنه بالكاد يسمح بمرور سيارة واحدة. تنفسنا الصعداء عندما أكد لنا أحد الشباب بأن”الطريق السماوي”إلى تامسولت، هو الذي نجتازه، لكن”بااااق قدّامكُم الطريق، سيروا غييير بالشوية راها واعرة”.
استأنفنا سيرنا فوق الطريق الذي كانت تزداد وعورة وصعوبة إلى أن بلغنا مركز جماعة تافراوتن، وبدت لنا مؤشرات التغطية الهاتفية، فاتصلنا بسي ناصر وأخبرناه بموقعنا، وطمأننا بأننا قريبون، وأن الطريق سيوصلنا إلى المدرسة. اجتزنا قرية تافراوتن بصعوبة. وصلنا مفترق طرق ثبتت بجانبه لوحة تشير إلى اتجاه تامسولت. انعرجنا يسارا، ثم يمينا، فيسارا ويمينا، وهكذا دواليك، وكلما ظهر لنا مسجد، نعتقد بأنها نهاية المسار، إلى أن اجتزنا سلسلة من المساجد دون جدوى.
وعلى حين غرة، شاهدنا شابا يقف بباب بناية انتهى”الطريق السماوي”عند مدخلها، وكان سي ناصر الذي سنلتقي به لأول مرة، واقفا ينتظرنا بباب المؤسسة العلمية التي كان محيطها خاليا من الناس.

طلبة تامسولت… مجتمع يبعث الحياة في الجبل

ما إن قطعنا تلك المسافات في بلاد شبه خالية، حتى خلنا أنفسنا أننا نسير وسط منازل مجرد هياكل فارغة من الحياة، رغم أن منطقة تامسولت تضم دواوير تامسولت وابندور وثلاثة وتغرغار ودوار أمكدول ودوار اكنتورن ودوار تكنيت، استقبلنا سي ناصر، الذي تبين بأنه أحد الأساتذة الذين يدرسون بالمدرسة، ثم خيّرنا ما بين تناول الفطور أو تفقد المؤسسة، فطلبنا منه السماح لنا بالدخول إلى المدرسة لتفقدها. كانت مفاجأة غريبة عندما ولجنا المؤسسة، فوجدنا بالقاعة الكبرى عشرات الطلبة والفقهاء والأئمة، إن لم نقل المئات، يتجاوز عددهم الـ 300 طالب من مختلف الأعمار والأجيال.
كان مجتمعا مصغرا بكامل مكوناته، وكانت وجوه الحاضرين بالداخل، تشع بالسعادة والطمأنينة، يلبسون لباسا أبيض، ويجلسون أمام منصة يتوسطها منشط يُمتعُهم دعابة وفكاهة باللغة الأمازيغية، وهم يتفاعلون معه بشكل إيجابي. أدى دوره، ثم انسحب على إيقاع تصفيقات الحاضرين، فتصعد مجموعة من طلبة المؤسسة فوق المنصة، ليرددوا نشيدا دينيا أمام أساتذتهم وزملائهم الطلبة وفقهاء وعلماء المنطقة. فهمنا من خلال مقدم المجموعة أن اليوم هو يوم ختم القرآن الكريم، وأن الحاضرين يحتفلون بأنفسهم يوم الأحد.
أخبرنا ناصر بأنها عادة قديمة يلتقي فيها طلبة المدرسة بزملائهم من مجموعة من المدارس العتيقة من طلبة العلوم الشرعية وحفظة القرآن الكريم، المنتشرة بإقليم تارودانت وأكادير وتزنيت وآيت باها وغيرها، ليحيوا هذه السنّة الموروثة.
لم تمر إلا حوالي 15 دقيقة، حتى تدفق الجمع خارج المدرسة، متوجهين إلى أكمة قبالة باب المؤسسة، وهم يتدافعون لأخذ موقع ضمن الجماعة لالتقاط صور تذكارية لهم، تؤرخ للحدث الذي يتكرر كل أسبوع.
وأكد ناصر أن هؤلاء جاؤوا من مختلف ربوع المملكة، وكلهم من أبناء الفقراء والمعوزين وذوي الدخل المحدود، بمن فيهم الأيتام وذوو الاحتياجات الخاصة، باعتبار هذا النوع من المدارس تميز عبر التاريخ بالعمل الخيري، إذ منذ زمان بعيد، وهي تؤدي دورها الإيوائي والتربوي والتعليمي مجانا. وتعتمد في تموين وإيواء الطلبة المسجلين بها سنويا على تبرعات المحسنين، إذ ليست لها مصادر تموينية خاصة.
وشدد على أن المدرسة توجد بها حتى الفتيات، طالبات العلم والمعرفة. وتحتضن المدرسة 210 تلميذا منهم 14 فتاة، 75 في المائة منهم داخليون و25 في المائة خارجيون.
وتبلغ نسبة الفتيات منهم 5 في المائة، ويتشكلون من الرودانيين بنسبة 68 في المائة، والورزازيين بنسة 13 في المائة والشيشاويين بنسبة 11 في المائة والمراكشيين بنسبة 8 في المائة. ويحرص على تدريسهم 18 أستاذا وثلاثة أعوان، وتتوفر على قاعة الإمام خالد الأزهري وقاعة ابن مالك وقاعة الصلاة وقاعة الإعلاميات وجناج الإمام الجزولي وجناج سيدي أبي زيد الجيشتيمي، و46 غرف للنوم خاصة بالطلبة، و 28 أخرى قيد الإصلاح لاستيعاب جميع الطلبة، وعدد من المرافق كالمطعم والمراحيض…

محمد إبراهمي (موفد الصباح إلى تارودانت)

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى