fbpx
حوادث

محاكمة قاتل والده… الصفعة

أسقطت عنه عقوبة الإعدام والتهمة لمرضه ومحكمة النقض قضت بإعادة محاكمته لعدم خضوعه لخبرة

عاش شاب ظروفا عصيبة، بعد أن وجد نفسه منبوذا من قبل والديه المطلقين، فالأم رفضت إيواءه بمنزل زوجها الثاني وأبدت اهتماما زائدا بأبنائها الجدد، في حين عامله والده الأستاذ الجامعي المتقاعد بشكل قاس ومهين، ليتورط في جريمة بشعة، إذ قتل والده بطريقة وحشية بعد أن هوى عليه بقنينة غاز.

إنجاز: أحمد ذو الرشاد (الجديدة)

أدانت غرفة الجنايات الابتدائية بالجديدة الشاب بعقوبة الإعدام بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد في حق أحد الأصول، لكن بعد استئناف الحكم، قضت غرفة الجنايات الاستئنافية بإعفاء المتهم من عقوبة الإعدام، وأمرت بإيداعه مستشفى الأمراض العقلية والنفسية ببرشيد، طبقا لتقرير الخبرة الطبية، إلا أن النيابة العامة، استأنفت الحكم وتصدت له بعلة عدم استجابة هيأة الحكم لملتمسها الرامي إلى إحالة المتهم على خبرة ثلاثية، إذ لم تجب عنه لا سلبا ولا إيجابا.

قتل يوم عيد الأضحى
كانت البهجة تعم تجزئة الجوهرة بالجديدة، بمناسبة عيد الأضحى، بعد صلاة العيد، تبادل السكان التحايا والتهنئة، وتفرقوا صوب منازلهم لذبح الأضحية والإشراف على كل صغيرة وكبيرة.
في خضم هذه البهجة وما صاحبها من ضجيج وانتشار أدخنة الشواء وشي رؤوس الأضاحي، كان باب فيلا بالحي مفتوحا دون أن يثير انتباه أحد، إلى أن حل الليل، وقتها شك الجيران أن الأمر غير عاد، حاول بعضهم استفسار مالكه وهو أستاذ جامعي متقاعد دون جدوى، قبل أن يكتشفوا أنه جثة وعليها آثار اعتداء ، فأشعروا الشرطة.
وانتقلت فرقة أمنية مرفوقة بالشرطة العلمية والتقنية إلى مسرح الجريمة، وعثرت على الضحية جثة، ورفعت الضابطة القضائية البصمات والتقطت صورا احترازية، لتبدأ تحرياتها بالاستماع إلى حارس ليلي حول ظروف وملابسات النازلة، فأخبرها أن الهالك يعيش وحده وأن ابنه يتردد عليه من حين لآخر.
حامت شكوك كبيرة حول تورط الابن في قتل والده. وتمكنت عناصر الشرطة من إيقافه في ظرف قياسي، ووضعته تحت تدابير الحراسة النظرية بأمر من النيابة العامة التابعة لمحكمة الاستئناف، لفائدة البحث والتقديم، فيما عملت على نقل الجثة إلى مستودع الأموات بالمستشفى الإقليمي بالجديدة لإخضاعها لعملية التشريح الطبي.

“حكرة” وغبن
باشرت الضابطة القضائية تحرياتها وأبحاثها، للكشف عن ملابسات وظروف وفاة الأستاذ الجامعي، الذي كان يشتغل بكلية العلوم، مدرسا لمادة العلوم الفيزيائية. واستمعت إلى ابنه المشتبه فيه ذي الخامسة والعشرين سنة من عمره، فصرح أنه بعد طلاق والده من والدته، التي استقرت بالمحمدية، ظل يعيش مع أبيه، الذي كان قاسيا في معاملته وكان يفرض عليه القيام بأشغال البيت ويعرضه للاستفزاز ولم يكن يطيق تصرفاته.
واضطر الأب إلى طرد ابنه، الذي توجه نحو والدته أملا في إيجاد الملاذ الآمن، لكنها سرعان ما طلبت منه العودة للعيش في كنف والده، في الوقت الذي كانت تهتم فيه بأبنائها الآخرين. ونظرا لإحساسه بالغبن والقهر من قبل والديه، قرر تصفية الضحية.
وأضاف أنه يوم الحادث، انتظر نومه، ثم حمل قنينة غاز من الحجم الكبير وهوى بها على رأسه وصدره بكل ما أوتي من قوة. وبعدما تأكد من وفاته، فكر في كيفية التخلص من جثته، وبعد فشله في ذلك، جر جثة والده إلى الحمام وتركها هناك وغادر البيت.
وبعد الانتهاء من البحث التفصيلي، أحيل المتهم على الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالجديدة، الذي أحاله بدوره على قاضي التحقيق والتمس منه إجراء بحث مفصل حول ظروف وملابسات الحادث، لكنه تراجع عن تصريحاته التمهيدية، وأكد أنه لم يقتل والده، ولم يكن حاضرا، متراجعا كليا عن تصريحاته الأولية.

إعدام وإعفاء من العقوبة
أحيل المتهم على غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالجديدة، وبعد جلسات ماراثونية، أدانته نهاية نونبر 2017، بعقوبة الإعدام بعد مؤاخذته من أجل جناية القتل العمد في حق أحد الأصول مع سبق الإصرار، إذ استندت هيأة الحكم في اتخاذ قرار الإدانة على تصريحاته التمهيدية أمام الضابطة القضائية، ما ولد لديها قناعة تورطه في واقعة قتله لوالده.
وبعد حوالي سنتين، على الحكم الابتدائي، بذلت فيها والدة المتهم جهدا كبيرا من خلال تجميع الدلائل، التي تؤكد أن ابنها لم يكن سويا، مثل أمام هيأة الحكم لدى الغرفة الاستئنافية، وتراجع عن أقواله أمام الضابطة القضائية ونفى أن يكون من اعتدى على والده أو تسبب في قتله. وركز دفاعه على الجانب النفسي، وأكد أن موكله يعاني اضطرابات نفسية وأنه كان يتابع علاجه لدى أطباء متخصصين في الأمراض النفسية، وعزز مرافعته بتقرير طبي والتمس من المحكمة إحالته على خبرة طبية، طبقا للفصل 134 من القانون الجنائي، للتأكد من مدى مسؤوليته الجنائية في هذه القضية، في المقابل، التمس الوكيل العام للملك إحالته على خبرة ثلاثية للتأكد من سلامة قواه العقلية أمام خطورة الفعل المرتكب والعقوبة الصادرة في حقه ابتدائيا، لكن المحكمة لم تجب عن الملتمس لا سلبا ولا إيجابا وقررت بعد انسحابها للمداولة، إلغاء الحكم الابتدائي وإعفاءه من العقوبة وإيداعه مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد.

العودة إلى الصفر
لم تدم فرحة المتهم ووالدته طويلا بقرار غرفة الجنايات الاستئنافية طويلا، إذ سارعت النيابة العامة للطعن في الحكم أمام محكمة النقض، فكان قرارها صادما، إذ اعتبرت الحكم السابق باطلا بحكم أنه غير معلل من الناحيتين الواقعية والقانونية.
وجاء في قرار محكمة النقض، أن نقصان التعليل ينزل منزلة انعدامه، وأن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه، لما اعتبرت أن المطلوب في النقض كان وقت ارتكاب الفعل في حالة خلل عقلي يمنعه تماما من الإدراك والإرادة وحكمت بانعدام مسؤوليته وإعفائه من العقاب، استنادا إلى الخبرة الطبية المنجزة، من قبل رئيس مستشفى الرازي للطب النفسي ببرشيد، دون أن ترد على ملتمس النيابة العامة بخصوص عرضه على خبرة طبية ثلاثية للتأكد من سلامة قواه العقلية والحسم في قيام مسؤوليته الجنائية من عدمه وقت ارتكاب الفعل لا سلبا ولا إيجابا، تكون بنت قرارها على تعليل ناقص ينزل منزلة انعدامه، مما يستدعي نقضه وإبطاله.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى