fbpx
مجتمع

مسنون لا يذوقون طعم الراحة

الفاقة دفعتهم إلى الاستمرار في العمل في انعدام أي تأمين أو رعاية من قبل الدولة

رغم أن أغلب الناس عندما يصلون سنا معينة بخضعون للراحة، إلا أن هناك أناسا كتب عليهم العمل طيلة حياتهم من المهد إلى اللحد بسبب الفاقة التي يعيشونها، بل إن منهم من لم يعد يقوى حتى على الوقوف ورغم ذلك، يصارع لأجل توفير لقمة عيش وإن على بساطتها له ولأسرته، ويرفض التسول أو استجداء الآخرين. فلقمة العيش “حارة” بالنسبة إليهم خصوصا في انعدام أي تأمين أو رعاية من قبل الدولة.

“خدم أصغري على كبري”، هي مقولة غالبا ما يراد منها استثمار مرحلة الشباب لتوفير حياة مريحة مع تقدم السن، غير أن جولة في بعض الأماكن بالعاصمة الاقتصادية تدفع إلى إعادة النظر فيها، وتؤكد أنه حتى لو بلغ بعض الأناس من العمر عتيا فإنهم محرومون من الراحة. تشابهت الحكايات لهؤلاء المسنين الذين يصارعون من أجل توفير لقمة عيش بسيطة لأسرهم، رغم تقدم السن بهم، ورغم أنه من المفترض أن ينالوا قسطا من الراحة على سنين الشقاء التي عاشوها من قبل، إلا أن الحياة تأبى أن تمنحهم ذلك، في غياب أي تغطية اجتماعية لهذه الشريحة من المجتمع، التي تتسع قاعدتها يوما بعد يوم والدولة عاجزة عن إيجاد حل لها.

عربات بمسنين في درب عمر

في جولة قصيرة بدرب عمر القلب النابض للاقتصاد في البيضاء العاصمة الاقتصادية، عربات مركونة بدون دواب يتولى مسنون جرها، بجانب محلات الجملة وقرب الشاحنات التي تقل البضائع.
يقف رجل في السبعين من عمره أنهكت السنون قواه ولم يعد يقوى حتى على الوقوف. وينظر من ينادي عليه لحمل السلع وإيصالها للوجهة التي يرغب فيها مقابل دراهم معدودة لا تزيد في حالة الكرم الحاتمي عن 30 درهما، وإذا تكررت العملية قد يصل مدخوله اليومي إلى 50 درهما، أما في أيام الأعياد والمناسبات فقد يصل المبلغ إلى 100 درهم. حكمت السنون على ذلك الرجل ذي الوجه الشاحب بأن يستمر في مصارعة الحياة والبحث عن لقمة العيش ولعائلته، التي يعد المعيل الوحيد لها. ينزوي بعيدا ويحمل بيده سبحة. كل من يعرفه يؤكد بأنه قليل الحديث مع الناس، ولا يشكو حاله لأحد، رغم أن وضعه ليس بخي، خاصة غير أنه يرفض الحديث عن وضعه. يقول أحد أصدقائه إنه منذ الصغر وهو يعمل حمالا وأصبح معروفا في المنطقة وفي اليوم الذي لا يجد فيه عملا يعود إلى الغرفة التي يكتريها ويرفض أن يستجدي أيا كان، فهو مؤمن كما يقول “بقضاء الله وقدره” وأن رزقه “محفوظ”.

ظلم ذوي القربى

حكاية ذلك الرجل السبعي مع الفاقة والسن، تكاد تتكرر مع العديد من المسنين الذين لا دخل قارا ولا معاشا لهم، إذ أن ماسح أحذية بالمنطقة نفسها، يرفض الحديث مع الناس، ويعرض خدمته للراغبين، وفي عينه نظرة حزن وأسى على ما أصبح عليه. عمل كثيرا في جميع المهن التي تحتاج قوة بدنية رغم بنيته النحيفة، لأجل توفير لقمة العيش لزوجته وأبنائه الذين كان يضع فيهم آماله بتعويضه عن كل تلك السنين التي قضاها في العمل ليل نهار، لكنها خابت بعد أن استطاع الابن البكر أن ينهي دراسة ويحصل على وظيفة. وعوض أن يرد الجميل ويبر بوالده أدار ظهره وأسس حياته الخاصة بعيدا عن الأسرة، وهو الطريق الذي سلكته البنت كذلك، فبعد زواجها قطعت صلتها بأسرتها، ولم يبق معه إلا ابن واحد بائع متجول. يرفض “الجبلي” الحديث ويتأسف عن العقوق الذي قوبل به من قبل ابنيه، ويتوجه نحو المارة باحثا عن زبون أو اثنين أو أكثر لمسح أحذيتهم للحصول على دراهم ولو قليلة، تعينه على العيش ومساعدة زوجته المريضة.

ارتفاع عدد المسنين بالمغرب

كشفت المندوبية السامية للتخطيط أن عدد البالغين 60 سنة فأكثر وصل في العام الحالي بالمملكة إلى ما يقرب من 4.3 ملايين نسمة، وهو ما يمثل 11.7 في المائة من مجموع السكان، مقابل 2.4 مليون نسمة سنة 2004 أي ما يمثل 8 في المئة من مجموع سكان المغرب. وتتوقع المندوبية السامية للتخطيط، أن عدد الأشخاص المسنين سيزيد بقليل عن 6 ملايين نسمة في أفق سنة 2030، وهو ما يشكل زيادة بنسبة 42 في المئة، مقارنة بسنة 2021، وسوف تمثل هذه الفئة 15.4 في المئة من مجموع السكان.
وحسب التقرير الوطني السنوي الأول للمسنين والذي أصدره المرصد الوطني للمسنين سنة 2018، فإن نسبة المستفيدين منهم من معاشات النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد، وخدمات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي سنة 2016 لا يتجاوز 13.8 في المائة، وأن 1 من أصل 5 فقط من الأشخاص المسنين يستفيدون من تغطية اجتماعية وطبية، وأن معظمهم يتعذر عليهم الولوج إلى العلاجات، إضافة إلى تزايد تبعيتهم البدنية والمالية، لتطرح إشكالية تشغيل المسنين القادرين على العمل كي يساهموا في تدبير شؤون العائلة ويمرروا معارفهم وخبرتهم للأجيال المقبلة.
وفي ما يخص الأشخاص، البالغين من العمر 70 سنة فما فوق، أوضحت المندوبية أن هؤلاء الأشخاص يجب الاعتناء بهم بشكل خاص، وتعزيز العرض الصحي، والتكفل الذي يتلاءم مع الاحتياجات الخاصة لهذه الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة، والوقوع في حالة العجز الوظيفي.
وأضافت المندوبية أن عددهم سينمو لينتقل، بذلك، من 1,6 مليون شخص في سنة 2021 إلى ما يقارب 2,6 مليون في أفق 2030، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 63 في المائة.

كريمة مصلي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


زر الذهاب إلى الأعلى