تحطم 21 قاربا جعل أصحابها يواجهون ألوان القهر والتشرد عصفت أمواج عاتية ناهز علوها ثمانية أمتار ضربت ساحلي الرباط وسلا منذ الساعات الأولى من صباح الثلاثاء الماضي، ببنايات وخلفت خسائر جسيمة بالمنازل المحاذية للبحر، سيما بالحي العشوائي سيدي موسى بسلا. ولم تسلم بدورها قوارب الصيد ومراكب نقل سكان الضفتين، من قوة الأمواج. فأربع ساعات، المدة التي ارتفع فيها علو الموج، كانت كافية لأن تحول 21 قاربا، 15 منها قانونية ورخصها مسجلة لدى السلطات المحلية و6 قوارب غير مرقمة، إلى أشلاء ، تقاذفتها الأمواج ورمت بعضها على الشاطئ، والبعض الآخر وجده أصحابه على اليابسة وبالبنايات المحاذية لميناء بحت أصوات البحارة المطالبة بتغيير مكانه قبل إنشائه. مسحة الجمال الأخاذ والهدوء الذي يخيم على مصب وادي أبي رقراق، حيث يرتمي النهر القادم من مسافات بعيدة، في أحضان المحيط الأطلسي ويذوب في مياهه، لا تعني في شيء أرباب 140 قارب صيد تقليدي مرخص لها، وحوالي 90 قارب غير مرقمة، تعمل في الصيد وأحيانا نقل مواطنين بين ضفتي الوادي الذين يعانون في انتظار استكمال مشروع تهيئة نهر أبي رقراق، عله يحقق وعودا، منوا بها النفس، قبل سنوات، وأملوا أن ترفع عنهم المعاناة وتقيهم غضب البحر كلما هاجت أمواجه وعكرت صفو مياه نهر يسترزقون من وراء مياهه.«ربما هي لعنة تصيب هذا الميناء، قيل لنا إنه سيكون من أحسن موانئ إفريقيا، بل إنه سيتحول إلى قطعة من جنة الله على الأرض، ولا شيء تحقق إلى الآن»، يقول محمد، صاحب قارب صيد تقليدي، مضيفا «على العكس تماما، كنا في ما سبق في أوضاع أكثر ارتياحا»، ليضيف آخر، وهو منهمك في البحث عن قطع الرصاص العالقة بشباك أتلفت تماما، ولم تعد صالحة للاستعمال بعد أن رمى بها البحر محملة برواسبه، «هذا إنذار وإشارة إلهية إلى ما كنا نحذر منه وكالة تهيئة نهر أبو رقراق والسلطات المعنية قبل بناء الميناء». اللعنة التي يقول بحارة نهر أبي رقراق إنها أصابت النهر الفاصل الواصل بين البر والبحر، والفاصل الواصل بين الرباط وسلا المجاورة، تفاقمت مع حلول العاصفة، التي أكد العشرات من البحارة أنهم كانوا على علم بها أسبوعا قبل حدوثها، دون أن يشهدوا أي إجراءات كانت لتحول دون تكبيدهم خسائر بملايين السنتيمات، بعدما تحطم مورد عيشهم الأساسي وصاروا بين عشية وضحاها عرضة للتشرد. خسائر بالملايين بعد العاصفة "من اليوم دابا، وحق ربي الناس ما عندهوم ما ياكلو ما يشربو"، يقول، عبد الحق، الذي فقد قاربا يعيله هو وستة عائلات أخرى، يشتغل أحد أفرادها على متن القارب. "الله يحسن عوان الجميع، كل وحجم المصيبة التي فوجئ بها"، يشير إلى أحد البحارة، ويقول "فاش وقعات العاصفة، ولينا كانشوفو القلب كايضرب خارج ضلوع هاد السيد، كيتقطع قدامنا، عاد دار السبوع ومازال الماطيرنيتي طالبين ليه 80 ألف ريال"، يحكي عبد الحق مأساة زميله التي أنسته ما عاشه بعدما علم الذي أصاب قاربه، يشرح كيف أن معظم البحارة غارقون في قروض والتزامات كرائية لم يعد بإمكانهم تلبيتها، "صرنا عرضة للتشرد اليوم".يتأسف أصحاب القوارب أنهم استجابوا إلى نداء السلطات ووكالة أبي رقراق والتزموا باستعمال ميناء كانوا يعلمون سلفا أنه غير صالح للاستعمال. "مشات لي 30 مليون ديال الماتيريال، لا حول ولا قوة إلا بالله"، يقول مستثمر يشغل قاربين تقاذفتهما الأمواج وحولتها إلى أشلاء على أرضية الميناء، "حنا للي مسلمين جابونا لهنا يدفنونا، في هذا المرسة، والنصارى راهوم كايقادو ليهم الواد باش يتنزهو على خاطرهوم، مع أن الأولوية للبحارة، وهاديك بلاصتهم فالأساس، ما عندي ما نقول أكثر "إنا لله وإنا إليه راجعون" يضيف الحاج قبل أن تخنق صوته العبرات. معاناة البحارة لم تتوقف عند تحطم قواربهم وانقطاع موارد عيشهم، بل إن المعاناة صارت أشد لدى البحارة الذين لا يتوفرون على رخص للصيد وقواربهم غير مرقمة، "نحن مشكلتنا مع الوزارة، لكن الوكالة تصر على عدم تعويضنا، عكس ما اتفقت عليه مع من أتلفت قواربهم المرقمة، علما أنها هي المسؤولة على إدخالنا على هذا الميناء، ونحن غير مرقمين، لماذا نستثنى اليوم ومنا من يعمل بالقطاع أزيد من 30 سنة؟". وحتى التعويض الذي وعد به البحارة أصحاب القوارب المرقمة، ما يزال في حكم المجهول "لا ندري حجمه الحقيقي ولا كيف سيتم صرفه، لكن الأكيد أنه لن يصلنا إلا بعد شهرين، هذا إن وصل، فيما الحال يقول إننا لا نملك ما نسد به رمق عائلاتنا اليوم"، يقول أحمد، أحد البحارة، الذين تم إلحاقهم بلائحة المتضررين أودعت لدى السلطات المختصة للنظر فيها.إشارة إلهية "هادشي للي كان ما كايخلعناش حنا البحارة، البحر كان أعلى من هادشي وماكانش عندنا مشكل، والدليل أن الفلايك للي بقات فبلاصتها ومابغاتش تدخل لهاد المرسى ما وقعليها والو، والفلايك للي دخلات لاحها البحر"، يقول حسن أحد البحارة، تحطم قاربه هو الآخر بفعل قوة الأمواج وعلو ارتفاعها، مؤكدا أن الوكالة بإحداثها للميناء في هذه المنطقة، كمن يقول للبحارة، "موتوا فمصيركم الغرق"، يقول حسن بغضب ممزوج بالحسرة.يرفض البحارة التي أتلفت قواربهم أن "تلصق" الكارثة التي لحقت بهم بمنطق الكوارث الطبيعية والمقتضيات الناجمة عنها، "نحن وضعنا يختلف عن باقي البحارة في كل المدن التي مرت بها العاصفة "، يقول عبد اللطيف. وضع يعزوه البحارة إلى افتقار الميناء إلى أبسط المعايير المعتمدة في كافة الموانئ. واقع نبه إليه البحارة قبل إنشاء الميناء، ودقوا أجراس الإنذار، ليؤكدوا اليوم أن "ما وقع إنذار وإشارة إلهية تثبت ما كنا تحدثنا عنه، لكن لا حياة لمن تنادي"، يضيف "هاد البلاد فيها الحكرة، وهذا هو المشكل، لحقاش مالبسينش الكوستيمات ودايرين الكرافاط، حتى واحد ما سمع لينا، ولكن الحمد لله، الله بين البرهان، الحمد لله". ميناء أقرب إلى مقبرة قوارب نهر أبي رقراق، هبة الرباط وسلا، الذي يضفي عليهما جمالا ورونقا، يربط بينهما ويفصل، ليعطي كل واحدة منهما هويتها الخاصة والمميزة، وتندمج مياهه في صراع العيش لفائدة الطبقة الشعبية المرتزقة والكادحة وتحقق مياهه وبعض مراكبه التي واكبت تأهيل النهر وضفافه، المتعة لمن تيسرت له ظروف العيش وبحث في النهر وعلى ضفافه عن أوقات استجمام وصفاء ذهني، هو لعنة في عيون بحارة الرباط. أرباب 250 قارب صيد تقليدي ومرافقوهم، البالغ عددهم حوالي خمسة مساعدي بحار لكل قارب، تأزمت أوضاعهم أكثر، بعد انتهاء أشغال الميناء، الجديد الذي لطالما منوا نفوسهم، بأنه سيحقق لهم قفزة توعية تكف عنهم عناء عشوائية "المرسى" القديمة، وتقيهم الصعوبات التي يواجهونها كلما أرادوا ولوج أو مغادرة مدخل البحر أو "الباب" كما يطلقون عليه."صحيح كنا نعاني العديد من المشاكل في السابق، لأننا استبشرنا خيرا، بقدوم مشروع إعادة تأهيل نهر أبي رقراق"، يقول حميد، أحد أصحاب قوارب الصيد التقليدي المرابطة قرب ضفاف النهر"، قبل أن يستدرك "لا شيء تغير في حقيقة الأمر، بل ساءت الأوضاع أكثر.. سافرت كثيرا وعملت بمختلف موانئ المغرب من الشمال إلى الجنوب، وبموانئ أوربا والخليج، ولم أصادف ميناء يشبه الذي نحن فيه الآن، أرضيته عبارة عن مدرجات، مع كل حركة جزر تظل القوارب "معلقة" فوق مدرجات إسمنتية، وتتكسر كلما حاول أصحابها إعادتها إلى المياه". يقول حميد "كنا هنا خدامين عاديين، قبل سنوات من مشروع تأهيل نهر أبي رقراق، قبل سنة 2007، كانت لدينا محلات على ضفاف النهر من جهة سلا، ووعدونا، بأنه سيتم هدمها لإحداث واحد من أحسن موانئ إفريقيا، فوافقنا دون مشاكل، والنتيجة أننا اليوم نودع قواربنا في ما يشبه المقبرة".يؤكد البحارة أن التصميم الأول لتهيئة النهر تضمن بالقرب من ميناء مارينا، بجانبه مباشرة ميناء الصيد، "نحن طبعا قبلنا، لأنه تبين لنا أن وضعيتنا ستتحسن، قيل لنا إنه سيتم هدم المحلات، على أساس أن يعوضونا طيلة الفترة التي يستغرقها بناء المرسى، ولأننا تخوفنا من أن يتراجعوا بمجرد أن نتسلم التعويض، أخبرناهم أننا مستعدون لانتظار إلى أن تنتهي الأشغال بالمرسى"، يقول حميد، يصمت برهة ثم يواصل "خفنا فاش يعوضو لينا يقولونا ماتبقا تسال والو.. واليوم، كما ترون، نعاني أكثر من السابق، صحيح أصبحت لنا محلات نضع فيها تجهيزاتنا ومعداتنا، إلا أن الميناء لا يمكن اعتباره في أي حال من صالحا"، يضيف زميل له في الحرفة "نحن اليوم بالضبط في مكان كان أجدادنا يطلقون عليه اسم "فم الموت"، مقبرتا الرباط وسلا تطلان علينا، وحتى تخرج القوارب من باب الميناء أو تدخل منه، يشهد البحارة ألف مرة، لأن الموقع الذي نحن فيه، حتى دون عواصف بحرية، أخطر نقطة في هذا المنطقة، فهو أيضا "المون الجاهل"، الذي لا أحد يمكنه أن يتصور ما يمكن أن يقع فيه أو داخله".