أســــــرة

تسلط الآباء يفرز أطفالاغير أسوياء

متخصصو التربية يرفضون التسلط ويدعون أولياء الأمور إلى التواصل مع أطفالهم

أصبح أطفالنا، في العصر الحالي الذي تبدلت فيه الأحوال وتغيرت الأوضاع، في حاجة إلى تعديل طرق التربية وأساليبها لتتماشى مع التطورات التي يعرفها العالم من حولنا، والتي أصبحت بموجبها عناصر أخرى، عدا الوالدين، (تلفزيون، حاسوب، أنترنت، بلاي ستيشن…)، شريكة في تربية الطفل، بل إن سلطتها وإغراءها يتجاوز سلطة الآباء أنفسهم. المتخصصون في علم التربية وعلم النفس، تجندوا من أجل البحث عن أنجع السبل والأساليب من أجل تربية سليمة للطفل، مع أنهم يجمعون على عدم وجود قاعدة مطلقة خاصة، لأن الأمر يتعلق، في الغالب الأعم، بمسألة توازن وتواصل في التعامل مع الطفل.

نعم للسلطة… لا للتسلط

يعتبر أغلب متخصصي التربية أن السلطة ضرورية في عملية التربية، وبدونها قد يشعر الطفل أن والديه تخليا عنه وتركاه لمصيره، لكنهم يجمعون على أهمية ممارستها بنوع من المرونة، وذلك من خلال التواصل مع الطفل أولا وقبل كل شيء. فالطفل لا يفهم السلطة لمجرد السلطة، بل تحذوه دائما رغبة في الفهم. لا جدوى من أن تمنع طفلك عن فعل شيء دون أن تبرر له أو تشرح له سبب منعك له، لأن هذا المنع يظل بالنسبة إليه بدون معنى، وبالتالي يدخله في خانة التسلط، مما تكون له آثار سلبية على نفسيته وتكوين شخصيته في المستقبل.
ويشدد المتخصصون في علوم تربية الطفل على أهمية اتفاق الوالدين على رأي واحد أمام الطفل، فلا يقول له أحدهم لا والآخر نعم، لأنه حينها لن يطيع أحدا من الوالدين، بل إنه، بذكائه الفطري، قد يلجأ إلى استغلال هذا الاختلاف ليفعل ما يريد.
من جهة أخرى، على الوالدان أن يطبقا على أنفسهما ما يمليانه على الطفل، لأنهما بالنسبة إليه النموذج الذي يقتدي به، فلا معنى أن تطالب طفلك بسلوك معين في الوقت الذي تقوم به أنت نفسك.
ويمكن للوالدين التخلي عن سلطتهما أحيانا لصالح الطفل، حين يتعلق الأمر بالقيام بأشياء لا تشكل، في العمق، خطرا على تربيته، ويجد هو متعة كبيرة في القيام بها، كما يمكن تحسيسه أحيانا بأنه صاحب قراره، من خلال تخييره بين أمرين كلاهما مناسب بالنسبة إلينا، لكن منحه سلطة القرار قد تكون لصالح تطوير شخصيته مستقبلا، كأن نخيره بين أكل الجزر نيئا أو مطبوخا، إذ أن أكل الجزر مسألة حتمية كيفما كان اختيار الطفل.

منح المبادرة للطفل تكسبه الثقة في نفسه

يؤكد الباحثون والمتخصصون في علوم التربية على أهمية الحضور القوي للوالدين عند الطفل، وأهمية الحديث إليه وتشجيعه على القيام ببعض المبادرات، لأن ذلك من شأنه إكسابه ثقة في نفسه. ويمكن للوالدين أن يمنحا طفلهما فرصة القيام بمهمة أو عمل ما، حتى ولو كان سيتطلب منه وقتا أطول، أو لن ينجزه كما هو مطلوب. قد يفشل الطفل في ذلك، لكن دور الوالدين في هذه الحالة هو مواكبته وتشجيعه. هذا لا يمنع من أن تكون هذه المواكبة مرفوقة بنوع من الصرامة في التعامل، إضافة إلى الحب والاحترام. وفي السياق نفسه، يحذر المتخصصون الوالدين من توجيه كلام إلى الطفل ينقص من قيمته، كأن يقولا له “أنت غبي” أو “أنت لا تجيد فعل أي شيء”… لأن مثل هذا الكلام يجرح الطفل ويفقده ثقته في نفسه وقدراته. على الآباء أن لا يبحثوا عن الكمال في أبنائهم، لأنهم أنفسهم غير كاملين، بل على ما ينشدونه من أطفالهم أن يكون متكيفا مع سنهم. كما على الوالدين أن يركزا على الطفل، وليس على أنفسهم، حين يقدمون له توجيهات، لذلك عليهم أن يشرحوا له منافع الالتزام بتلك التوجيهات بالنسبة إليه ومضارها أيضا.

إهمال الطفل يجعله غير متحكم في سلوكه

من جهة أخرى، يشدد المتخصصون في التربية على أهمية الانتباه جيدا إلى الطفل وتشجيعه وإكسابه الثقة في نفسه، من خلال الإثناء على الأمور الجيدة التي يقوم بها، سواء بالكلام المشجع أو عبر ابتسامة أو تقديم هدية بسيطة له… كما يمكن مجازاته على سلوكه الجيد عن طريق إعفائه من القيام ببعض المهام التي يكرهها كغسل الأواني أو الاستيقاظ باكرا… إن الالتفات إلى هذه التفاصيل مهم جدا بالنسبة إلى الطفل، وإلا لجأ الأخير إلى القيام بأشياء لا تنال رضى والديه، فقط من أجل لفت انتباههما. كما يحذر المتخصصون من التساهل مع الطفل، لأنه يعتبر الأمر نوعا من اللامبالاة. فالوالدان اللذان لا يوجهان أطفالهما ولا يضعان لهما معايير لا يتجاوزونها ولا يكافئونهما على تصرفاتهم الجيدة ولا يعاقبونهما على سلوكاتهم المشينة، يجنيان على الطفل ويجعلانه غير قادر على التحكم في سلوكه، ودائم الاعتماد على الآخر.
ويجمع المتخصصون على أن التربية السليمة للطفل أساسها الحب. حب الطفل لنفسه وليس لأجلنا. إن الحب ضروري في التربية في كل زمان ومكان، أما الصرامة والسلطة فعليها أن تنطلق من الحب وتوظف لخدمته أولا وقبل كل شيء.
نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق