خاص

المريخ… رحلة اللاعودة

متطوعون سيشيدون في 2023 أول مستوطنة بشرية على سطح الكوكب الأحمر

يبدو أن الحياة على سطح الأرض أصبحت تضيق بساكنيها، خاصة في ظل الكوارث الطبيعية التي تزداد وتيرتها على مر السنين بسبب التلوث والانحباس الحراري وباقي الكوارث التي صنعها البشر على امتداد مقامهم على هذا الكوكب السعيد، لذلك بدأ البحث عن آفاق أخرى من أجل الحياة، أو بالأحرى كواكب أخرى داخل المجرة، يمكن أن تكون صالحة لكي يعيش فيها أبناء آدم.

وإذا كانت بحوث العلماء ووكالة “ناسا” الأمريكية (المختصة في الفضاء) ما زالت تحاول العثور على أدلة مادية تجعل الحياة على كوكب المريخ ممكنة، فإن بعض عشاق المغامرة، ارتأوا أن يقوموا بالتجربة بأنفسهم، في رحلة غزو إلى الكوكب الأحمر، بدون عودة، يحذوهم أمل في تشييد أول مستعمرة بشرية على سطحه في غضون سنة 2023.

 

أعلن عن رحلة المريخ التي دعت إليها مؤسسة “مارس وان” غير الربحية، خلال مؤتمر صحافي عقد أخيرا في نيويورك الأمريكية، وتم خلاله الكشف عن الأهداف من وراء هذا السفر الغريب وتفاصيله، إذ أكد المنظمون أن أول رحلة    ذهاب دون إياب إلى الكوكب الأحمر ستنطلق عام 2022، وستمتد سبعة أشهر، وستضم أربعة رواد تبلغ نفقة إيصالهم إلى هناك 6 بليون دولار، وستنقل وقائعها مباشرة عبر تلفزيون الواقع، ليشاهدها العالم بأسره، قبل أن يبدأ في 2023 وضع أول لبنة في المستعمرة البشرية التي سيتم تشييدها على سطح المريخ.  

شروط الاشتراك… القدرة على التكيف والإبداع
إذا كان حب المغامرة كفيلا بأن يحفز الكثيرين إلى خوض هذه التجربة المثيرة، (بلغ عددهم حسب تقارير إعلامية 10 آلاف متطوع)، فهو ليس كافيا وحده لقبول طلبات المشاركة. فقد حددت مؤسسة «مارس وان» شروطا للاشتراك في رحلة اللا عودة من المريخ، من بينها أن لا يتجاوز المشترك سن 18 وأن يتقن اللغة الإنجليزية ويتمتع ب»القدرة على التكيف، والمثابرة، والإبداع، وفهم الآخرين»، حسب ما قاله نوربرت كرافت، المدير الطبي للمؤسسة، خلال المؤتمر المذكور، قبل أن تختار المؤسسة 24 متطوعا فقط سيتم تقسيمهم إلى ست فرق ستتوجه إلى المريخ انطلاقا من 2022.

شكوك حول المشروع
إلى حدود الإعلان عن مشروع السفر إلى المريخ، بدون عودة، اقتصرت الرحلات نحو الكوكب الأحمر، على المسبارات أو «الروبوهات»، دون البشر، وذلك لصعوبة المخاطرة بإرسال البشر إلى كوكب لم يستطع العلماء إلى اليوم، اكتشاف أي شيء يدل على إمكانية الحياة فيه، فهو كوكب قاحل غلافه الجوي غني بثاني أوكسيد الكربون، ويبلغ متوسط درجات الحرارة على سطحه 63 درجة تحت الصفر، وهو ما جعل العديد من الشكوك تحوم حول هذا المشروع الذي لم يجد له العديد من المؤيدين اللهم الدعم الذي عبر عنه جيرارد هوفت، عالم الفيزياء الهولندي الحاصل على جائزة نوبل سنة 1999، والذي كان حاضرا في المؤتمر الصحافي، وصرح خلاله بالقول «رد فعلي الأولي كان شبيها برد فعل الجميع، لن يتحقق هذا الأمر أبدا. لكن إذا أمعنت النظر، ترى أنه بالفعل يمكن تنفيذ مثل هذا المشروع، لكن كاستثمار خاص ومن دون تدخل سياسي فيه وبدون إنفاق أموال عامة».

صعوبات رحلة من صلب الخيال العلمي
تواجه الرحلة نحو المريخ، التي تبلغ كلفتها 5 ملايير أورو، (أقل من التكلفة التي وضعتها وكالة «ناسا» وذلك نظرا لانتقاص تكلفة رحلة العودة)، ويعتبرها البعض من صلب الخيال العلمي غير القابل للتفعيل، على الأقل في الزمن الحالي، (تواجهها) العديد من الصعوبات، من بينها عدم وجود مياه أو أوكسجين أو أراض قابلة للزراعة فوق الكوكب، وبالتالي فعلى الرواد البحث عن كل ذلك بأنفسهم، كما عليهم مواجهة مخاطر التعرض للأشعة الكونية الخطيرة أثناء الرحلة.  من جهة أخرى، على المنظمين أن يجدوا طريقة لنقل هؤلاء المتطوعين إلى كوكب المريخ في ظل عدم وجود صواريخ أو مركبات فضائية مصممة لهذه الغاية، رغم أن المنظمين أكدوا أن شركة الفضاء الأمريكية «سبيس إكس» بصدد بناء صاروخ من أجل هذه الغاية، كما تم الاتفاق مع شركات طيران لتأمين جميع المعدات اللازمة والضرورية للاستعمال على سطح الكوكب، ومن بينها الثياب الخاصة بالفضاء.  وسيتم تجهيز ركاب الرحلة الأولى بمساكن خاصة، وستوفر لهم بطاريات شمسية الطاقة، أما الماء فستتم معالجته واستخدامه أكثر من مرة، وسيكون عليهم زراعة بعض النباتات ليقتاتوا عليها.

«بيغ براذر»… الفضاء
إضافة إلى النتائج العلمية المبهرة والانعكاسات الكبيرة على مستقبل البشرية ككل، التي يمكن أن تنتج عن تنفيذ هذا المشروع الضخم، لا تخلو فكرته، التي تفتقت عن عبقرية رجل أعمال شاب يدعى باس لانسدورب، (الرئيس التنفيذي لمؤسسة «مارس وان») من حس تجاري ربحي يتجلى بوضوح في حجم الأموال الطائلة التي يمكن أن تجنيها القنوات من وراء الإعلانات ومن وراء بيع البرنامج إلى العديد من الفضائيات العالمية، إذ أن الرحلة ستتم مواكبتها إعلاميا من خلال تقنية شبيهة ب»سكايب»، وسيتم نقلها على الهواء مباشرة على غرار برامج تلفزيون الواقع التي تحظى بمتابعة جماهيرية كبيرة مثل «أيدول» أو «ذو فويس» أو «بيغ براذر»، مع العلم أن منتج هذا البرنامج الأخير، بول رومر، واحد من الشخصيات المعروفة الداعمة للمشروع.  يشار أيضا إلى أن فترة التدريب، التي ستمتد إلى أشهر في إحدى الصحاري، وسيخضع لها المرشحون الذين وقع عليهم الاختيار، ستصور أيضا عبر الكاميرات وتبث على التلفزيون ومواقع الأنترنت.

الجنس على سطح المريخ
إذا كانت معظم الطلبات التي توصل بها المنظمون إلى حدود اليوم، ذكورية بامتياز، إلا أن مؤسسة «مارس وان» حريصة على أن يكون من بين ركاب رحلة اللا عودة من المريخ، من الجنس اللطيف. وفي هذا الصدد، يقول رجل الأعمال لاندسدورب في تصريح لإحدى الإذاعات الهولندية «من خلال البعثات إلى القطب الجنوبي، حيث يبقى الأشخاص هناك لأشهر بعيدا عن أي اتصال مع العالم الخارجي، تبين أن البعثات المختلطة تعمل بشكل أفضل.»  أما في ما يخص ممارسة الجنس على سطح المريخ، وإمكانية الإنجاب، فهو أمر غير مستبعد، بل هو أساسي من أجل تكوين مجتمع حقيقي في الكوكب الأحمر، يقول رجل الأعمال، مضيفا «الإنجاب ليس الأولوية الرئيسية للبعثة. بالتأكيد أن الظروف في المستوطنة في السنوات الأولى لن تكون مثالية لإنجاب أطفال على المريخ، حيث الجاذبية أقل منها على الأرض. في البداية سننصحهم بعدم الإنجاب. لكن في المستقبل، يمكن أن تتغير الأمور».

مغاربة من بين المتطوعين إلى رحلة المريخ

تطوع تسعة عرب للقيام برحلة المريخ بلا عودة، من بينهم مصري اسمه محمد وعمره 24 سنة، قال إنه يعشق التكنولوجيا، ويرغب أن يكون «من بين من سيغيرون التاريخ»، وسعوديان أحدهما يدعى محمد باحارث، يبلغ من العمر 27 سنة، قال في «فيديو» على موقع «مارس وان»: «إننا نسمع دائما عن غزو الفضاء، لكن الوقت حان ليسافر أحدهم إلى مكان لم يصل إليه أحد بعد… هل يمكنني أن أطرح سؤالا… (يلتقط قطة كانت بين يديه ويرفعها هل يمكنني أن أصطحب هذا المخلوق معي؟»، والثاني اسمه عمر وعمره 34 سنة، وهو حاصل على بكالوريوس بعلوم الكمبيوتر ويعشق المغامرات، وهو متزوج وأب لابنتين ويميل «إلى الحياة البدائية حين يتم إضافة شيء من التكنولوجيا إليها» كما يقول، إضافة إلى فتاة مغربية من مراكش تدعى رجاء وعمرها 21 عاما، حاصلة على ليسانس في الحقوق وتحلم «بالسفر إلى الفضاء»، بل «مستعدة للتضحية بأي شيء ليقع علي الاختيار بين من سيسافرون إلى المريخ»، وشاب مغربي يدعى كريم الطاهري، عمره 19 سنة ويقيم حاليا في كندا، حيث يدرس في إحدى الكليات منخرطا «في برنامج صحي علمي»، حسب ما كتب في صفحته بموقع المشروع، وذلك وفق المعلومات التي أوردها موقع «العربية.نت»، الذي اطلع على استمارات تطوعهم وفيديوهات يتحدثون فيها عن دافعهم لخوض المغامرة.
ومن بين المتطوعين عراقيان، أحدهما اسمه علي وعمره 24 عاما، يقول إنه طالب طب وحاصل على بكالوريوس بالعلوم ودبلوم بميكانيك الصناعات، وحاصل على الجنسية الكندية. أما الثاني فاسمه مقداد، ووصل لاجئا قبل مدة ليقيم في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ويرغب بالسفر إلى المريخ «لإيجاد حياة جديدة بلا عنف ولا حروب».
وتطوعت فتاة فلسطينية من غزة للسفر إلى المريخ، واسمها مروة مكاوي، وعمرها 25 سنة. وهي عاشقة للعلوم والفلك وتتمنى السفر «لتعيش في المريخ»، كما قالت في صفحتها بموقع «مارس وان»، إضافة إلى متطوع أردني اسمه أسامة وعمره 28 عاما، يقول عن نفسه إنه يتمتع بخبرات في الكهرباء والتمريض والكمبيوتر…

نبذة عن المريخ

يصنف المريخ ضمن الكواكب الصخرية من مجموعة الكواكب الأرضية (الشبيهة بالأرض).
وقد سمي هذا الكوكب أيضا بالكوكب الأحمر نسبة إلى لونه المائل إلى الحمرة، بفعل نسبة غبار أكسيد الحديد الثلاثي العالية على سطحه وفي جوه. ولذلك يلقب أيضا بالكوكب الأحمر. يبلغ قطر المريخ حوالي 6800 كلم، وهو بذلك مساو لنصف قطر الأرض وثاني أصغر كواكب النظام الشمسي بعد عطارد. تقدر مساحته بربع مساحة الأرض. يدور المريخ حول الشمس في مدار يبعد عنها بمعدل 228 مليون كلم تقريبا، أي 1.5 مرات من المسافة الفاصلة بين مدار الأرض والشمس. له قمران، يسمى الأول» ديموس»، أي الرعب باللغة اليونانية، والثاني» فوبوس» أي الخوف.
يعتقد العلماء أن كوكب المريخ احتوى الماء قبل 3.8 مليار سنة، مما يجعل فرضية وجود حياة عليه متداولة نظريا على الأقل. به جبال أعلى من مثيلاتها الأرضية ووديان ممتدة. وبه أكبر بركان في المجموعة الشمسية يطلق عليه اسم «أوليمبس مونتس» تيمنا بجبل «الأولمب».
قد يكون المريخ وفقا لدراسة عالمين أمريكيين مجرد كوكب جنين لم يستطع أن يتم نموه، بعد أن نجا من الاصطدامات الكثيرة بين الأجرام السماوية التي شهدها النظام الشمسي في بداية تكوينه، والتي أدت إلى تضخم أغلب الكواكب الأخرى، وهو ما يفسر صغر حجم المريخ مقارنة بالأرض أو بالزهرة.
مكن الروبوت «كيوريوزيتي» الذي حط على سطح المريخ في غشت الماضي من التقاط عينة أولى من داخل صخرة مريخية كان ثقبها قبل عشرة أيام، في أول عملية من نوعها تجري خارج كوكب الأرض، حسب ما أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا.»
وشددت الوكالة في بيانها على أنه «لم يسبق أن قام أي روبوت بإحداث ثقب في صخرة خارج كوكبنا والتقاط عينة من داخلها».
ويعتقد العلماء أن العينة المرفوعة بعد إجراء ثقب عمقه ستة سنتيمترات وعرضه 1.6 سنتيمتر، يمكن أن تحتوي على مؤشرات على البيئة الرطبة التي كان يتمتع بها المريخ في ما مضى، ومؤشرات عن وجود حياة سابقة محتملة على سطحه.
يشار إلى أن الروبوت «كيوريوزيتي» هو أكثر الأجهزة التي أرسلتها البشرية إلى الفضاء تطورا، وهو مزود بست عجلات وعشر معدات علمية متطورة.
وتهدف مهمة الروبوت، التي يتوقع أن تستمر لسنتين على الأقل، إلى تحديد ما إذا كان المريخ في الماضي بيئة ملائمة لتشكل حياة جرثومية.

إعداد: نورا الفواري

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق