fbpx
خاصمقالات الرأي

الشنكيطي: التمويل العمومي للأحزاب… قراءة قانونية وقضائية

التوجهات الجديدة أصبحت أكثر وضوحا في خدمة التعددية السياسية وبعض الغايات الكبرى التي يحفل بها الدستور المغربي

(الحلقة الأخيرة)

بقلم: صلاح الدين الشنكيطي *

غطت مناقشة القوانين التنظيمية المتعلقة بالانتخابات (الخاصة بمجلس النواب، مجلس المستشارين، الجماعات الترابية)، على التجديدات التي حملها القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، والتوجهات الجديدة التي عبرت عنها سياسة التمويل العمومي، التي أصبحت أكثر وضوحا في خدمة التعددية السياسية، وبعض الغايات الكبرى التي يحفل بها الدستور المغربي وهو ما سنعمل على توضيحه كالآتي:

• تعزيز موارد الأحزاب السياسية

المادة 31، في صيغتها المعدلة، أضافت موارد جديدة لفائدة الأحزاب السياسية، تتمثل في “المساهمات المالية للمنتخبين باسم الحزب و”عائدات استغلال العقارات المملوكة للحزب” و”عائدات الحساب البنكي الجاري للحزب”، ورفعت من سقف المبلغ الإجمالي أو القيمة الإجمالية للهبات والوصايا والتبرعات النقدية أو العينية، لكل واحدة منها إلى 600.000 درهم في السنة بالنسبة إلى كل متبرع، وأجازت “لكل حزب سياسي أن يؤسس شركة للتواصل وللأنشطة الرقمية شريطة أن يكون رأسمالها مملوكا كليا له، من أجل استثمارها في أنشطته والحصول على عائدات مالية من خدماتها”، وهذه الأحكام علقت عليها المحكمة الدستورية وفق الحيثية الآتية “وحيث إن تمكين الأحزاب السياسية من النهوض بوظائفها الدستورية، يقتضي توفرها على موارد مالية يكون مصدرها إما دعما عموميا، أو تمويلا ذاتيا عن طريق مساهمات المنخرطين بها أو من منتخبيها، أو نتاج كل الصيغ الممكنة للتبرعات، شريطة ألا تتجاوز سقفا معينا أو عائدات شركة تمتلك رأسمالها كليا، متخصصة في مجال مرتبط بالوظائف المخولة للأحزاب السياسية. 
وحيث إن السماح للأحزاب السياسية بتأسيس شركة للتواصل وللأنشطة الرقمية، بشروط حددتها المادة المذكورة، غايته التعريف بها وببرامجها، وتأطير المواطنات والمواطنين والمساهمة في تكوينهم السياسي، وتطوير آليات التواصل الحزبي، لاسيما في المجال الرقمي؛
وحيث إنه، بناء على ذلك، ليس في المادة 31 المذكورة، ما يخالف الدستور”.

•غايات تمثيل الشباب والنساء والجالية في قلب سياسة التمويل

نصت المادة 32، في فقرتيها الأولى والثانية، على أنه “تمنح الدولة للأحزاب السياسية المؤسسة بصفة قانونية، المشاركة في الانتخابات العامة التشريعية، والتي غطت على الأقل ثلث عدد الدوائر الانتخابية المحلية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، شريطة أن تكون هذه الدوائر موزعة على الأقل على ثلاثة أرباع (4/3) جهات المملكة، وغطت على الأقل نصف عدد الدوائر الانتخابية الجهوية الخاصة بانتخاب أعضاء المجلس المذكور، دعما سنويا للمساهمة في تغطية مصاريف تدبيرها.يشترط أيضا للاستفادة من الدعم المشار إليه في الفقرة الأولى أعلاه ما يلي: 
     1. في ما يخص الدوائر الانتخابية المحلية، أن يكون مترشح لا يزيد سنه على أربعين سنة مرتبا في المرتبة الأولى في ثلاث لوائح على الأقل من لوائح الترشيح المقدمة بتزكية من الحزب المعني؛
 2. في ما يخص الدوائر الانتخابية الجهوية، أن تكون مترشحة مقيمة خارج تراب المملكة مرتبة في المرتبة الأولى في لائحة واحدة على الأقل من لوائح الترشيح المقدمة بتزكية من الحزب المعني، وأن تكون مترشحة لا يزيد سنها على أربعين سنة مرتبة في المرتبة الأولى في لائحة واحدة على الأقل من لوائح الترشيح المقدمة بتزكية من الحزب المعني”، وهو ما علقت عليه المحكمة الدستورية بالقول “وحيث إن الدستور، ينص في الفقرة الأخيرة من فصله السابع، على أنه: “يحدد قانون تنظيمي، …القواعد المتعلقة، بصفة خاصة، بتأسيس الأحزاب السياسية، وأنشطتها ومعايير تخويلها الدعم المالي للدولة، وكذا كيفيات مراقبة تمويلها”.
وحيث إن أحكام الفقرة الأولى من المادة المذكورة، راعت في ما يخص استفادة الأحزاب السياسية من الدعم المالي للدولة، شرط المشاركة في الانتخابات العامة التشريعية، وتغطية نسب معينة من الدوائر الانتخابية المحلية والجهوية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب، وهوما ينسجم مع الوظائف الدستورية الموكولة للأحزاب السياسية، والتي تهم تأطير المواطنات والمواطنين، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وتدبير الشأن العام والمساهمة في التعبير عن إرادة الناخبين.
وحيث إن الفقرة الثانية من المادة السالف ذكرها، إذ أضافت شرطين آخرين لاستفادة الأحزاب السياسية من دعم سنوي للمساهمة في تغطية مصاريف تدبيرها، إنما تهدف إلى حث الأحزاب السياسية، وتشجيعها على ترشيح الشباب والنساء، بمن فيهن المغربيات المقيمات في الخارج، على رأس لوائح الترشيح المعنية.
وحيث إن الدستور، ينص من جهة، في الفقرة الثانية من فصله السادس، على أنه: “تعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية”، وفي فصليه 19 (الفقرة الثانية) و30 (الفقرة الأولى) بالتتابع، على أنه: “تسعى الدولة إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء.”، “…وينص القانون على مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية”، وينص من جهة أخرى، في فصله 17، على أنه: “يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات.”، وفي الفصل 33 منه “على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتحقيق ما يلي: – توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد … “.
وحيث إن تخصيص نسبة معينة من لوائح الترشيح، سواء في الدوائر الانتخابية المحلية أو الجهوية الخاصة بانتخاب أعضاء مجلس النواب،  يُرَتَّبُ الشباب والنساء في مرتبتها الأولى، واعتبار ذلك ضمن الشروط المتطلبة لاستفادة الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة التشريعية، من دعم سنوي للمساهمة في تغطية مصاريف تدبيرها، يخدم الغايات الدستورية المشار إليها.
وحيث إن إعمال الشرطين المذكورين، يبقى محصورا بالنسبة إلى الأول، في ثلاث لوائح ترشيح، على الأقل، تتعلق بالدوائر الانتخابية المحلية بالنسبة إلى الحزب المعني، وبخصوص الثاني، في لائحتي ترشيح، على الأقل، في ما يخص الدوائر الانتخابية الجهوية، مما يجعل هذين الشرطين، بما تضمناه من قيد، على الأحزاب في تقديم مترشحيها، ومن استثناء على مبدإ المساواة بين المواطنات والمواطنين في الترشح للانتخابات، ليس فيهما إخلال بمبدإ التناسب بين الوسيلة التي ارتضاها المشرع، والغايات الدستورية المقررة.
وحيث إنه، بناء على ذلك، ليس في الفقرتين الأولى والثانية من المادة المذكورة ما يخالف الدستور”.

• تنويع معايير التمويل العمومي

فقد نصت الفقرات الثالثة والخامسة والسادسة من المادة 32 من القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، على أنه “”يمنح الدعم المشار إليه… وفق القواعد الآتية بعده:
أ‌. تخصص حصة سنوية جزافية للأحزاب السياسية… توزع بالتساوي في ما بينها.
 ب‌. تستفيد من مبلغ إضافي يعادل الحصة الجزافية سالفة الذكر الأحزاب السياسية التي حصلت على الأقل على نسبة 1% دون أن تصل إلى نسبة 3% من عدد الأصوات المعبر عنها في الانتخابات العامة التشريعية، برسم مجموع الدوائر الانتخابية المحلية.
     ج. يخصص دعم سنوي للأحزاب السياسية التي حصلت على نسبة 3% على الأقل من عدد الأصوات المعبر عنها في الانتخابات المشار إليها أعلاه، ويوزع هذا المبلغ على أساس عدد المقاعد وعدد الأصوات التي حصل عليها كل حزب سياسي خلال الانتخابات نفسها.
استثناء من القواعد المنصوص عليها في البندين “ب”و”ج”…يصرف سنويا لكل حزب من الأحزاب السياسية …عن كل مقعد فاز به، على صعيد دائرة انتخابية محلية بتزكية منه، مترشح مقيم خارج تراب المملكة، أو مترشحة، مبلغ يعادل خمس مرات المبلغ الراجع لكل مقعد عملا بالقاعدة المقررة في البند “ج” سالف الذكر. 
يصرف دعم سنوي إضافي لفائدة الأحزاب السياسية… يخصص لتغطية المصاريف المترتبة عن المهام والدراسات والأبحاث التي تنجز لفائدتها من طرف الكفاءات المؤهلة بهدف تطوير التفكير والتحليل والابتكار في المجالات المرتبطة بالعمل الحزبي والسياسي”، وهو ما اعتبرته المحكمة الدستورية ليس فيه ما يخالف الدستور، وفق المبررات الآتية “وحيث إنه، بمقتضى ذلك، فإن استفادة الأحزاب السياسية من الدعم المالي للدولة، روعيت فيه تعددية المعايير المعتمدة، إذ خضع لمتطلبات المشاركة في الانتخابات العامة التشريعية، ولمبدإ المساواة في منح حصة جزافية من الدعم، ولمبدإ التناسب بين مقادير التمويل الممنوحة وعدد المقاعد وعدد الأصوات التي يحرز عليها كل حزب سياسي.
وحيث إن المعايير المعتمدة، تهدف من حيث إقرارها لمبدإ المساواة بين الأحزاب، إلى تيسير مشاركتها في المنافسة الانتخابية بصرف النظر عن حجمها، وأما استنادها إلى الحصول على نسبة معينة من الأصوات المعبر عنها، فإنه يستجيب لمبدإ التناسب الوارد ضمنيا في مبدإ التمثيل الديمقراطي المقرر في الفقرة الأولى من الفصل 11 من الدستور.
وحيث إن تمييز احتساب الدعم المخصص لكل مقعد فاز به، على صعيد دائرة انتخابية محلية، مترشح مقيم خارج تراب المملكة أو مترشحة، بدعم يعادل مبلغ خمس مرات الراجع لكل مقعد، فإن مرده إلى ما تضمنه الدستور من غايات، تتمثل، أساسا، بالنسبة للمترشحات في السعي إلى تحقيق مبدإ المناصفة بين الرجال والنساء (الفصل 19)، وإلى تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في ولوج الوظائف الانتخابية (الفصل 30)، وبالنسبة للمغاربة المقيمين بالخارج، في ضمان فعلية ممارستهم الكاملة لحقوق المواطنة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات (الفصل 17).
وحيث إن تخويل دعم سنوي إضافي للأحزاب السياسية، لتغطية المصاريف المترتبة عن المهام والدراسات والأبحاث التي تنجز لفائدتها، يهدف إلى توفير خبرة مؤهلة تساهم في إعداد برامجها وتصوراتها، والتفكير في السياسات العمومية، وإغناء النقاش العمومي، كل ذلك لتعزيز انخراط المواطنات والمواطنين في الحياة الوطنية، وفي تأهيل الأحزاب السياسية لتدبير الشأن العام  والمشاركة في ممارسة السلطة إعمالا لأحكام الفصل 7 من الدستور.
وحيث إنه، بناء على ما سبق، ليس في المعايير المحددة لتوزيع الدعم العمومي المخول للأحزاب السياسية، ولا في الدعم السنوي الإضافي المرصود لها، ما يخالف الدستور”. (قرار المحكمة الدستورية رقم 21/117 بتاريخ 31 مارس 2021).

* ذ. باحث في صف الدكتوراه –علم السياسة والقانون الدستوري- كلية الحسن الثاني-عين الشق بالبيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى