fbpx
خاص

“بيتكوين” … حقيقة العملة الشبح

كيفية إصدارها وطرق الحصول عليها والتعامل بها وموقف السلطات المغربية منها

عاد الحديث من جديد حول العملة الافتراضية “بيتكوين”، بعد ارتفاع ملحوظ لقيمتها مقابل العملات الدولية الرسمية، مثل الدولار الأمريكي، والأورو الأوربي، والجنيه البريطاني وغيرها من العملات الأخرى، إذ تجاوزت قيمتها 38 ألف دولار و 31 ألف أورو و 28 ألف جنيه إسترليني، خلال تداولات أمس (الخميس). ويتوقع محللون أن تواصل عملة “بيتكوين” ارتفاعها، خلال الأشهر المقبلة، إذ ينتظر أن تتجاوز قيمتها 120 ألف دولار، ما جعل عددا من الأشخاص يتساءلون بالمغرب عن طبيعة هذه العملة وخصائصها، وكيفية التعامل بها، والجهات التي تشرف عليها، وعدد من الأسئلة الأخرى المرتبطة بإمكانيات تعاملهم بها.
إنجاز:عبد الواحد كنفاوي

النشأة والمميزات
شرع التعامل بعملة “بيتكوين”، التي فرضت نفسها بقوة مقارنة بالعملات الافتراضية الأخرى، في 2009، مباشرة بعد الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد العالمي، خلال 2008، وتسببت في إفلاس عدد من البنوك وخسارات بآلاف الملايير للمجموعات الاقتصادية والشركات والأفراد، ما جعل عددا من الأشخاص يشككون في النظام المالي العالمي القائم، ويبحثون عن بدائل للعملات الرسمية.
وبرزت مجموعة من العملات الافتراضية، لكن “بيتكوين”، تظل العملة الأكثر تطورا وأمانا بالنسبة إلى مستخدميها، ما جعلها تنتشر بشكل ملحوظ، وتحظى بثقة مستعمليها.
لا يعلم حتى الآن هوية الجهة، التي كانت وراء إنشاء هذا النظام المالي العالمي الافتراضي البديل، إذ أن المعروف، حاليا، أن شخصا، يمكن أن يكون ذاتيا أو معنويا، يعرف بـ “ساتوشي ناكاموتو”، هو من كان وراء تصميم العملة الافتراضية الجديدة والنظام المعلوماتي الخاص بها، ليختفي بعدما ثبت أركان هذا النظام، بعد سنتين من العمل، ويتم إنشاء منصة”جينيسيس”، أول “بلوك” للتعامل بالعملة الافتراضية “بيتكوين” في 3 يناير 2009، على موقع “P2P foundation”، وتم نشر أول برنامج معلوماتي “لوجيسييل” خاص بهذه العملة الافتراضية.
وتتميز العملة الافتراضية الجديدة عن العملات التقليدية أنها محصنة من التضخم، إذ أن الجهة التي كانت وراءها حددت عدد الوحدات في 21 مليون وحدة، وعندما يتم الوصول إلى هذا العدد لا يمكن إحداث أي وحدة أخرى من “بيتكوين”، كما أنها غير ممركزة، خلافا للعملات المادية الأخرى التي تعود إلى البنوك المركزية والحكومات، وتخضع لنظام مراقبة لا مركزي، إذ هناك مراقبون يتقاضون مقابلا على تحققهم من صحة المعاملات.

طريقة الاشتغال
يتعين على الراغب في التعامل بـ”البيتكوين”، أن يفتح حساب تعاملات بيتكوين، وأن يثبت، بداية، محفظة افتراضية “واليت موبايل” عبر موقعي تحميل التطبيقات “آب ستور” و “بلاي ستور”، ويتم الحصول بعد ذلك على قن سري يسمى (المفتاح الخاص)، وهو عبارة عن متوالية من الحروف والأرقام، التي تستعمل ليتمكن المراقبون من التحقق، خلال أي معاملات، من صاحب الحقيبة الافتراضية. ويجب على صاحب المحفظة الاحتفاظ بهذا القن، لأنه الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من التصرف في وحدات العملة.
ويتعين، بعد تثبيت المحفظة، إنشاء عنوان “بيتكوين”، على غرار البريد الإلكتروني، الذي يتم كشفه للجهات التي يراد التعامل معها، علما أن هذا العنوان لا يستعمل إلا مرة واحدة، ويمكن إنشاء عناوين أخرى عند الحاجة.
وتتم التعاملات بين أصحاب محافظ “البيتكوين”، إذ أن كل صاحب محفظة يستخدم مفتاحه الخاص، الذي يستعمل لتوقيع المعاملات، ويعتبر حجة على أن المعاملة نفذت من قبل مالك المحفظة، كما أن التوقيع يحفظ، أيضا، المعاملة من أن يتم تعديلها أو التلاعب بها من أي أحد بعد إصدارها، ويتم نشر جميع المعاملات وتوزيعها على المستخدمين، من خلال عملية تسمى التعدين “Mining”.

“بلوك شين”… عصب العملة الافتراضية
إذا كانت العملات التقليدية تحدث وتراقب من قبل البنوك المركزية في مختلف البلدان، مقابل رصيد الذهب أو العملات الأجنبية أو القروض التي تمنحها المؤسسات البنكية، فإن “بيتكوين” لا ترتبط بأي مؤسسة تابعة للدولة ومستقلة عن آليات المراقبة التابعة لها، لكن ذلك لا يعني أن التعاملات بهذه العملة الافتراضية التي تعرف انتشارا واسعا، غير مقننة ولا تخضع للمراقبة، فمن يراقبها وكيف يتم إحداثها؟
للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من التعرف على التكنولوجيا التي اعتمدها مصممو العملة الافتراضية لتأمين التعاملات، التي تعرف بتكنولوجيا “البلوك شين” (سلسلة البلوكات)، وهو عبارة عن سجل رقمي يتم فيه تسجيل جميع المعاملات التي تتم بين الأشخاص بواسطة “البيتكوين”، والذي يمكن لجميع المتعاملين الاطلاع عليه، عبر حساباتهم.
وخلافا للعملات المادية التي تتداول على شكل أوراق أو قطع نقدية ويشرف على مراقبتها البنوك المركزية، فإن نظام العملة الافتراضية يتيح للجميع المراقبة والتحقق من المعاملات وتسجيلها في السجل الرقمي المعروف بـ”بلوك شاين”، لكن عملية التحقق والتسجيل تتطلب التوفر على حواسيب قوية بإمكانها إنجاز عمليات حسابية ضخمة للتوصل إلى القن السري، الذي من خلاله يتم الولوج إلى السجل الرقمي لتسجيل هذه العمليات، علما أن ملايير الحواسيب تعمل على مدار الساعة، للتمكن من التوصل إلى القن، قبل الآخرين.

ثلاث طرق للامتلاك
لا توجد سوى ثلاث طرق للحصول على العملة الافتراضية “بيتكوين”، الأولى، كما تمت الإشارة إلى ذلك، عن طريق التصديق والتعدين، أي بتسجيل المعاملات في السجل الرقمي، “بلوك شين”، إذ يحصل “المعدنيون” على مقابل مالي بالعملة الافتراضية عن كل عملية تسجيل. والطريقة الثانية تتمثل في عمليات البيع بالعملة الافتراضية، والثالثة أن يتم اقتناء العملة من منصات مخصصة للمتاجرة في هذه العملة. لكن يتعين، قبل ذلك أن يتم إنشاء حساب خاص لإنجاز مثل هذه التعاملات، والتوفر على محفظات لتخزين العملات بها واستعمالها عند الحاجة. ويمكن اقتناء وحدات “البيتكوين” أو أجزائها، إذ أن الوحدة مقسمة إلى 100 مليون جزء، ما يعني أنه يمكن اقتناء 0.00001 “بيتكوين” أو أقل من ذلك، إلى حدود 1 / 100000000، وتسمى القسمة 100 مليون من “بيتكوين”، “ساطوشي”، نسبة إلى مبتكر هذا النظام.

التعدين وإصدار “بيتكوين”
يتم التحقق من صحة التعاملات بين المنخرطين في شبكة “بيتكوين”، من قبل الجهات التي تتوفر على الإمكانيات التقنية لتتبع كل المبادلات التي تتم عبر أنحاء العالم. ويتطلب الأمر استثمارات ضخمة، إذ يجب التوفر على حواسيب قوية، ما يفرض استثمارات ضخمة، ليس بإمكان الجميع القيام بها، لذا فإن بعض الشركات والمجموعات الكبرى تستثمر في إنشاء مراكز تتوفر على حواسب ضخمة قادرة على إنجاز عمليات رياضية ضخمة، تعمل على تتبع كل العمليات، ويتم التحقق من هذه العمليات المشفرة، ويتعين فك هذه الشفرة والحصول على المفتاح، الذي من خلاله يتم الولوج إلى السجل الرقمي “بلوك شين”، وعند التحقق من صحة المبادلات، يتم تسجيلها، وتتطلب هذه العملية الرياضية الضخمة 10 دقائق. وتتقاضى الجهة التي تنجح هي الأولى في تسجيل العملية مبلغا من العملة الافتراضية، وهذه هي الوسيلة التي من خلالها يتم إصدار “بيتكوين”، وتسمى هذه العملية بالتعدين (Mining).
وحددت الجهة التي كانت وراء هذا النظام تعريفة لكل عملية تتغير على رأس كل أربع سنوات. فعند انطلاق التعامل، كان يؤدى عن كل عملية تسجيل 50 وحدة “بيتكوين، وانخفضت إلى 25 وحدة، بعد مرور أربع سنوات، وتقلصت، حاليا، إلى 12.5 وحدة، وسيواصل المبلغ المالي الممنوح مقابل عمليات التحقق والتسجيل الانخفاض إلى أن يصل إلى الصفر عند الوصول إلى إصدار 21 مليون وحدة، إذ لن يتم، بعد ذلك، إصدار أي وحدة أخرى، وينتظر أن يتم الوصول إلى هذا العدد في أفق 2140، بالاستناد إلى النظام المعلوماتي المنظم لهذه التعاملات.
ويطرح التساؤل حول مصير الجهات التي تعمل، حاليا، على التحقق من العمليات وتسجيلها، ما دامت لن تتقاضى أي مقابل بعد إصدار الوحدة الأخيرة من العملة الافتراضية.
رغم التوقف عن إصدار العملة الافتراضية، فإن الجهات المكلفة بالتحقق والتسجيل، التي يطلق عليها لقب “المعدنيين” (مينرز)، نسبة إلى عملية التعدين، يستخلصون، إضافة إلى المبالغ المالية المحصلة من عملية التسجيل والتصديق على المعاملات، عمولات على المبادلات يصادقون عليها، علما أنها تظل، حاليا، محدودة، ويمكن أن ترتفع بعد الوصول إلى العدد المحدد من وحدات “بيتكوين”، لأن “المعدنيين” لن يتلقوا أي مقابل على عمليات التصديق.

بين التحذير والمنع
سارع عدد من المغاربة، عند بروز العملات الافتراضية، إلى التعامل بها والبحث عن تحقيق مكاسب منها، لكن سلطات الرقابة المالية، ممثلة في وزارة الاقتصاد والمالية ومكتب الصرف وهيأة توظيف الرساميل، كان لها رأي آخر، إذ أصدرت هذه الهيآت الثلاث بلاغا مشتركا تحذر فيه من التعامل بهذه العملة لما تشكله من مخاطر على المتعاملين بها، بالنظر إلى التذبذب الذي تعرفه قيمتها، ما يمكن أن يتسبب في خسارات، وجاء هذا البلاغ بمثابة إبراء الذمة، إذ أن الصيغة التي جاء بها لا تتضمن عبارات المنع، بل مجرد تحذير.
لكن أعقب ذلك بلاغ لمكتب الصرف، جاء هذه المرة، بصيغة واضحة، يعتبر فيها التعامل بهذه العملة مخالفا للقانون وتترتب عنه عقوبات، لأن التعامل بهذه العملة يقتضي إخراج العملات من المغرب دون ترخيص من مكتب الصرف.
لكن عددا من المتتبعين يرون أن هذا الموقف مؤقت إلى حين الإلمام بهذا النوع الجديد من التعاملات وإيجاد الإطار القانوني له. وتجلى ذلك، خلال ندوة “فيتنيك”، التي أشرف عليها صندوق النقد الدولي بالرباط حول الاندماج المالي، إذ اعتبر عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، في تدخله، أن العملة الافتراضية أصبحت واقعا وأن دائرة المتعاملين تتسع بفعل التطورات التكنولوجية التي عرفها القطاع المالي. وأكد أن المغرب لم يحسم بعد في مسألة العملات الافتراضية، مشيرا إلى أنه يتعين ملاءمة القوانين مع التطورات التي يعرفها القانون والاستعداد للتحولات التي يعرفها القطاع، إذ يتعين على البنوك المركزية، المسؤولة عن إصدار العملة، الاستعداد الجيد لأن فاعلين جددا سينافسونها في إصدار العملات. وأشار الجواهري إلى أن الموقف الذي اتخذه البنك المركزي، خلال 2017، بشأن العملات الافتراضية كان من منطلق الحفاظ على حقوق المستهلك، خاصة أن التعامل بهذه العملات يكتسي مخاطرة كبيرة، لأن قيمتها تتغير بسرعة، مشددا على أن البنك لم يتخذ قرارا نهائيا في الموضوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى