fbpx
خاصمقالات الرأي

فقيهي: مـحـنة مصـاب بـكـورونا (2/1)

معاناة مع المرض ومختبر التحليل والمستشفى المتخصص في العلاج (2/1)

بقلم : الصحراوي فقيهي*

لم آخذ الأمر مأخذ الجد في البداية، لما ارتفعت حرارة جسمي. حسبتها نزلة برد لن تعمر أكثر من ثلاثة أيام، وعزوت السبب لحمام أخذته ذلك الصباح بعد تمارين رياضية على ظهر دراجة هوائية. لكن في اليوم الموالي، كانت زوجتي ، من حين لآخر تسعل سعالا خفيفا، فتتساءل، دون كبير اكتراث، ما قد يكون سبب السعال هذا، رغم أنها تأخذ من الحيطة ما يكفي لتجنب الزكام.
لكن الليل، الذي غالبا ما يمد صاحبه، بطريقة أو بأخرى، بالنصيحة اللازمة، أجابنا عن أسئلتنا. إذ ازدادت حرارة جسمي ليغمر العرق كل مناطق جسمي وتلتصق الثياب بجلدي، فيما كانت زوجتي في الفراش المقابل تصرخ صراخ بعير يخضع لعملية كي، لأنها كانت تشعر أن “شواقير” تقطع جميع أوصالها، وأن رأسها يكاد ينفجر، والصالون حيث كنا نقضي الليل لا يتوقف عن الدوران. ورغم الآلام والصداع حسبنا الأمر يتعلق بنوبة زكام ليس إلا.

انتظار نتائج التحليلات

في الغد كان لا بد أن نتوجه لأقرب مختبر للتأكد من وضعيتنا الصحية، رغم أن الألم والسعال والعرق وصداع الرأس، لم تتوقف. وكانت هذه الأعراض كافية لتؤكد لنا أن هجوم الوباء على جسمينا قد انطلق. ذهبنا للمختبر، وفي قرارة نفسينا أننا فقط، سنؤكد ما يروج في خاطرنا من أن الأمر يتعلق بنزلة برد أصابت كلينا في الوقت ذاته.
عندما يجري مريض التحليلات، عليه الانتظار ما يفوق الثلاثة أيام للحصول على نتائجها. تعادل الثلاثة أيام هذه، ثلاثة أشهر بالنسبة إلى المريض. فهو في وضعية نفسية لا يحسد عليها. لأنه يبقى جاهلا لنوعية الأدوية التي سيلجأ إليها للتخفيف من آلامه وحرارة جسمه على الأقل. ولما يزور طبيب الطب العام، فإن هذا الأخير يكتفي بوصف أدوية صالحة لأي زمان ومكان. أدوية في المتناول عند أول صيدلي. وهكذا يظل المريض في وضعية انتظار مملة ومميتة نفسيا وصحيا، وكأنه ينتظر نتيجة امتحان سيقرر مصير حياته. وهي وضعية نفسية تضعف قدراته لمقاومة الوباء ، خصوصا إذا علمنا أن المعنويات المرتفعة تبقى شرطا أساسيا في مقاومة الأمراض.

خطابات الراديو والتلفزيون

لم نكن نعلم أنه بعد حصولنا على نتائج التحليل، ستتغير حياتنا بشكل جذري. كانت تنتظرنا تجربة جديدة. واقع آخر مغاير لواقعنا اليومي. واقع كنا نجهل حتى وجوده. واجهت خلال تجربة الكوفيد هذه عالما متفردا، له أشخاصه المتفردون وكأنهم نزلوا من كوكب بعيد عن الأرض. يعملون – هذا إن عملوا- بطريقة آلية، وكأنهم روبوات مبرمجة. لا وجود في سلوكهم لشيء اسمه المنطق أو العلاقات الإنسانية، كأن تتقدم مثلا أمام طبيب المستشفى لتخبره أنك تشكو من خفقات القلب، فيجيبك : ما رقم بيتك ؟
دعونا من الأحاديث الرسمية، الصادرة عن الراديو والتلفزيون. فهذه كلها خطابات دون مرجعية ميدانية موثقة بالصوت والصورة، تجعلك تثق بها. لا يعلم المقصود من ترويجها إلا من روج لها. الدليل أنه خلال تجربتي التي دامت ما يزيد على عشرة أيام بالمستشفى، لم ألاحظ ولو صحافيا واحدا مبعوثا من قبل المنابر الرسمية، يتجول بين المرضى بكاميرته، وميكرفونه، ليلتقط صورا وحوارات حية عن أحوال المرضى و رأيهم في معاملة الأطقم الطبية لهم. إن ما سأرويه بالمناسبة لهو واقع معيش. لا نسعى من وراء سرده جني نتائج سياسية أو مالية. إنه واقع لا يطلع عليه إلا من خبره وعاشه بدقائقه الطويلة طول النهار، وساعاته المرهقة، المملة في طوابير المستشفيات والإدارات. حتى إنك لتشعر أحيانا أنك أمام الدولة، أقل رتبة من حيوان، رغم السنين التي قضيت في خدمتها.

ما العمل بعد الإصابة؟

كانت النتيجة إيجابية فعلا. فبدأت تنتابنا أسئلة عديدة لم تمر على بالنا من قبل. السؤال الكبير الذي يفرض نفسه هو: “ما العمل الآن والنتيجة إيجابية ؟”
ثم تتناسل عنه أسئلة فرعية :
« إلى أين يتجه المرء؟»
« ما هي المؤسسة التي ستأخذ بيده وتصاحبه في جميع مراحل العلاج؟”
من سيجيب عن أسئلة متعلقة بصحته، وربما بحياته بأكملها ؟ ”
كم مدة الحجر؟ ”
هل الحجر وحده كاف ؟”
وما هي نسبة نجاح العلاج ؟ و…؟ و… ؟ ”
كان من البديهي أن يلجأ المرء إلى المختبر حيت أجرى التحاليل. فمن المنطقي أن تكون لديه بعض من الأجوبة لأسئلتنا: كأن يدلنا مثلا على اسم المستشفى أو المصلحة أو الجمعية التي تأخذ بيد المصاب بمرض الكوفيد، وتساعده، على الأقل نفسيا، لمواجهة المرض.
رغم الألم والحرارة، كنت أسوق سيارتي وحدي، معانيا في صمت، حتى لا تنتبه زوجتي لمعاناتي، فيزداد ألمها. لم يكن في استطاعتها لا السياقة ولا استعمال الهاتف للحصول على معلومات تفيدنا في أزمتنا الصحية. وتساءلنا أنا وزوجتي: ماذا لو خصصت الدولة سيارات إسعاف تتنقل عبر المناطق الموبوءة، أو عبر البوادي القريبة من المدن لنقل المصابين إلى حيث العلاج، يتصل بها المصابون بالوباء عبر رقم يتم الإعلان عنه عن طريق وسائل الإعلام، ليكون في متناول المصابين .. يبدو أن العملية لا تتطلب مصاريف كثيرة، وإنما تفكيرا مواطنا عمليا، خصوصا وأن سيارات الإسعاف كثيرة بالجماعات، وسائقيها يقضون جل سويعات العمل بالمقاهي . كان هذا الوباء سيكون مناسبة كذلك للتفكير في إصلاح سيارات إسعاف أخرى متوقفة في مآرب الجماعات، بسبب عطب بسيط.
اتضح من أجوبة المختبر أن ما يهمه من الأمر هو ما يجنيه من نقود من جيوبنا، وأن لا علم له بالتدقيق بالمراحل التي يجب اتباعها في حالة كانت نتيجة مرضاه إيجابية. وكأنه يجهل جهلا تاما ما يدور بهذه البلاد وما يروج عن مرض اسمه كوفيد، ما عدا التحاليل التي يقوم بها والتي يتسلم مسبقا تكاليفها. وكأن أصحابه نزلوا من المريخ من أجل مهمة محدودة في الزمان والمكان، أو كأن أمر أبنائه المصابين بكوفيد هو آخر همومهم. فكانت أجوبة المختبر الذي أجرى لنا التحاليل من هذا القبيل :
« كالو كين شي… أواسمعنا باللي… أن هناك مستشفيات تتكلف بالمرضى. مقرها عين الشق أو التشارك أو آنفا”. تجب الإشارة هنا إلى أن الحديث مع مسؤول المختبر، لا يختلف عن الحديث مع عميد شرطة أو قائد مقاطعة في العهد البائد، غير المؤسوف عليه. عندما تحاول التواصل معه، تجيبك كاتبات شابات مبتدئات، أنه مشغول، أو أنه غادر المكتب قبل دقائق. فتتكلف هي بترديد أجوبة ترددها على طول النهار: ” يالله اخرج”… “ما كينش “.

الاصطدام بالجدار
بعد خيبة أملنا في المختبر، فكرنا في الاتجاه مباشرة نحو المستشفى الرسمي للبرنوصي: “مستشفى المنصور” . لكن، قد تجد طريقك داخل سوق أو موسم أحد الولاة الصالحين أو حمام وتحصل على مبتغاك ، ولكنك، داخل “مستشفى المنصور” بالبرنوصي، لن تجد دليلا يرشدك، ولا مسؤولا تتجه إليه فيوجهك. أناس ببذلات بيضاء وخضراء يتحركون في كل الاتجاهات كالحمقى. يبدو من هيأتهم أنهم مشغولون، وهم لا شغل لهم في الحقيقة إلا الدوران عبر مكاتب المستشفى. فتكتشف أنهم لا ينفعون ولا يضرون، لأنهم يجهلون كل شيء خارج عن المستشفى وعن الإتاوات التي يتسلمونها مقابل وعود بالعناية كاذبة لأهل المرضى. كان مكتب الاستقبالات أو الإرشادات فارغا من صاحبه. فقررت الانتظار لبعض الوقت، لعل غياب المسؤول عنه لن يطول، لكن غياب هذا الأخير طال مع الأسف . حاولت الاتصال بصاحبة الصندوق لعلها تشفق من حالتي الموبوءة التي أصبحت ظاهرة للعيان، فتسدي لي أي معلومة تفيدني. فلم تختلف إجابتها عن إجابة المختبر : ” اسمعنا باللي …” “كيضهر باللي كين شي …”
الوقت يمر. ونحن نصطدم بالجدار كلما غيرنا وجهتنا في البحث عن مخرج لأزمتنا. وكانت حالتنا الصحية تزداد سوءا، هنيهة بعد هنيهة. والحالة النفسية تتدهور أكثر. تساءلنا حينها ماذا لو كان المصاب بدويا، أو شيخا أميا ليس له من يساعده، ولا يتوفر على أي وسيلة للتنقل ؟؟؟
قلنا في أنفسنا قد يكون بين يدي العمالة الطبية للبرنوصي، – ما يفيد لتوجيهنا نحو الوجهة الصحيحة، إلا أننا انتبهنا، ونحن نبحث عن مقرها، أنه يمكنك أن تجد بسهولة أي مؤسسة إدارية بالبرنوصي، إلا العمالة الطبية، يستحيل العثور على مقرها إن لم تكن من أبناء الأحياء القريبة جدا منها ، أو إن لم تساعدك التقنية المحددة للمواقع ( جي. بي. إيس.) ولا أظن أن جميع المرضى يتوفرون على هذه التقنية، أو يحسنون استعمالها. لكي تكون المؤسسة قريبة من المواطن- هكذا فكر المسؤولون – أوجدوا لها مقرا وسط الأحياء الشعبية المكتظة. هناك حيث يستحيل عليك إيجاد مكان تركن فيه سيارتك لقضاء أغراضك، ولا علامة تشوير واحدة تشير إلى وجودها، كأنها مخبأ للسلاح، وكأن الدولة تخاف على أن ينكشف عنوانها.

أبواب موصدة بالأقفال
كان يوم يوم جمعة، وكانت الساعة تشير إلى الثانية زوالا. كم كانت دهشتنا كبيرة لما وجدنا جميع أبواب العمالة الطبية موصدة بالأقفال، وكأنها بناية مهجورة منذ ما قبل كورونا، وحتى ولو كانت الدولة قد غيرت مقر البناية، أليس من المنطقي أن توضع لافتة على الأبواب تشير إلى العنوان الجديد، ليتوجه إليه كل من كانت له حاجة بالمؤسسة ؟ وحتى لو كان اليوم يوم جمعة، وهو على العموم، اليوم الذي تهجر فيه الإدارات قبل الأوان، فيعطي العديد من الموظفين الأسبقية لكروشهم المنتفخة بأكل الحرام قبل خدمة المواطنين المصطفين أمام مكاتبهم، أليس هناك من يضمن ساعات المداومة التي نحن، في هذه الظروف الصعبة، في حاجة إليها أكثر من أي وقت مضى ؟
في غمرة الحزن والتعب واليأس التي كنا نعيشها حينئذ، أضحكنا منظر سيارة إسعاف واقفة أمام المبنى، وقد تعطلت اثنتان من عجلاتها الأربع، فقلت لزوجتي: “هذه صورة عن وزارة صحتنا. إنها غير قادرة على التحرك لأن اثنتين من عجلاتها لا تدوران» .
فلم يكن لدينا من بد حينها إلا اللجوء إلى الشيخ ” غوغل “، سيد العارفين، صاحب العلم الشامل الكامل، والذي شملت معرفته الأرض والسماء، فكان هو من مدنا مجانا برقم هاتف كان مفتاحا للتوصل إلى أجوبة لبعض من تساؤلاتنا، أخبرتنا امرأة بعد الاتصال بالرقم، أن البيضاء أصبحت مقسمة إلى مناطق ثلاث، وأن هناك ثلاثة مستشفيات يمكننا الاتصال بواحد منها لإخباره بأننا مصابون، وسيتكلف بباقية المراحل. فطرنا على جناح السرعة إلى أقرب مستشفى موجود بعين الشق.
عند وصولنا أمام المؤسسة، كالعادة ليس هناك وجود لأي لافتة أو يافطة تعلن تخصص المستشفى الجديد، أو تعين مرضى كوفيد على التوجه إلى حيث يرغبون.

في الحاجة إلى دعم نفسي
كم كانت ستكلف المؤسسة كتابة لافتة كبيرة، بالبنط العريض، وبلون واضح، حتى ينتبه لوجودها حتى المارة فينقلون الخبر لمن يهمه الأمر ؟ لا يسعك، والحالة هذه إلا أن تتساءل:” هل حقا الإدارة تهتم بصحة من أصيب لسوء حظه بكورونا ؟» هناك دور معنوي قبل الصحي على الدولة أن تقوم به إزاء المصاب . فعندما يكتشف المرأ أنه حالته إيجابية، يصاب في نفسيته بقدر ما يصاب في جسمه. يصير ضعيفا ضعف الطفل، فيصبح في حاجة إلى دعم نفسي في البداية. يجب أن يجد المريض أمامه، قبل أن يلتفت يمنة أو شمالا للحصول على أجوبة لأسئلته، ممثلا للسلطة الصحية: طبيبا أو ممرضا أو جمعية للأخذ بيده، واطمأنته والتهدئة من روعه.
هناك أشخاص لا نعيرهم بالغ اهتمام، مع الأسف، خلال يومنا. وهناك من بيننا من لا ينتبه لوجودهم حتى، وكأنهم أطياف لا تبصر ولا حق لهم في الوجود بيننا . لكن هم من نجد بجانبنا، لما ينفض الجميع من حولنا، ونكون في حاجة لأبسط مساعدة، إنهم الحراس، حراس الليل ، حراس السيارات والدراجات وحراس أبواب المؤسسات . إنهم من يمد لنا يد المساعدة مجانا، لما نتيه عن الطريق، سواء في الليل أو في النهار. الدولة غائبة. لا تكلف نفسها عناء التواصل اليومي، التواصل العملي الذي ينفع الناس. هذا سلوكها خلال الأزمات معروف. يختبئ رجالها وراء مكاتبهم ويكتفون بإسداء النصائح من قبيل :
«عليكم احترام المسافة الصحية «، « عليكم احترام الحجر الصحي». أو يظهرون، من حين لآخر، وراء المكروفونات، ليحصوا لنا الإجراءات المتخذة، دون التأكد من أن تنفيذها قد تم على أرض الواقع. شتان بين ما يذاع بوسائل الإعلام وما هو موجود بين الناس.
كان حارس السيارات هو من أكد لنا أن المستشفى المقصود أضيفت إلى مهامه فعلا العناية بمرضى كورونا. توجهنا بمساعدة حارس الباب إلى المصلحة المكلفة. أخذنا مكانينا بين المرشحين للعلاج، وكان الحاضرون قد احترموا المسافة الصحية. إلا أني انتبهت أن المسؤول غائب. لكننا ظللنا ننتظر، سيما أن المرضى قلائل، ونحن كلنا أمل في أن يأتي من يوجهنا إلى حيث العلاج من الوباء الخبيث قبل أن ينتشر عبر جسمينا، أنا وزوجتي. كان خوفنا من الوباء مضاعفا لأننا مصابان بأمراض مزمنة من سكري وارتفاع الضغط.
بعدما بدأ الملل يتسرب لمعنوياتنا والتعب لأوصالنا، حضر رجل يبدو من هيأته أنه عضو لطاقم طبي بالمستشفى. إلا أنه دخل في ملاسنة مع امرأة يظهر من حديثها أنها ضحية عدم التواصل وإخبار المواطنين بأدق التفاصيل المتبعة عند إصابتهم بالوباء. كانت تائهة مثلنا، لا تدري إلى أي ناحية تتجه كما يقول الفرنسيون. أخذت تعيب على المسؤول تماطله في قبولها بالمصلحة المختصة أو توجيهها إلى حيث يجب عليها أن تتجه. أخبرها المسؤول أن التطبيق الذي بين يديه لا يطبق إلا على سكان عين الشق، وأن عليها أن تتجه نحو المستشفى المكلف بمنطقة سكناها، أي المستشفى الموجود بآنفا.
اقتربت من المسؤول بحذر وأخبرته بأدب أني من سكان البرنوصي، وطلبت منه أن ينصحني باسم المركز التابع للبرنوصي. أجاب دون أن يلتفت :
« إلى مستشفى البرنوصي ، «مستشفى المنصور…»
عدنا أدراجنا أنا وزوجتي نجري دون أن نلتفت، وقد بدأت الحمى تشتعل في أوصالنا. واجهنا الشريط نفسه: ولوج المستشفى، مكان المسؤول عن الاستقبالات والإرشادات لا زال فارغا. كالعادة يبدو أن وراء جميع الموظفين مسؤوليات ضخمة مستعجلة .لا أحد لديه خمس دقائق ليجيبك بتدقيق عن سؤال. بقينا تائهين بين المكاتب. فجأة، لاحظت يافطة مكتوبا عليها: «مكتب الطبيب الرئيس». واجهت «الشاوش» بغلظة ونرفزة ظاهرتين، وأدلفت إلى قلعة المسؤول عنوة، والشرر يتطاير من نظراتي. تفاجأ الرئيس بسلوكي وبقي مشدوها، سيما وأن أعضائي دخلت جميعها في نوبة ارتعاش. . فقلت له قبل أن يغلق فمه :
أنا وزوجتي مصابان بكوفيد . ما العمل ؟ أين نتوجه بالضبط؟
انفتحت أساريره لأنه كان ينتظر ربما أن يكون الأمر أصعب مما أعلنت عنه.. فأجابني :
« انت كتسكن فالبرنوصي ؟»
«أي نعم سيدي «
سير لصبيتار القرب، راه كاين فالتشاروك. وليني ازرب شويا باش إيلا عندك شي ازهر تدخل اليوم الجمعة”.
لم أنتظر بقية كلامه، حيث تلقفته وأنا مدبر، دون غلق الباب حتى. لكي نصل في الوقت المناسب دون ضياع للوقت، لجأت لخدمة طاكسي، الذي مع الأسف، كان يجهل المكان مثلي. وكان يتوقف من حين لآخر لطلب المساعدة من المارة. إلى أن توقف أمام مصحة خصوصية، ليخبرني أنه المستشفى الوحيد الموجود بالتشارك. فثارت حينها ثائرتي وفقدت أعصابي وكدت أبصق عليه من وراء زجاجة النافذة، قبل أن يتدخل أحد المارة لتهدئة الوضع ويخبر كلينا، لما علم سبب الخلاف، أن المستشفى المطلوب يوجد على بعد أمتار من مكان وقوفنا. ركنت السيارة في أول مكان فارغ وهرعنا أنا وزوجتي رغم انهيار قوانا بسب الحمى، التي لم تتوقف النهار كله عن نهش عظامنا، والعرق الذي كان يتصبب منا، دون سبب. وألم الرأس الذي لم يهدأ رغم الأقراص المبلوعة كل أربع ساعات. كنا نحث الخطى ونحن كلنا أمل في أن نفلح في تسجيل اسمينا والحصول على سريرين في اليوم نفسه.
لكن واأسفاه . وصلنا متأخرين . لكي يفحصك الطبيب، وتكون من بين المقبولين للاستشفاء، عليك أن تكون قد سجلت اسمك يوما من قبل. ولكي يسجل المريض اسمه بين لائحة المرضى الراغبين في مقابلة الطبيب، عليه أن يحضر في الغد باكرا. أي على الساعة الخامسة صباحا. وقفنا ننظر لبعضنا البعض، وكلنا خيبة أمل. بالكاد تحملنا سيقاننا وأحد الموظفين البسطاء يوضح لنا المراحل المتبعة لولوج المستشفى.
عدنا أدراجنا، ونحن على الأقل مطمئنون، أننا أخيرا، استطعنا الوصول الى نقطة ما قبل النهاية، للانطلاق نحو النجاة. لكن الشك لم يفارقنا . الشك في النجاح في الاستشفاء، والخروج من عنق الزجاجة، سيما أن أعمارنا تقارب السبعين وأن داء السكري ينخر عظامنا.
*كاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى