fbpx
ملف الصباح

التلقيح … تاريخ من الشك والارتياب

أدخل الفرنسيون التلقيح لحماية جنودهم وأجبروا الأهالي على الخضوع له

اتخذ الطب، منذ القرن التاسع عشر، وسيلة من الوسائل التي سخرتها القوى الأوربية لاختراق المغرب، وحاولت من خلالها تركيز حضورها استعماريا خاصة مع مطلع القرن العشرين وتوظيف هذا النشاط ضمن خطة التغلغل السلمي وتحقيق التهدئة.

ويعد التلقيح واحدا من أوجه حضور الطب الكولونيالي بالمغرب، خاصة بالبيضاء التي شكلت منطلق العمليات العسكرية الكبرى من أجل إحكام السيطرة على البلاد، وهو ما تطلب توفير عتاد عسكري وبشري، مع ما يلزم ذلك من تأمين طبي وحماية صحية للأطر والجنود المنفذين لخطط الاستيطان بالقوة.

وفي هذا السياق يقول الباحث زهير لزرك إن إجراءات التلقيح تمت بالبيضاء على مراحل، ولمواجهة ما كان يسمى بالثلاثي المرعب، والمتمثل في أوبئة “الجدري والطاعون والتيفوس” التي كانت هاجسا مؤرقا لسلطات الحماية، خاصة أن قواتها كانت تتوغل في مناطق مجهولة بالنسبة إليها، في الوقت الذي كانت فيه الأوبئة والأمراض تفتك بفئات عريضة من المغاربة.
وأكد لزرك، في حديث مع “الصباح”، أن أول لقاح اعتمدته سلطات الحماية كان لمواجهة داء الجدري، وهو لقاح كان يسمى “جينير” كانت تستعمله لفائدة الجيوش المرافقة للحملات العسكرية، وهم الفئات التي كانت مستهدفة باللقاح بالدرجة الأولى، قبل أن يتم الانتقال إلى مرحلة إقناع الأهالي بمناطق الشاوية من أجل الخضوع للتلقيح.

وأضاف الأستاذ الباحث في التاريخ المعاصر بمركز دكتوراه الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالبيضاء، أنه منذ 1913 بدأت السلطات الفرنسية بإطلاق حملة لتلقيح المغاربة ضد وباء الطاعون الذي بدأ يستشري بعد اكتشاف فئران نافقة على الطرقات ومخازن الحبوب، وهو ما ساعد على انتشار الوباء بشكل سريع، فبدأت ترسل بعثات طبية إلى مناطق مختلفة.
وتابع الباحث الشاب أن سلطات الحماية حاولت إقناع الناس بتحمل التلقيح، ووظفت في سبيل ذلك الشيوخ والمقدمين من أجل الضغط على الأهالي، الذين كانوا ينظرون بعين الشك والريبة إلى التلقيح وجدواه.

وستشكل مرحلة بداية الثلاثينات، حسب لزرك، بداية تكثيف سلطات الحماية لعمليات التلقيح، وأشار في هذا الصدد لكتاب للباحث بوجمعة رويان حول “الطب الكولونيالي”، إذ بالتزامن مع بدايات الحرب العالمية الثانية نهاية العقد نفسه، شرع الفرنسيون في حملات مكثفة بالشاوية، اتخذت طابعا مفاجئا وعنيفا، بالاستعانة بأعوان السلطة والمخازنية، إذ كانت تغلق بعض الأزقة على نحو مباغت ويرغمون المارين منها أو سكانها على الخضوع للتلقيح بشكل إجباري لا يخلو من فظاظة.
وخلال المرحلة نفسها انتشر وباء التيفوس، وحسب الدكتور كود في مجلة “ماروك ميديكال” فإن هناك لقاحين اكتشفا لمواجهة هذا الوباء، الأول من اكتشاف الدكتور بلان الذي كان يشغل منصب مدير معهد باستور بالبيضاء، لكن هذا اللقاح كان يتضمن سلبيات تتمثل في صعوبة تخزينه، لأنه كان يستمد من أجسام حية، كما يجب أن يستهلك أسبوعا واحدا فقط بعد تحضيره.
أما اللقاح الثاني فكان من اكتشاف الدكتور زيغل، مدير المعهد البيولوجي ببولونيا، فحال ارتفاع ثمنه دون انتشاره بالشكل المطلوب رغم أنه كان قابلا للتخزين أطول مدة ممكنة.

مخاوف
يشير الأستاذ الباحث زهير لزرك إلى الانتقادات الواسعة التي كانت تشمل عمليات التلقيح الإجباري، وكانت تجد صداها في بعض الجرائد الصادرة آنذاك، مثل جريدة “الأطلس” إذ ورد في مقال مؤرخ في يونيو 1937 يتحدث عن سكان البيضاء مايلي “يسودها قلق عظيم جراء التدابير التي تتخذها الحكومة لمقاومة التيفوس، ولا يدري أحد هل الحقنة التي يحقن بها السكان لها فائدة أم لا، إنما الذي يعلمه الناس علم اليقين هو أن بعض الأفراد ماتوا بعد ما حقن لهم العلاج (…) ومن الغريب أن الممرضين يباشرون الشخص بعد الآخر دون أن يطهروا الشوكة بالنار”.
ويبدو أن المخاوف التي كانت سائدة قبل أزيد من ثمانين سنة هي نفسها التي مازالت تنتاب عموم المغاربة، الذين ظل الكثيرون منهم على شكهم وارتيابهم تجاه عمليات التلقيح.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى