fbpx
ملف الصباح

زناز: الحريـة لا تحـل فـي إطـار الديـن

الباحث الجزائري زناز قال إن الجمهورية الفرنسية والإسلاموية خطان لا يلتقيان

قال الباحث الجزائري حميد زناز إن هناك سوء فهم بخصوص تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون التي تفيد أن فرنسا لا مشكل لها مع الإسلام أو المسلمين وإنما مع التطرف، وأضاف صاحب كتاب “أسفار العقل” إن الجمهورية الفرنسية والإسلاموية خطان متوزايان لا يلتقيان، وأن هناك نوعا من تضبيب للرؤية وإثارة فوضى مفهومية بخصوص هذا الموضوع. كما تحدث عن أشياء أخرى تجدونها في الحوار التالي.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

< بين خطاب ماكرون الأول الذي أعقب حادث مقتل أستاذ التاريخ وخرجته الأخيرة على قناة الجزيرة .. كيف يمكن قراءة تصريحاته وهل يتعلق الأمر بتحول في وجهة النظر أم توضيح لموقف ثابت؟
< لا يمكن أن يغير رئيس جمهورية منتخب في ديمقراطية كفرنسا وجهة نظره في مسألة تهم أمن بلاده بين عشية وضحاها. من المؤسف ان نقرأ و نسمع في بعض الإعلام العربي أن ماكرون قد تراجع و اعتذر عبر مقابلته مع قناة الجزيرة. كما ذكرت في سؤالك هو توضيح لموقف ثابت. طبعا تختلف النبرة حسب الزمان و المكان والمتلقي أو المخَاطب. لقد حاول أن يشرح للمشاهد العربي الذي تم تغليطه من طرف الإسلاميين قصدا و على رأسهم الرئيس الإسلاموي التركي رجب اردوغان أن فرنسا لا مشكلة لها مع الإسلام أو المسلمين، وإنما تحارب التطرف و المتطرفين العنيفين. ومن المؤسف أيضا أن ينخدع كثير من أبناء المغرب والجزائر وتونس الذين يعرفون وضع المسلمين جيدا في فرنسا ويجارون ما يروجه هؤلاء الإسلاميون من أنهم مضطهدون في فرنسا..

< هل يتعلق الأمر إذن بسوء فهم معمم .. وما هي خلفيات ذلك؟
< في الحقيقة هو سوء فهم مفتعل، يهدف إلى تحقيق أهداف أخرى لا علاقة لها بمحتوى ما جاء في خطاب إيمانويل ماكرون. من لا علاقة لهم بما يحدث في فرنسا هم الذين تشنجوا أكثر مثل الرئيس التركي اردوغان وهذا لأهداف سياسية داخلية وإخفاء للفشل الذي يتخبط فيه في ليبيا وصراعه مع اليونان في المتوسط وتصفية حسابات مع فرنسا التي تقف دوما ضد مشاريعه التوسعية. وكذلك المتشبث برئاسة وزراء ماليزيا مهاتير محمد وهو في سن الخامسة والتسعين حتى مارس الماضي والذي أصبح يدعو إلى العنف ضد الفرنسيين بطريقة مقززة على حسابه في تويتر والذي لو لم نكن نعرف تاريخه في جماعة الإخوان لكنا قلنا بأنه مجرد عجوز يهرف إذ كيف يمكن إن يشجع إنسان عاقل الإرهابيين على قتل ملايين الفرنسيين؟ لقد عرف "الإخوان" أن أمور الأسلمة ستتعقد في فرنسا أكثر فأكثر و لذلك هم يحركون كل الدمى.
ولا يعمل هؤلاء الذين يهيجون "إنسان الجموع" أي شي من أجل تغيير الأمور في بلدان الإسلام ولو كانوا يسعون للخير فعلا لكان اهتمامهم منصبا على تحقيق تلك الحرية التي ينعم بها المسلمون في فرنسا في تلك البلدان. أليس من واجب شيخ الأزهر أن يكون قلقا على حرية المسيحيين والشيعة واللادينيين واللاأدريين في مصر؟ ألا يعرف بأن الكثير منهم مقصيون، ومهمشون، ومحتقرون بدل تنصيب نفسه محاميا على مسلمي فرنسا؟ ألا يباع علنا كتاب "النفائس في أدلة هدم الكنائس" علنا في مصر؟ أليس مبرمجا ضمن الكتب الواجب تدريسها في معاهد الأزهر؟

< هل يمكن أن نتحدث عن خصوصية فرنسية في التعاطي مع الإسلام السياسي نجم عنها اصطدام.. ولماذا لم نلمس ذلك في دول علمانية مجاورة؟
< أكيد فرنسا ليست كغيرها من الدول المجاورة فهي لا تعترف بالانعزالية الثقافية أو الدينية أو ما يسمى في لغة الإعلام القديمة بـ"التعددية الثقافية"، كما هو الحال في بريطانيا وهولندا وبلجيكا وغيرها، حيث توجد شبه مجتمعات موازية تطبق في بعضها الشريعة في شبه سرية. و حتى في كيبك تذهب الأمور نحو هذا الاتجاه. بمعنى غض الطرف عن خلق مجتمعات مصغرة داخل المجتمع . وهذا ما يريد الإسلام السياسي فرضه في فرنسا مستثمرا الأحياء المأهولة من أغلبية مسلمة. وبالمناسبة البلدان المجاورة ليست علمانية مثل فرنسا، هي بلدان نصف علمانية تدفع أجور رجال وأساتذة الدين وغيرهم، في حين أن هذا غير مقبول في فرنسا، فهي جمهورية لائكية موحدة غير قابلة للتقسيم ولا تتحمل الانعزال الإثني أو الديني . ولكن هذا لا يعني عدم قبول الاختلاف والتنوع بالعكس التنوع من خصائص البلد والحريات حقيقة على أرض الواقع. في الحقيقة تنطبق هنا عبارة "ضعف الحائط يغري اللصوص" إذ أن تساهل السلطات الفرنسية منذ 30 سنة مع الإسلاميين جعلهم يعتقدون بأنهم انتصروا، وأن كل شيء ممكن في فرنسا. الجمهورية الفرنسية والإسلاموية خطان متوازيان لا يلتقيان أبدا.
< ألا تلاحظ أن الطبقة السياسية والمثقفين الفرنسيين في الغالب تركوا ماكرون يواجه مصيره في أزمته مع الإسلاميين وكأن في الأمر صمتا مريبا أو تخاذلا؟
< فرنسا بلد التعدد و الصراع السياسي والنقاش ولا يمكن تصور الوصول الى وجهة نظر موحدة مهما كانت خطورة المسألة. و لكن بعد فظاعات الإرهاب الأخيرة يبدو لي أن معظم الطبقة السياسية والثقافية باتت متفقة على وجوب الوقوف بصرامة أمام صعود الإسلام السياسي في البلد باستثناء اليسار المتطرف. يعاني هذا اليسار الفرنسي والأوروبي عموما مشكلة عويصة هي عدم فهمه لجوهر الظاهرة الدينية، لسبب بسيط هو أن أوروبا قد أبعدت الدين من تسيير شؤون المدينة منذ ثلاثة قرون. ومن هنا فاليسار وحتى بعض اليمين لم يفهم بعد بأن حرية الضمير والحق في التفكير والتسامح واستقلالية الفرد والمساواة بين الجنسين وغيرها من المسائل لا يمكن أن تحل في إطار الدين. ولكن الأغبى من كل ذلك هو اعتقاد البعض منهم أن الإسلاموية حركة ثورية، يمكن أن تكون حليفا لهم في صراعهم مع الرأسمالية.

خنق العلمانية

ـ الملاحظ أن العلمانية التي اتخذتها إطارا للتعايش وضمان الحريات.. لم تعد مهددة فقط بتزايد مد الإسلام السياسي في فرنسا.. بل أيضا هناك أيضا تيار يميني بخلفية دينية صار يدعو إلى تشذيبها وإعادة النظر فيها .. ما تعليقكم؟
ـ هذا الأمر كان في زمن الرئيس ساركوزي حينما كان وزيرا للداخلية ثم رئيسا للجمهورية حيث بدأ يدور حديث عن علمانية من نوع جديد اختلق لها دعاتها عنوانا براقا: علمانية منفتحة. ولكن بأي معنى؟ كانوا يهدفون بحيلة الانفتاح إلى تدمير العلمانية الفرنسية بشكل غير مباشر بوصمها بالانغلاق. واستبدالها بعلمانية بديلة منفتحة في زعمهم، تتساهل مع الذين يريدون خنقها وفرض منظومة أخلاقية تتماشى مع قيم كنيسة كاثوليكية آفلة وإسلام أصولي صاعد. لقد طرح الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي قضية دور الدين في المجتمع وعبّر صراحة عن نيته في إعادة النظر في مفهوم اللائكية ووجوب إعادة تقييمها، لكن كان يهدف إلى حصد بعض أصوات كاثوليكية ما زالت تحن إلى العهد القديم وأخرى إسلامية تحلم بمستقبل لاعلماني (تطبيق الشريعة في أحيائها). كان الرئيس ساركوزي مسكونا بكيفية إعادة الاعتبار للدين المسيحي في بلده و في أوروبا عموما، وهو هاجس نابع من مقاربة سطحية بل ساذجة للظاهرة الدينية، إذ يعتقد ككل إخوانه المؤمنين أن في قلب كل إنسان نوع من التوق الغريزي للمطلق بل حاجة طبيعية للدين،بكلمة أسرع. ولكن ما هو سبب هذا التعلق العلني بالمسيحية؟هل هو حب متيم بالمسيح أم هو رد فعل تجاه المد الإسلامي في أوروبا؟ تحت يافطة منح المسلمين مؤسسة رسمية تعبر عن هويتهم، استغل ساركوزي حينما كان وزيرا للداخلية بعض الذين ينصبون أنفسهم ممثلين للجاليات الإسلامية في فرنسا لتأسيس هيكل جديد أطلق عليه تسمية المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، بغية اعتقال العرب وكل الذين تربطهم علاقة ما بالدين الإسلامي في هذا السجن اللاهوتي. وقد تزامن ذلك مع بداية خروج أعداء اللائكية في فرنسا إلى العلن عن طريق تشجيعهم لمطالب الجماعات الإسلاموية لتضبيب الرؤية وزرع فوضى مفهومية تمكنهم من إعادة النظر في اللائكية على الطريقة الفرنسية. و كل ذلك ليس دفاعا عن حقوق المسلمين كما يدعون، وإنما استعمال المسلمين كمنفذ يعيدون عبره المسيحية إلى الفضاء السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى