fbpx
ملف الصباح

الاحسان الانتخابي … بـوز: انتخابات الخدمة تعمق الإفساد

أستاذ علم السياسة أكد أن السلطات تتغاضى عن الإحسان الانتخابي عندما يكون ذا فائدة أمنية

أكد أحمد بوز، الباحث في علم السياسة بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن الانتقال من “انتخابات الفكرة” إلى “انتخابات الخدمة”، قوى بشكل كبير خيار الإحسان الانتخابي، إلى درجة أصبح معها ينظر إليه، كما لو أنه سلوك عاد، رغم انعكاساته السلبية على مستوى تخليق الحياة السياسية. في ما يلي نص الحوار:

< هل يمكن الرهان على تخليق العمل السياسي في ظل التطبيع مع ما يسمى الإحسان الانتخابي؟
< النقاش حول ما أسميته الإحسان الانتخابي ليس جديدا، فقد ظل ملازما لكل استحقاق انتخابي، فالأمر يتعلق بممارسة ظلت هي الأخرى حاضرة، وإن كانت طرق تصريفها ربما اختلفت من انتخابات إلى أخرى.
عندما نتأمل محددات السلوك الانتخابي لدى المغاربة، نجد أنها غالبا ما كانت محكومة بأربعة معطيات أساسية. أولا بالاختيار السياسي، فهناك دائما فئة من الناخبين، خاصة الفئة المتعلمة، التي تصوت بناء على اختيارات وقناعات سياسية. ثانيا، التصويت بناء على تمثلات قبلية وعائلية غارقة في الثقافة المحلية (ولد الحومة، ولد البلاد، ولد الجيران…).
وثالثا، ما يعرف بالتصويت الزبوني أو الخدماتي، الذي كان يدخل فيه ما وصفه أحد الباحثين بـ "الإطعام الجماعي"، وغيره من مظاهر هذا الذي أسميته بـ "الإحسان الانتخابي".
وإذا كانت المحددات الأخرى قد تراجعت إلى حد ما، فإن الإحسان الانتخابي ظل مستمرا، لأن العوامل التي تؤدي إليه ما تزال قائمة.
إن الانتقال من "انتخابات الفكرة" إلى "انتخابات الخدمة"، قوى بشكل كبير هذا الخيار، إلى درجة أصبح ينظر إليه، كما لو أنه سلوك عاد وطبيعي. وبطبيعة الحال، هذا له انعكاسات سلبية، على تخليق العملية الانتخابية، والحياة السياسية ككل، عندما يجعلها رهينة لعلاقات زبونية، وممارسات مشبوهة، تحد من تنافسيتها، كما تحد من وقع البرنامج في تحديد نتائجها ومخرجاتها، وتؤمن استمرار الخريطة السياسية مضببة.

< حاولت الداخلية منع توظيف العمل التضامني في خدمة مشاريع حزبية. ألا تظن أن الطابع المناسباتي وغير الشامل لتلك الحملات، كان سببا في استمرار ممارسات الإحسان؟
< لست متأكدا من جدية هذه الحملة، كما أنني لست متأكدا من وجود إرادة حقيقية للتخليق السياسي. كل ما في الأمر هو أننا عشنا ونعيش خطابا حول التخليق السياسي، هو نفسه لا يخلو من توظيف واستثمار سياسي. من جهة أولى، لأن هذه الحملة موسمية كما وصفتها، وبالتالي لا تخرج عن المنطق الذي يحكم عادة حملات من هذا النوع.
من جهة ثانية، لأنها انتقائية، إذ تبدو أنها موجهة لمحاصرة اتجاهات محددة، بينما توظيف العمل التضامني لخدمة أجندات سياسية لا ينحصر في هذه الاتجاهات، بل كاد يكون ممارسة سائدة في عمل المنتخبين من اتجاهات مختلفة.
من جهة ثالثة، لا يمكن منع الإحسان السياسي في سلوكات وممارسات منتخبين أو فاعلين سياسيين، وبعض ممارسات وسلوكات الدولة نفسها لا تخرج عن نطاق هذه الممارسة، كان ذلك في الماضي، وما زال مستمرا بكيفية أو بأخرى في الحاضر. إن هذه الممارسة من جانب الدولة تفهم في إطار محاولة محاصرة الجماعات التي تكلمت عنها في دائرة مجال اشتغالها، الذي تمارس فيه نفوذا كبيرا، لكنها من جهة أخرى تعطي شرعية ليس للعمل التضامني، في حد ذاته، وإنما للتوظيف السياسي والحزبي الذي يخضع له.
نعم كان سيعتبر أمرا مهما لو كانت تحركات وزارة الداخلية أو سلطات عمومية أخرى في مواجهة هذه الممارسة، نوعا من التكفير عن ذنوب الممارسات التي حصلت في الماضي، وسمحت للإحسان السياسي، بأن يبدو كما لو أنه سلوك عاد بل ومطلوب، لكن لا أظن أن هذا التحرك يذهب بعيدا في هذا الاتجاه.

< تسببت جائحة كوفيد 19 في اتساع مظاهر الفقر، استغلها أباطرة تجار السياسة في حملات قبل الأوان. لماذا في رأيكم تغض السلطات اليوم الطرف عن هذه الممارسات؟
< لسبب بسيط، وهو أن حجم الأزمة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية جعلت السلطات العمومية غير قادرة على توفير ما يلزم من الإمكانيات والوسائل التي تسمح بمواجهة المشاكل الناتجة عنها، رغم المجهودات المبذولة هنا وهناك، والتي لا يمكن إنكارها.
ففي بعض الأحيان، تعتبر تلك السلطات أن "خوصصة التضامن"، بل وحتى استثماره سياسيا، يخدمها عندما يقدم للناس خدمات تعجز هي عن توفيرها، ويحل جانبا من مشاكلهم اليومية غير قادرة على مواجهتها.
وبالتالي، ترى السلطات العمومية أن هذا الإحسان السياسي، إذا كانت له سلبيات سياسية من ناحية استغلاله، من قبل منتخبين وفاعلين سياسيين، من أجل استجداء أصوات، وتأمين استمرارهم في مواقعهم، فإنه بالمقابل، يقدم خدمة "إيجابية" من ناحية مساهمته في تأمين نوع من الاستقرار الاجتماعي الآني على الأقل، وإسهامه في امتصاص غضب أو احتجاج محتمل.
إن الاستغلال السياسي للإحسان، عندما يكون ذا فائدة أمنية، فإن السلطات العمومية تتغاضى عنه وربما قد تشجعه، وبالتالي تتغلب المقاربة الأمنية على مقاربة التخليق في التعاطي مع موضوع الإحسان السياسي، ويصبح هذا الأخير كما لو أنه تعبير عن حاجة.

< تسبب الحجر الصحي في ضرب مصدر عيش آلاف الأسر، لتعود معه حملات تحت يافطة التضامن. كيف يمكن تنظيم التضامن المجتمعي، دون استغلاله سياسيا؟
< أظن أن الحديث عن تنظيم التضامن لتلافي استغلاله سياسيا، يبدو مسألة غاية في الصعوبة والتعقيد، ويصعب الحديث عن وصفة ما في هذا الإطار، قادرة على إيجاد حلول لها، سيما عندما يتداخل في هذه الممارسة سلوك الفاعل السياسي، والحزبي مع سلوك الفرد في المجتمع.
كما تتداخل فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية مع ترسبات ثقافية. نعم من السهل جدا أن نقول هنا إننا نحتاج إلى تنظيم هذا التضامن الاجتماعي، أو سن قوانين للتخليق السياسي، كما هو موجود في بعض الدول، مثل فرنسا مثلا، وهي موجودة في المغرب، وإن بكيفية متفرقة في عدد من النصوص القانونية، وضمنها القانون المنظم للإحسان العمومي. كما من السهل الحديث عن تطبيق بعض المقتضيات الزجرية المتضمنة في بعض النصوص، لكن لا أعتقد أن الحل يكمن هنا فقط.
ففي ظل هذا التطبيع، الذي بتنا نعيشه مع الغش والفساد عموما في كثير من مظاهر حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، يبدو أن العمل التثقيفي والتحسيس مسألة غاية في الأهمية.

< تتخوف الدولة من العزوف. ولذلك تغض الطرف أملا في ضمان المشاركة ولو بأي وسيلة. ما هي مسؤولية الدولة والأحزاب في مواجهة الانحرافات؟
< نعم، قد يكون هذا أحد التفسيرات التي تقدم لسلوك الدولة في التعاطي مع الإحسان الانتخابي، والإحسان السياسي ككل، ليس خلال هذه الانتخابات، وإنما حتى في السابق، إذ في غياب المحفزات السياسية للمشاركة، تبقى هناك حاجة للمحفزات المادية أو الخدماتية ولإطلاق العنان، أو لنقل للتغاضي عن سلوكات المنتخبين في حشد الناس، من أجل المشاركة.
أظن هذا التسامح سيتزايد خلال الانتخابات في ارتباط بمعطى اعتبره جديدا، وهو أن العدالة والتنمية، الذي لا يخفي جزء غير يسير من الحقل السياسي، رغبته في إنهاء تجربته في قيادة الحكومة، ربما سيستفيد خلال الانتخابات المقبلة أكثر من ضعف المشاركة الانتخابية، بعدما كان من قبل يستفيد من ارتفاعها، كما ظهر من خلال نتائجه خلال انتخابات 2011 و2016.
لقد حصل "بيجيدي" خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة على أزيد من مليون و600 ألف صوت، جزء مهم منهم يعود إلى فئة من الناخبين صوتوا له، لأنهم تمثلوه باعتباره حزبا للتغيير، وبديلا لخيباتهم من التشكيلات السياسية والحكومية السابقة، ثم عنصر استقرار في ظل منطقة الزوابع التي مر منها المغرب، في ظل ما عرف بالربيع العربي.

في الحاجة إلى الأعيان

إن الحاجة إلى الأعيان لمقاومة هذه الإمكانية، ستفرض نفسها من جديد، بحكم ما يتوفرون عليه من دربة في توظيف الإحسان الانتخابي، وتحويل العطايا إلى أصوات انتخابية، وإن كان هذا الرهان على الأعيان والتغاضي عن سلوكهم في توظيف الإحسان الانتخابي، يصطدم بأن العدالة والتنمية ومنتخبين يستخدمونه أيضا، سيما في ظل الإمكانيات، التي توفرها لهم هيمنتهم على تسيير عدد من المجالس المنتخبة، وكذا تحكمهم في شبكة واسعة من النسيج الجمعوي والدعوي، بل إنه قد يراهن أكثر على هذا الجانب المرتبط بناخبي الخدمة، في ظل شعوره بأنه سيفقد جزءا مهما من ناخبي السياسة.

أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى