fbpx
وطنية

وداعا “دا احماد”

عاش واضحا ووفيا لمواقفه ومحترما لخصومه السياسيين وأعطى من دمه للأمازيغية

رحــل الأستــاذ أحمــد الدغرني دون رجعــة. وترك حزنا عميقــا في نفوس الخصوم قبــل الأقــارب، من يعرف “دا احماد”، يعـــرف أنــــه رجـل مواقـــف وصاحب فكرة، عــاش بها إلى آخر لحظــة فــي حياتــه، ولم يغيــر يوما من معتقـــداته، وتصوره للمجتمــع المغــربي، الــذي أراد له ألا يكـــون مهــزوز الهــويـــة، وهجينــا في تكــوينه، بـــل قـــــاوم وأعطـــى من دمـــــه للقضية واللغة الأمــازيغيتين، إيمــانا منه بــأن روح المغرب أمازيغية، وأن هذه الرقعة الجغرافية لم ولن تكون يوما امتدادا للشرق.
وإذا كان الأستاذ والمحامي أحمد الدغرني، معروفا عند خصومه، سواء الإسلاميين أو اليساريين أو دوائر المخزن، بدفاعه المستميت عن القضية الأمازيغية، فإن نضال هذا الرجل الذي يعتبره الأمازيغ أبا روحيا، كان يدافع عن الحقيقة في النهاية، حقيقة المغرب وتاريخه، الذي طمس بفعل فاعل، وكرس طيلة الفترة المعاصرة من عمر المملكة، لمجتمع يمشي برجل واحدة، رجل عرجاء عجزت عن نقلنا إلى فضاء يستوعب الجميع، ومجتمع يتسع للعيش المشترك، وعملته التنوع والاختلاف والاحترام المتبادل.
الأستاذ الدغرني، كان دائما سابقا لزمانه، وأفكاره دائما ما كانت تعرف بجدتهــا وجــاذبيتها، ففـي وقت كان فيه نضال الحركـة الأمازيغية، يحصر القضية في المجال الثقافي واللغوي، آمن الدغرني، أن الأمازيغيــة قضية سياسية، وقضية شعب وتاريخ وهامش، وتتجاوز في كل الأحوال القشور الثقافية والفلكلورية واللغوية، التي لن تنعكس على أمازيغ الجبال، بل ستظل ثمارها تقطف فقط في صالونات الرباط، وفيلات السويسي، وشارع علال الفاسي.
رغم أن الأستاذ الراحل، توفــي عن عمر يناهز 73 سنة، إلا أن روحه كانت شابة بامتياز، إذ أن جميع أصدقائه كانوا من فئــة الشباب، وظــل باب بيته في حي حسان بالرباط مفتوحا لهم، ودائما ما تجــد منير كجي وعبد الله بوشطارت وعبــد الواحد درويش وغيرهم من شباب الثمــانينات والسبعينــات، يمسكون بمرفق الأستاذ، يتجــولون معه في أروقــة المعارض والندوات وصالونات الفكر، أو يرتشفون معه قهوة في باحة بيته.
ورغــم وفاة الأستاذ الدغرني فإن أفكــاره ومواقفــه لا تموت، وهو الــذي حاول مرارا وتكرارا، أن يؤسس حزبا للأمازيغ، ويمنحهم إطارا لممارسة السياسة، لكن المخزن كان دائما ما يتحرش بهذه التجارب، إلا أن فشل المشروع لا يعني فشل الفكرة أو عدم مشروعيتها، إذ ما زلنا نرى اليوم شبابا يؤسسون إطارات جديدة وحركات، بنفس أمازيغي وتحاول أن تتحول إلى حزب سياسي، وهذا بفضل الراحل الذي آمن بالفكرة.
الأستـــاذ الدغــرني، عــاش وفيا لفكــــرة أن الأمازيـــغ من حقهــم أن يمارسوا السياسـة، وآمن كذلك أن الإسلاميين و”العــروبيين” لا يمكــن أن يكــونــوا حليفــا للقضاء على الاستبـداد، وحتــى اليســاريين فــإن “دا احماد” كــان له موقف منهــم، نظـــرا للعـــداء الذي يضمرونــه للقضيـــة الأمازيغيــة، فهـــو لا يثق إلا فــي الأمــازيــغ، الذيــن ثــاروا ضـد الاستعمــار من عهــد الإمبــراطــوريــات، ويعـول عليهم أن يحرروا أنفسهم مرة أخرى من الإسلامويين والقوميين.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى