fbpx
خاص

الانحرافات الجنسية … ميولات غريبة

تمارس وراء الأبواب المغلقة وتنكشف عند ارتباطها بجرائم وآفات اجتماعية

يتسم عالم الرغبات الجنسية لدى الإنسان بالتعقيد والخفايا، فهو الكائن الوحيد الذي يمتلك تفضيلات جنسية متباينة، قد تتطور مع مرور الزمن لتتخذ أشكالا متعددة، منها ما هو ظاهر ومعروف على أنه انحراف جنسي لدى العامة، ومنها ما ينظر إليه على أنه أمر طبيعي، لكنه يعد انحرافا بالمقاييس السلوكية والمجتمعية. في هذه الصفحة، تسلط “الصباح” الضوء على أكثر الانحرافات الجنسية شيوعا وتجلياتها في مجتمعنا، من خلال تحليلات نفسية وسلوكية يقدمها الدكتور جواد مبروكي، طبيب نفساني وخبير في التحليل النفسي.

إنجاز: يسرى عويفي

في العلاقات الجنسية السادومازوشية، التي تكون غالبا بالتراضي، يبحث السادي، الذي لا يشعر بالمتعة إلا عند تعذيب الآخر وإهانته، عن المازوشي، الذي يجد اللذة في الإذلال والعنف الجسدي والمعنوي، أو العكس. كما قد تنقلب الأدوار في بعض الأحيان، لأن السادي مازوشي كذلك.
والحقيقة أن العلاقات الجنسية التي تعد “طبيعية” أو “عادية”، قد تتميز بنوع من العنف الميكانيكي أو المعنوي، دون أن يصل إلى عذاب جسدي، الذي يترجم إلى لذة (يرتبط في العادة باستيهامات مقبولة)، ناهيك أن عدم استعداد أحد الطرفين لممارسة الجنس في الوقت الذي يرغب الآخر (الضحية) في ذلك، لابد وأن ينتج عنه غضب أو نزاعات تنتهي بخضوع أحدهما للآخر، وهي تجليات أخرى للسادومازوشية من الصعب تشخيصها هوسا، مادامت تتم بالتراضي. أما ممارسة أحد أشكالها على الآخر بالقوة، كالاغتصاب وإجبار الآخر على تقبل الممارسة الجنسية رغما عنه مثلا، فيحيلنا بالضرورة على اضطراب خطير في الشخصية، يستلزم العلاج والمساءلة القانونية.
والحقيقة أن السادومازوشيين الذين يلجؤون للعلاج في الغالب، بناء على تجربة الطبيب جواد مبروكي، يقومون بذلك بعد قرار قضائي أو إصرار من قبل الشريك شرطا لعدم طلب الطلاق(علاج نفسي تحليلي، مع تناول أدوية لتخفيض الرغبة الجنسية)، وفي الحالتين فإنه لا ينجح لأن الأمر معقد للغاية، خاصة إذا لم تكن هناك رغبة شخصية في العلاج.

مجتمع مبني على علاقة “الظالم والضحية”
أما على مستوى العلاقات الاجتماعية والمهنية، فتتجسد السادومازوشية في تعنيف السادي للآخرين وتعذيبهم بشكل خفي وذكي، يجعلهم لا يحسون بأنه يتعمد القيام بذلك، وهو الأمر الذي يشعره بالمتعة والراحة. وترجع دوافع قيام هذا النوع من الأفراد بمثل هذه السلوكات إلى اضطراب شخصيتهم وضعفهم العاطفي، ثم عجزهم عن ربط علاقة متزنة مع الآخرين خارج نمطهم السادي.
وتتجلى المازوشية، على المستوى ذاته، في بحث المازوشي عن مواقف تشعره بالألم الجسدي أو المعنوي، كي يضع نفسه فيها، شرطا أساسيا لتحقيق متعته وذاته، ما يدفعه للبحث باستمرار عن الطرف السادي في محيطه الاجتماعي والمهني، ويرجع ذلك أساسا إلى فقره العاطفي ورغبته الدائمة في عيش دور الضحية.
والحقيقة أن العلاقات في مجتمعنا كلها مبنية على السادومازوشية، وعلى علاقة “ظالم (سادي) وضحية (مازوشي)”، إذ يشعر الفرد دائما بأنه ضحية للتربية بسبب نقص العاطفة والحنان، ثم العنف الجسدي والمعنوي الذي يتلقاه منذ صغره. كما نجد أن هذا النوع من السلوكات في العلاقة بين المواطن والإدارة، ثم الغني والفقير، والمشغل والعامل، والذكر والأنثى.

الشره الجنسي… خطر غياب التكافؤ
يصنف الشره الجنسي، أو ما يعرف بالنشاط الجنسي القهري، بشكل عام، في خانة الانحرافات الجنسية، عند استحواذ الأفكار والمشاعر والسلوكات الجنسية على تفكير الشخص، بشكل يؤثر على صحته أو وظيفته أو علاقاته أو باقي جوانب حياته. في المقابل، يبقى الجنس طاقة إيجابية يجب تقنينها من قبل الفرد، وفقا لأدواره المتمثلة في الإنجاب والمتعة وتوطيد العلاقة العاطفية بين الشريكين.
وحسب الدكتور مبروكي، فمن الصعب وضع حدود للنشاط الجنسي (من حيث الرغبة والوصول إلى الإشباع) لدى الراشدين الذين يتمتعون بعلاقات اجتماعية ومهنية خالية من كل اضطراب خاص، لأن لكل فرد احتياجات جنسية حسب تكوينه وتركيبته، إذ هناك بعض الأشخاص الذين لديهم رغبة جنسية جامحة، لا تعد اضطرابا في حد ذاتها، لكنها تلزمهم بالعثور على شخص آخر له ذات حدتها من أجل التوافق والتكامل، ما يعد أمرا صعبا بالنظر إلى صعوبة بوح الفرد في مجتمعنا بدرجة احتياجه ونوع رغباته الجنسية قبل الزواج، خاصة بالنسبة إلى المرأة.
من جهة أخرى، فالجنس بين الشريكين يعد أرضية لتصفية الحسابات بامتياز، لذلك فقد يهمل الرجل شريكته عاطفيا وماديا، أو يتجاهل تعبها بسبب الواجبات المنزلية وتربية الأطفال، ثم ينتظر منها تلبية رغباته الجنسية أنى شاء، والأمر ذاته بالنسبة إلى المرأة التي تنتظر من زوجها المرهق، بعد عودته من العمل مساء، إشباع رغبتها الجنسية غير المتبادلة، ما يجعل كل طرف ينظر للآخر على أن لديه شرها جنسيا، وهي الأمور التي تجعل تقييم النشاط الجنسي نسبيا.

“البيدوفيليا” …انتقام جنسي
“البيدوفيليا” أو اضطراب الرغبة الجنسية تجاه الأطفال، هو مرض نفسي- جنسي ينجذب المصاب به جنسيا إلى الأطفال دون سن البلوغ، إذ تعتمد شهوته الجنسية على تخيل ممارسة سلوكيات جنسية معهم، قد تترجم إلى تحرش أو اعتداء جنسي.
ويرجع سبب هذا النوع من الانحرافات الجنسية، أساسا، إلى تعرض “البيدوفيل” للاغتصاب أو التحرش الجنسي في صغره من قبل أحد الأبوين أو الأقرباء أو شخص يضع فيه الأبوان الثقة، كحارس العمارة والمعلم وأصدقاء العائلة وعمال المنزل أو البقال، ما ينتج عنه توقف في التطور النفسي الجنسي لديه، وعجز في الحصول على تصور ذهني- نفسي للحياة الجنسية السوية، إذ يترسخ في دماغه أن الوصول إلى المتعة الجنسية يتم فقط عن طريق مضاجعة القاصر. كما أن سلوكه “البيدوفيلي” في ما بعد، قد يكون انتقاما مما وقع له، وسعيا للتخفيف من الآلام التي يشعر بها جراء اغتصابه.
من جهة أخرى، نجد أن غياب التربية الجنسية يساهم بشكل كبير في استفحال “البيدوفيليا”، إذ يجهل الأطفال المعرضون للاغتصاب خطورة ما يفعله المجرم بهم، ويعتبرونه لعبا أو شكلا من أشكال التعبير عن الحنان، كالقبلة على الخد مثلا. بالمقابل، يجهل المجرم الراشد عواقب فعله الإجرامي (باستثناء العواقب القانونية التي يكون على علم بها)، وما سيسببه للضحية من اضطرابات نفسية وزعزعة في الشخصية حينما يبلغ المراهقة ويدرك ما وقع له.

“البارافيليا”… الخطر المسكوت عنه
تعرف الانحرافات الجنسية أو ما يصطلح عليها باسم “البارافيليا»، بشكل عام، على أنها ميولات محددة وغريبة في التفضيل الجنسي للأفراد، ينجذب خلالها الشخص إلى سلوكات أو أفعال أو أشخاص أو أغراض ليس من المفترض أن يشعر اتجاههم بالإثارة الجنسية، كما تتخذ أشكالا وتجليات عديدة غير متعارف عليها اجتماعيا ولا ثقافيا، لكنها لا تشخص كاضطرابات إلا في حال اقترانها بتأثيرات نفسية أو اجتماعية غير مرغوب فيها.
وتعد الانحرافات الجنسية من أخطر الظواهر الاجتماعية المسكوت عنها، لأنها تمارس في الخفاء خلف الأبواب المغلقة، ولا تنكشف إلا عند اقترانها بمشاكل قانونية ناجمة عن سلوكات المصاب بهذا النوع من الاضطرابات.

“البورنو”… قتل الخيال
لاشك في أن الأفلام الإباحية ساهمت في قتل الخيال الجنسي، ونشر أفكار وسلوكات فيتيشية يسعى الفرد إلى تطبيقها خلال ممارسته الجنسية مع الشريك، ما قد يؤدي إلى اضطراب ومشاكل في العلاقة بينهما، قد تدفع أحدهما للخيانة في حال رفض الطرف الآخر الرضوخ لما يرغب فيه، وتعد في هذه الحالة انحرافا جنسيا.
من جهة أخرى فالفيتيشية، بتعريفها القديم، صارت نادرة وحلت محلها عدة تيارات سلوكية جنسية، من قبيل لعب الأدوار واستعمال الـ”سيكس تويز” ونسج العلاقات الجنسية الثلاثية (امرأة مع رجلين أو رجل مع امرأتين) وتبادل الشركاء (“إيشونجيزم”)، وكلها ممارسات تتم بالتراضي، قد تشكل موضوع فيتيشية لدى الرجل كما المرأة.
أما القيام بإحدى هذه الممارسات دون تراض، أو إجبار الطرف الآخر على القيام بها، فيدل على الإصابة بمرض الهوس الجنسي، الذي يرتبط باضطرابات الشخصية والصدمات النفسية وغياب العاطفة الأبوية في الصغر، إلى جانب العلاقات المضطربة مع الأب أو الأم، والتعرض للاغتصاب في الطفولة وكذا بعض الأمراض النفسية، إذ عادة ما يكون المصاب به مضطرا للعلاج، إما بضغط من المحيط أو جراء فعل إجرامي ارتكبه بسبب مرضه. وينقسم العلاج إلى مرحلتين، تعتمد الأولى على وصف الأدوية لاستقرار مزاجه والتخفيف من درجة قلقه، أما الثانية فتتجلى في العلاج النفسي.

الاغتصاب والكبت أحد أسبابه
يعيش العازبون في مجتمعنا كبتا جنسيا عظيما بسبب صعوبة الـ”كونكوبيناج”، أو ممارسة الجنس بين الشريكين بشكل منتظم ومريح، خارج إطار الزواج، رغم أنه من الممكن أن يكون لأحدهما احتياج جنسي كبير، قد يحاول تفريغه بحذر وإحساس بالذنب، أو يمتنع عن الممارسة بشكل كلي يزيد من شحنته الجنسية المكبوتة، ويثير لديه اضطرابا نفسيا ومعرفيا وسلوكيا.
أما بالنسبة إلى المتزوجين، فإن الرضا الجنسي في العلاقة الزوجية يعد أحد أهم أعمدة نجاحها. ورغم أن فرط الرغبة الجنسية لدى أحد الشريكين يرتبط بطبيعته وخصوصياته واحتياجاته، فمن الممكن أن يكون ناتجا عن نقص عاطفي وقلق وعدم شعور بالثقة والأمان والاطمئنان، يسعى إلى تحقيقها من خلال ممارسة الجنس، كما قد يكون المعني بالأمر قد تعرض للاغتصاب في طفولته، ما جعله يبلور رغبة مفرطة في ممارسة الجنس، وغيرها من الحالات التي يصعب تشخيصها بسبب استحالة البوح ببعض التفاصيل الشخصية لأي كان. كما يقتصر العلاج على التخفيف من حدة الشره الجنسي عن طريق علاج أسبابه النفسية بشكل فردي وثنائي، (بحضور الشريكين معا).

الفيتيشية… البحث عن الإثارة
لطالما اعتبرت الفيتيشية نمطا من أنماط السلوك الجنسي المنحرف، الذي يستبدل فيه الشخص الموضوع الجنسي الطبيعي بآخر غير طبيعي من أجل الحصول على الإثارة الجنسية. لكن، ومع تطور الطب النفسي والعلوم الاجتماعية والدينية، تم حذف العديد من السلوكات الجنسية التي كانت تعتبر انحرافات من خانة الأمراض والانحرافات، من بينها الفيتيشية والمثلية والعادة السرية وغيرها من الممارسات التي أصبحت تعتبر أمرا طبيعيا عند الفرد، خاصة في ظل تحرير الجنس وظهور السينما الإباحية وتطور الثقافة الجنسية وثقافة الحرية في الجسد والمتعة.
وبالرجوع إلى ما قبل الأربعينات، حين كانت تسود الثقافة المسيحية المانعة للحرية الجسدية أو الجنسية، على غرار ما زلنا نراه في الأوساط العربية، كانت النساء يرتدين الفساتين الطويلة المحتشمة، التي لا تظهر من الجسد سوى الأقدام والشعر والعنق، فتشكل لدى الرجال خيال جنسي مرتبطا بهذه الأجزاء الظاهرة وكل ما يتعلق بها، كالأحذية و”البورتجاريتيل”(حزام ربط الجوارب الضيقة) الذي كانت ترتديه الراقصات في الكاباريهات، وهي اللوازم التي كان يقتنيها الشخص لتحفيز خياله والوصول للإثارة.
أما اليوم، فقد حلت الأفلام الإباحية محل هذه العناصر الفيتيشية، ولم تعد هناك حاجة لاقتناء الفيتيشي أغراضا نسائية معينة من أجل تحقيق المتعة الجنسية لكنه، بالمقابل، يربط الشيء بالمرأة التي أثارته جنسيا وغراميا، فيكون في حاجة للاحتفاظ بشيء تملكه كحذائها الخاص أو ملابسها الداخلية، لأنها تثير خياله الجنسي وتشعره وكأنها معه. لهذا لا تعتبر الفيتيشية انحرافا جنسيا، بقدر ما هي إثارة جنسية قوية، يبقى لكل شريكين راشدين الحرية في صنع سيناريوهاتها من أجل تحقيق المتعة الجنسية، شريطة التراضي.

85 % من الضحايا من أقارب مغتصبيهم
تكمن خطورة “البيدوفيليا” في الألم الدائم والمتزايد الذي تسببه الأفعال الناتجة عنها للضحية، خاصة وأن 85 في المائة من الضحايا يستمرون في الاحتكاك مع مغتصبيهم، لأنهم في الغالب من الأقارب، إلى جانب الاضطراب النفسي (انطواء واكتئاب مزمن وفقر في العلاقات الاجتماعية) والجنسي (تهرب وألم وغياب للمتعة في كل ممارسة جنسية مع الشريك، تنتهي غالبا بالطلاق)، والعلاقة المضطربة مع الأطفال، ومحاولة الانتحار والإدمان على المخدرات، فضلا عن انخفاض متوسط العمر المتوقع لدى الضحية بـ 20 سنة.
أما بالنسبة إلى العلاج، فغالبا ما يتم اللجوء إلى الأدوية الهرمونية، مع العلاج النفسي، لإزالة الرغبة الجنسية لدى “البيدوفيلي” (حينما يكون بأمر قضائي)، وحسب التجربة المهنية للدكتور مبروكي (أزيد من 28 سنة بين المغرب وفرنسا)، لم يسبق لـ”بيدوفيل” أن طلب العلاج أو باح بميوله خلال علاجه بسبب أمراض نفسية أخرى، بل يتم إجباره على ذلك بحكم من المحكمة، إثر تورطه في أفعال إجرامية ناتجة عن مرضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى