fbpx
ملف الصباح

الاقتصاد تحت التنفس الاصطناعي

تخبط في القرارات وغياب الرؤية أربكا الفاعلين الاقتصاديين والعودة إلى النمو ستتطلب وقتا أطول

دخل الاقتصاد الوطني غرفة العناية المركزة وأخضع للتنفس الاصطناعي، جراء تدهور وضعيته والتأخر في اتخاذ العلاجات الضرورية. وتبين أن انعكاسات الجائحة ستكون أكثر وقعا مما كان متوقعا، وأن العودة إلى النمو ستتطلب وقتا أطول. وأكد بنك المغرب، عقب اجتماع مجلسه، أن الناتج الداخلي الإجمالي سيتراجع بناقص 6.3 في المائة، عوض 5.2 في المائة التي كانت متوقعة.
ومما يصعب المهمة أكثر، التخبط الذي يطبع قرارات الحكومة، إذ أن أرباب المقاولات والمستثمرين يشتكون من عدم وضوح الرؤية، ما يجعلهم في حالة انتظار إلى حين اتضاح الأمور، ويؤثر ذلك على استئناف نشاطهم وعلى عودة وتيرة الإنتاج إلى سرعتها الاعتيادية.
وتشير كل التوقعات إلى أن التبعات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة «كوفيد» ستمتد على مدى سنوات، بعد التمكن من القضاء عليها واكتشاف اللقاح ضد «كوفيد 19». وتستند هذه التوقعات إلى حجم الأضرار التي تسبب فيها الحجر الصحي، الذي اعتمدته جل البلدان للحد من انتشار الفيروس، ما تسبب في إغلاق عدد من الوحدات الإنتاجية التي كانت تؤمن الدخل لملايين الأسر.
وتضرر الاقتصاد المغربي، على غرار باقي الاقتصادات العالمية، بالتدابير الوقائية، ما أدى إلى تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بشكل مقلق. وتشير معطيات جمعية المقاولات الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا، إلى أن عدد المقاولات التي أعلنت إفلاسها 20 ألف وحدة، وينتظر أن يرتفع العدد أكثر مع تأخر استئناف النشاط الإنتاجي ومعالجة الصعوبات، التي تعترض أرباب المقاولات، ما سيؤدي إلى فقدان مئات الآلاف من المستخدمين مناصب شغلهم.

الــــقـــــادم أســــــــوأ

نمو سلبي بنسبة أعلى واستئناف النشاط إلى حين والانتخابات تصعب الانطلاقة
أصبحت تقييمات انعكاسات الجائحة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي متجاوزة، بعد التطورات التي عرفها الوضع الصحي بالمغرب، إذ أن نسبة تراجع الناتج الداخلي الإجمالي ستكون أعلى مما كان متوقعا سابقا، كما أن الإقلاع سيتطلب وقتا طويلا، ما يعني أن آلاف المقاولات لن تتمكن من الخروج من الأزمة وستضطر إلى إغلاق أبوابها مخلفة عشرات الآلاف من العاطلين.
وأشار العربي الجعايدي، الخبير الاقتصادي وباحث في مركز السياسات للجنوب الجديد في حوار مع أحد المواقع الإلكترونية الصادرة بالفرنسية، إلى أن كل التوقعات المصرح بها في يونيو الماضي بشأن عودة النمو بشكل سريع، خلال السنة المقبلة، أصبحت متجاوزة، إذ أن الأمر سيتطلب وقتا أطول.
وأوضح أنه أصبح من المؤكد أن نسبة تراجع الناتج الداخلي الإجمالي، ستكون سلبية أكثر مما تم توقعه في قانون المالية المعدل، إذ تم تحديدها في ناقص 5 في المائة، في حين أن بنك المغرب يحددها في 5.2 في المائة، وتتوقع المندوبية السامية للتخطيط أن تصل النسبة إلى ناقص 6 في المائة، مضيفا أنه يتوقع استمرار الوضع، خلال السنة المقبلة، ما لم تتخذ إجراءات جريئة تختلف عن المقاربات المعتمدة حتى الآن.
واعتبر أن معدل النمو المقدم من قبل الحكومة بخصوص خلال السنة المقبلة من الوارد جدا عدم تحققه، بالنظر إلى أنه استند إلى عودة النشاط بشكل قوي خلال النصف الثاني من السنة الجارية، الأمر الذي لم يتحقق، إذ أن المغرب لا يزال يواجه موجة ثانية من انتشار الوباء يمكن أن تكون أكثر تأكيدا، كما أن حصيلة أداء القطاع الفلاحي غير مؤكدة، علما أن الأنشطة الفلاحية تؤثر بشكل قوي في معدل النمو.
من جهة أخرى أكدت المندوبية السامية للتخطيط توسع دائرة البطالة، خلال السنة الجارية، لتشمل 14.8 في المائة، بزيادة بأكثر من 5 نقط مائوية، مقارنة مع مستواها، خلال 2019، ليتجاوز عدد العاطلين عن العمل في الفصل الثاني من السنة الجارية، مليونا و600 ألف عاطل، علما أن الفصل الثاني عرف ضياع أزيد من 400 ألف منصب شغل.
وأشارت المندوبية في المذكرة الإستراتيجية، التي أعدتها بشراكة مع تمثيلية منظمة الأمم المتحدة بالمغرب والبنك الدولي وتتضمن تحليلا لتطور الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد منذ بداية الأزمة، إلى أن الاقتصاد المغربي تأثر كثيرا بالجفاف، الذي تسبب في تراجع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي، إذ أن معدل النمو لم يتجاوز، خلال الفصل الأول من السنة الجارية، أي قبل الحجر الصحي، 0.1 في المائة، لكن نسبة التراجع ارتفعت بشكل كبير في الفصل الثاني، بعد 10 أسابيع من الحجر الشامل، إذ انخفض الناتج الداخلي الإجمالي بناقص 13.8 في المائة، بسبب توقف جل الأنشطة الاقتصادية والوضعية الاقتصادية لبلدان الاتحاد الأوربي الشريك التجاري والاقتصادي الأول للمغرب، وسجلت الصادرات انخفاضا بناقص 25.1 في المائة، وتقلصت الواردات بناقص 26.7 في المائة.
وأكد عبد الله فركي، رئيس الكنفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغيرة والمتوسطة، في تصريح لـ”الصباح” أن عدد المقاولات الصغيرة جدا، التي أعلنت إفلاسها مع متم غشت الماضي، تجاوز 20 ألف وحدة بسبب العراقيل، التي اعترضت أصحابها لاستئناف النشاط الإنتاجي. وشدد فركي على أن العدد مرشح للارتفاع إذا لم تتدخل الحكومة لمواكبة هذه الوحدات وتمكينها من الدعم اللازم لاستئناف نشاطها الإنتاجي.
وتؤكد هذه المعطيات أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مرشحة لأن تتفاقم أكثر مما كان متوقعا، وأن العودة إلى المستوى المسجل قبل الجائحة ستتطلب سنوات، خاصة أن السنة المقبلة ستطغى عليها الاستحقاقات الانتخابية، ما سيؤثر سلبا على الأداء الحكومي.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى