fbpx
خاص

مخطوطات القرآن … السر الغامض

الباحث محمد المسيّح يميط اللثام عن تاريخ جمع النص المقدس للمسلمين

ظل عالم مخطوطات القرآن القديمة مجهولا بالنسبة إلى العديد من المثقفين والباحثين العرب والمسلمين، بل منطقة محظورة تستعصي على البحث العلمي الرصين في مجال التاريخ الإسلامي، وظل الأمر مقصورا على بعض المستشرقين والباحثين الغربيين الذين حاولوا الاقتراب من هذا الموضوع بقدر متفاوت من الموضوعية أو التوجيه الإيديولوجي.
ويعد كتاب «مخطوطات القرآن.. مدخل لدراسة المخطوطات القديمة» للباحث المغربي محمد المسيّح أول كتاب لباحث عربي يقترب فيه من موضوع مخطوطات القرآن متزودا بمرجعية تجمع بين تمثل تراث الباحثين الغربيين في هذا الموضوع، وأيضا الإبحار في متون النصوص المرجعية والمؤسسة للتاريخ الإسلامي، فضلا عن خبرة ميدانية راكمها في العديد من الجامعات الغربية والمتاحف العالمية التي استأمنته على تحقيق العديد من المخطوطات القرآنية، ما أدى إلى توصله إلى عدد من النتائج التي أعادت إلى الواجهة مجموعة من النقط المسكوت عنها في علاقة المسلمين بالنص القرآني، والتي سنتوقف عند بعضها في هذا الخاص.

إعداد: عزيز المجدوب

يحاول كتاب محمد المسيّح التعريف بأشهر وأقدم المخطوطات القرآنية وترتيبها بحسب عمرها التقديري. ويستعين في هذا السياق بأدوات علمية وفنية، كالتركيز على الخط والرسم والزخرفة وعلامات الوقف والمادة التي استخدمت لإنجاز هذه المخطوطات والمصاحف، ومحاولة معرفة عدد النساخ الذين ساهموا في تدوين هذه المخطوطة أو تلك، وتفسير وجود بعض الظواهر الإملائية التي تختلف عن قواعد الإملاء الحالية، ومقارنتها بما جاء في هذه المخطوطات، بعيدا عن أي تعسف مذهبي أو ديني، كما يدعي تجار الإعجاز العلمي.
وحاول المسيّح توضيح الخلط في الفكر الشائع عن مخطوطات صنعاء وما أثير حولها من جدل واعتقاد بأنها مجرد مخطوطة واحدة وليست أكثر، وإبراز الاختلافات في ما بينها، وتعريف ببعض المجموعات التي تتكون منها، خاصة مخطوط صنعاء الشهيرDAM 01 -27.1 ، ثم يبين بما توفر له من أدلة ووسائل بحث عدم صحة ما روجت له وسائل الإعلام في يوليوز 2015 بشأن مخطوطة «برمنغهام» حين ادعى مقدموها أنها أقدم مخطوطة قرآنية بنسبها إلى عصر الخلفاء الراشدين، منهم من أرجعها إلى عصر الرسول نفسه.

الرواية الإسلامية لتدوين القرآن

يتوقف المسيّح في تطرقه لمراحل تدوين القرآن، عند المصادر الإسلامية، التي تقول إن عملية التدوين بدأت في عهد النبي محمد، بل إن النبي كان يطلب من بعض النساخ أن يضيفوا الآيات المستجدة إلى سورة أو أخرى (الإتقان للسيوطي وتفسير القرطبي).
ويقول الباحث المغربي إن القرآن أصبح بعد وفاة النبي محمد متناثرا، متفرقا في مواد بدائية لا ترقى إلى مستوى التدوين، فلم يكن مجموعا بين دفتين، لذا، حسب الباحث نفسه، ليس هناك من الناحية التاريخية ما يدعم الأطروحة القائلة بتدوين القرآن في عهد النبي، إذ لم يُسَجل أي خبر عن نقل النبي وصحابته في أيام الهجرة رقعا أو عظاما أو غيرها من المواد البدائية التي دُونت عليها السور المكية الست وثمانون.

ويضيف أنه إذا سلمنا بصحة المصادر الإسلامية، يمكن القول إن تدوين القرآن الحقيقي بدأ مع الجمع الأول على عهد الخليفة أبي بكر، بطلب من عمر بن الخطاب، حتى لا يضيع القرآن بموت حُفّاظه أثناء الحروب التي دارت بين المسلمين وأعدائهم، فكُلف زيد بن ثابت بهذا الأمر رغم صعوبته، إذ قال زيد «لو كلفوني نقل الجبال كان أيسر علي من الذي كلفوني، فجعلت أتتبع القرآن من صدور الرجال، ومن العسب (جريد النخل) والرقاع (قطع الجلد) ومن الأضلاع، واللّخاف (الحجارة الرقيقة والخزف)».

وربما قال زيد هذا القول، حسب تقدير المسيّح، اعتقادا منه بوجود من هو أجدر منه لهذه المهمة، كعبد الله بن مسعود أو أبيّ بن كعب، كما أن وصية النبي محمد بأخذ القرآن عن أربعة لم يكن زيد واحدا منهم، ولهذا رفض ابن مسعود تكليف زيد، الأمر الذي اتضح في قوله «يا معشر المسلمين، أُعزَل عن نسخ المصاحف، ويولّاها رجل، والله لقد أسلمتُ، وإنه لفي صلب أبيه كافر، يريد زيدا بن ثابت».
ولم يكن اختيار زيد لهذه المهمة، يقول المسيّح، عبثا رغم وجود نساخ آخرين، إذ كان يميزه عن غيره معرفته باللغتين العبرية والسريانية حتى لقب ب»ترجمان الرسول»، ولذا فقد عايره ابن مسعود، بسبب أصله اليهودي، بقوله «إن زيدا ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان» (يقصد خصلتي شعر لدى أطفال اليهود)، وربما كان إتقانه للعبرية، ومعرفته بالسريانية، جعله مؤهلا لهذه المهمة أكثر من باقي النساخ، وربما ما شجعهم على اختياره، أن النبي محمد كان يعتمد عليه في قراءة ما كان يبعثه اليهود والسريان وفي الرد عليه.

ورغم هذا الجمع الأول الذي أكمل في عهد عمر، إلا أن بعض النساخ والعارفين بالنصوص القرآنية لم يقفوا عاجزين أمام تدوين مصاحفهم الخاصة، فقد ظهرت مصاحف أخرى على الساحة، كمصحف عبد الله بن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب، ومصحف علي بن أبي طالب، ومصحف أبي موسى الأشعري وغيرها.

ويختلف بعض هذه المصاحف عن بعضها، بحسب المصادر الإسلامية في ترتيب السور، وفي عددها عند بعضهم، ونقصان عند الآخرين. وبعد هذا التوسع في تدوين القرآن، وظهور الاختلافات، وانتقال القراء إلى أقطار جديدة، قرر الخليفة الثالث عثمان بن عفان أن يكلف زيدا بن ثابت بالجمع الثاني للقرآن رغم وجود نسخة رسمية عند حفصة للجمع البكري العمري.

الجمع الثاني للقرآن
جعل تعدد المصاحف واختلافها في عهد عثمان المسلمين يكفرون بعضهم بعضا، فراحت كل جماعة تنحاز إلى قراءة معينة، ما جعل أمر توحيد هذه المصاحف في مصحف واحد سمي ب»مصحف الإمام» ضرورة قصوى لحل هذه الإشكالية.
ومرة أخرى كلف زيد بن ثابت بهذه المهمة على رأس لجنة تضم أربعة نساخ. وبدأت عملية التدوين، فأعطى الخليفة أوامره بتدوين المصحف «على لسان قريش»، وبعد إنجاز اللجنة لهذه المهمة، أمر الخليفة بنسخ عدة نسخ عن مصحف الإمام وإرسالها للأمصار (مصحف الكوفة ومصحف البصرة ومصحف دمشق ومصحف المدينة ومصحف مكة، وقيل إنه أرسل نسخة إلى اليمن وأخرى إلى البحرين).

عوائق بدايات التدوين
يشير الباحث محمد المسيّح أن هذه الشهادات تشير إلى عجز المسلمين الأوائل عن الحفاظ على النص القرآني كله. فعملية التوثيق والتدوين تتطلب مهارات معينة لم تتوفر لديهم في تلك الفترة. أما عن اختيار المواد التي كان النساخ الأوائل يرسمون عليها القرآن، مثل جريد النخل واللخاف والعظام، فلم يكن موفقا، إذ لم تستخدم مواد عملية أو ذات جودة عالية تقاوم الزمن، فضلا عن ندرة النساخ الذين يعرفون القراءة والكتابة، وبشكل خاص خلال المرحلة المكية الأولى.
كما أن المراجع الإسلامية لا تعطي أسماء نساخ كانوا رفقة النبي محمد منذ بداية دعوته، على عكس الفترة المدنية، حيث ذكر ابن سعد أكثر من عشرة أسماء نساخ للقرآن، إلا أن هذا التدوين الذي قام به هؤلاء كان بدائيا، وحتى الاعتماد على الذاكرة وحفظ النصوص، على عكس ما يعتقد، لم يكن أمرا يمكن الوثوق به، بل إن عائشة ذكرت أن النبي محمد «سمع رجلا يقرأ في المسجد فقال «رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية أسقطتهن من سورة كذا وكذا» (صحيح البخاري: كتاب الشهادات).
ولم يكن غريبا، يقول المسيّح، أن نجد الرعيل الأول من المسلمين ينسون سورا بأكملها، فلا يتذكرون منها سوى آية أو اثنتين، كما يشهد على ذلك أبو موسى الأشعري، إذ كانت بدايات تدوين القرآن متعثرة بسبب هذه العوائق.

الخلفية التاريخية للتدوين
يطرح محمد المسيّح في هذا الفصل إشكالية تتعلق بمحاولات تبرير ضياع أجزاء من القرآن، إذ أن المصادر الإسلامية التي تتناول تلك الروايات جاءت متأخرة، بحوالي قرنين من وفاة النبي محمد، لكن الأبحاث العلمية الحديثة تكشف أسرارا جديدة عن حقيقة التدوين عند العرب في ذلك العصر.
ويقول الباحث المغربي إن النص القرآني، بعكس ما كان يعتقده جل علماء الإسلام، دون في وقت لم تكن فيه اللغة العربية في عصرها الذهبي. والحقيقة العلمية تثبت أن القرآن جاء بلسان عربي، أي بلهجة عربية لم تكن بعد خاضعة لقواعد اللغة العربية التي نعرفها. وما يوضح ذلك ما ورد في آية «إن هذان لساحران» (طه) إذ كان ينبغي أن تكون «إن هذين لساحران» لو كانت تتبع قواعد اللغة، وأيضا ما ورد في الآية «هذان خصمان اختصموا»، إذ كان ينبغي أن تكون «هذان خصمان اختصما»، وكذلك في آية «لا ينال عهدي الظالمين» إذ يجب أن تكون «لا ينال عهدي الظالمون».
فالنساخ الأوائل لم يكونوا مقيدين بقواعد لغوية معينة، فهي لذلك لم تكن لتعتبر أخطاء لغوية في ذلك الوقت. وحتى الخط العربي لم يكن موحدا، إذ نجد أن للعرب ثلاثة أنواع من الخطوط العربية القديمة قبل تدوين القرآن، وهي: الخط النبطي في الشمال، والخط الثمودي في الوسط، ثم الخط السبئي في الجنوب.

التنقيط وظهور القراءات
يشير المسيّح إلى أن المصاحف الأولى كانت خالية من التنقيط والتشكيل والتهميز، الأمر الذي تسبب في ظهور القراءات المختلفة. وأما القول إن هذه القراءات ترجع إلى عهد النزول، فإنه يتطلب، حسب الباحث نفسه، دليلا قاطعا لا يشوبه شك، فقد قيل إن القرآن نزل على سبعة أحرف، ولم يحدد علماء الإسلام بالتدقيق معنى ذلك، فهناك ما يناهز أربعين قولا في معنى «سبعة أحرف»، من أشهرها: اختلاف اللهجات في اللغة العربية، ثم أبواب القرآن السبعة من «أمر وجزر وترغيب وترهيب وجدل وقصص ومثل».
كما توقف الباحث عند موضوع القراءات المختلفة قبل أن ينتقل إلى موضوع «رسم المصحف» ويتطرق لموضوع التنقيط والتشكيل والتهميز وتطور علامات الإعراب.
أما موضوع دراسة المخطوطات القديمة فيرى المسيّح أن له أهمية كبيرة في التأكد من تاريخية القرآن ومعرفة البدايات الأولى لنشأة الخط العربي وتطوره ومعرفة المراحل التي مر منها المصحف، من ناحية الشكل والمضمون، كظهور القراءات المختلفة وبناء تفاسير للنص القرآني معتمدة على هذا التطور.
وبحكم شح وندرة المراجع، التي تتطرق لدراسة المخطوطات القرآنية القديمة في العالم العربي والإسلامي، فإنه في هذا الكتاب حاول تقديم مساهمة للتعريف بهذه المخطوطات، والتعرف على المواد العلمية المستخدمة في دراسة هذا المجال بالاعتماد على ثلاثة مواد علمية وهي: علم المخطوطات، وعلم الخطاطة وعلم فقه اللغة المقارن.
ومن بين النتائج التي تكشفها دراسة مخطوطات القرآن إلقاء الضوء على بعض الإشكاليات المتعلقة برسم المصاحف وأمور أخرى مثل الخط السائد في ذلك العصر، وطريقة التعامل مع الأحرف وتطويعها لخدمة النص، والقراءات المحتملة للنص، ثم الذوق الفني من زخرفة وتهيئة المصاحف، والتطور الذي خضعت له المصاحف، ومدى حصول أي تغيير في النص عبر العصور، وعدد النساخ الذين رسموا المخطوطة الواحدة ودلالة ذلك.

ويقول المسيّح، إنه يكون من الصعب، دون وجود هذه المخطوطات القديمة، إثبات المراحل الأخيرة التي مرت منها نسخ المصاحف القديمة وتطورها إلى الشكل الأخير الذي هي عليه جلّ المصاحف الحالية، وعلى رأسها مصحف مجمع الملك فهد.
ويشير إلى أن حرق عثمان لبعض المصاحف الأولى، ثم إحراق الحجاج بن يوسف الثقفي للمجموعة الثانية كان خسارة للباحثين الساعين إلى معرفة ما كان موجودا في هذه المصاحف الأولى من اختلافات مهمة جعلت عثمان بن عفان يجرؤ على القيام بهذا الأمر. وقد كان هذا من بين الأسباب التي عجلت بقتله.
وما يلفت الانتباه هو أن علماء الإسلام لم يعودوا يهتمون بهذه المخطوطات منذ القرن الرابع الهجري ولم يعد له أي دور في علوم القرآن. أما المستشرقون فقد رأوا أن هذه المخطوطات مهمة جدا، لأنها تحمل معلومات قوية حول تطور رسم القرآن وقراءته. وهم يهتمون بهذا المجال منذ أكثر من قرنين ويعطونه مكانته الحقيقية، في حين نجد قلة نادرة من علماء الإسلام تهتم بهذا العلم.
ويخصص المسيّح فصلا كاملا لتحليل مجموعة من أقدم المخطوطات القرآنية الموزعة على مختلف متاحف العالم مثل «مخطوطة طشقند» (مصحف سمر قند) و»مخطوطة المشهد الحسيني» بالقاهرة والمخطوطة البريطانية ومخطوطة «طوب قابي» ومخطوطات صنعاء ومصحف «باريسينو ـ بتروبوليتانوس»، ثم مخطوطة باريس ومخطوطة «مارسيل 17» ومخطوطة «سان بطربسبرغ» ومخطوطة برمنغهام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق