fbpx
خاص

كواليس إدانة باطمة

الأحكام تراوحت بين ثمانية أشهر وسنة ونصف حبسا نافذا

كل شيء في محيط المحكمة الابتدائية كان يشير إلى أن شيئا غير عاد في المنطقة. أعداد سيارات الأمن الوطني في جنبات المحكمة تزيد عن ثلاث سيارات. رجال الأمن بالعشرات. مجموعات من المواطنين تشكل جزرا بشرية، إضافة إلى جموع الصحافيين والمصورين الذين التصقوا بباب المحكمة. الدخول إلى المحكمة الابتدائية صعب المنال، غير أن الولوج إلى القاعة رقم 5 حيث توجد الفنانة دنيا باطمة يسير، نظرا لأنها ليست ممتلئة كما كان متوقعا، سببه حسب ما أسر به مصدر تحدثت إليه «الصباح» هو ضرورة الحصول على وثيقة تخول لك الولوج للمؤسسة القضائية.
قبل الدخول إلى قاعة الجلسات رقم 5، يبدو للزائر للمحكمة أنها تنتظر حدثا مثيرا. ما يؤشر على ذلك وجود رجال شداد غلاظ من حراس الأمن الخاص بلباس موحد، يقفون عند مدخل القاعة. أغلب الحاضرين لقاعة محاكمة الفنانة دنيا باطمة وشقيقتها ابتسام من أصحاب البذل السوداء، عدد كبير منهم التحقوا بالمهنة قبل سنة أو سنتين، حضروا للقاعة ليتلقوا دروسا في المرافعات القانونية، التي يقوم بها نقباء حاليون وسابقون في قضية معقدة وتتداخل فيها أبعاد متعددة.
غسان بنشقرون (مراكش)

دخل القاضي عثمان النيفاوي إلى القاعة ومعه ممثل النيابة العامة وكاتب الضبط، ليتم إطلاق صافرة شوطين من محاكمة الفنانة دنيا باطمة وشقيقتها ابتسام، وعائشة عياش، وصوفيا شاكري في القضية الشهيرة بـ «حمزة مون بيبي». لكن ونظرا لأن جلسة محاكمة المتهمات في القضية المعروفة بـ «حمزة مون بيبي» ستطول لأكثر من أربع ساعات فقد سمح قاضي الجلسة للفتيات الأربع بالجلوس على كراس قبالته مع ضرورة ارتداء الكمامات.

جبل التهم

مع حلول الـ 11 صباحا، انطلقت المحاكمة. بعد تحقق القاضي النيفاوي من هوية المتهمات وتأكيد حضورهن وسرد ملابسات القضية والتهم الموجهة لهن، أعطى الكلمة للنقيب عبد اللطيف بوعشرين، الذي خاض في مرافعة يخيل لسامعها في لحظة من اللحظات أنه في إحدى مدرجات كلية الحقوق، إذ أكد على ضرورة التحلي بقيم سامية في الدفاع عن المتهم، الذي يعتبر «بريئا حتى تثبت إدانته»، وأن الأصل في أي قضية هو مبدأ «المحاكمة العادلة وضمان حقوق الأطراف في القضية»، قبل أن يخوض معركة مباشرة مع جبل التهم الموجهة إلى دنيا وابتسام باطمة، المتمثلة في المشاركة في الدخول إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال، والمشاركة عمدا في عرقلة سير هذا النظام، وإحداث اضطراب فيه وتغيير طريقة معالجته، وبث وتوزيع وقائع كاذبة بعرض المس بحياة أشخاص قصد التشهير بهم، والمشاركة في النصب والتهديد.

” ما فهمت والو في التقرير”

اختار النقيب عبد اللطيف بوعشرين جلسة المحاكمة الشهيرة لتوجيه رسائل إلى «من يهمه الأمر»، من خلال القسم بأنه لن يستسلم للضعوطات التي يتعرض لها في السر والعلن، مشيرا إلى أن ما يكتب عنه لن يجعله يتراجع عن ضمان حقهما في المحاكمة العادلة. واعتبر بوعشرين أن الذين يقفون وراء الهجمة، التي تشن ضد دفاع باطمة الغرض منها «الاسترزاق» من خلال مواقع التواصل الاجتماعي.
تواجه دنيا وشقيقتها تهمة «الدخول إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال والمشاركة في عرقلة سير هذا النظام وإحداث إضطراب فيه وتغيير طريقة معالجته»، وهو ما حاول النقيب بوعشرين تبرئة المتهمتين منه، بالطعن في تقرير خبرة الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، الذي كتب باللغة الفرنسية، إذ شكل ذلك فرصة لدفاع باطمة للطعن في دستوريته، على اعتبار أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلد، حسب منطوق الفصل الخامس من دستور 2011 .
“أنا بعدا ما فهمت والو في التقرير، لي مكتوب بالفرنسية وبمصطلحات علمية متخصصة”، هكذا علق المحامي بوعشرين على تقرير الخبرة حول تطبيقات وحسابات دنيا وابتسام باطمة، ما جعل زميله ميلود لغدش الشيظمي المحامي بهيأة مراكش، يطالب بما أسماه “المعلوميات الشرعية” على غرار “الطب الشرعي”.

“القضية فيها إن”

مرافعة رشيد الإدريسي، المحامي بهيأة البيضاء أثارت “شبهات” حول بعض ملابسات الملف، وجعل الشكوك تحوم حوله، وتحويله من قضية قانونية عادية إلى قضية “فيها إن”. وأوضح رشيد الإدريسي أن دفاع باطمة أخر من يعلم بالقرارات، التي يتخذها القضاء، مشيرا إلى أن قرار متابعة ابتسام باطمة في حالة اعتقال نشر في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتوصل به الدفاع.
وقال المحامي الإدريسي إن هناك جهات تحاول تشويه صورة موكلتيه واسهتدافهما، من خلال نشر فيديوهات من دول خارج المغرب تسيء إلى هيأة الدفاع والمتهمات، وتكيل لهم جميعا كومة من السب والشتم، قبل أن يشهر وثيقة لمغاربة يقيمون في الديار السويسرية يطالبون بالتحقيق في عدد من الأحداث المريبة، والتي ارتبطت بقضية “حمزة مون بيبي”.

مغاربة سويسرا على خط “حمزة مون بيبي”

أبرز ما جاء في مراسلة مغاربة سويسرا إلى محمد عبد النباوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، ورئيس النيابة العامة، المطالبة بالتحقيق في تسريب وثائق تتعلق بقرار قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية، محمد صابري، بمتابعة المتهمات في قضية “حمزة مون بيبي” وإحالتهن على المحاكمة. وأوضح الإدريسي أن هذه الوثائق نشرت لدى إحدى الناشطات في مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن يتسلمها دفاع باطمة، مشيرا إلى أن لجنة تابعة لوزارة العدل باشرت تحقيقات في الموضوع، خصوصا أن الذي صور الوثائق التقط جانبا من طاولة المكتب، مما قد يكشف هوية مسرب الوثائق القضائية.
من جهته، عمد مولاي سليمان العمراني، نقيب المحامين بمراكش إلى الطعن في قرار تسليم مصممة الأزياء عائشة عيش من قبل السلطات الإماراتية لنظيرتها المغربية، بيد أن ممثل الحق العام ترافع بشكل مطول في هذه القضية، مؤكدا أن اتفاقية التعاون القضائي المبرمة بين الدولتين  تم التوقيع عليها في أبريل من 2006، وتنص على تسليم الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم من بلد إلى آخر، وتمت وفق الضوابط المعمول بها.
من أواخر المرافعات، تلك التي قام بها دفاع صوفيا شاكري، الذي اعتبر أن محاضر الضابطة القضائية تخلو من تاريخ وساعة اعتقال مسيرة الشركة من داخل فندق معروف بمدينة طنجة، الأمر الذي يجعل شكوكا تحوم حول معطيات قانونية. هذه المرافعة لم يتركها ممثل النيابة العامة تمر دون أن ينفي ذلك في مرافعة دامت 15 دقيقة، مؤكدا أن المحاضر الموقعة من قبل ضابط، تتضمن تاريخ اعتقال صوفيا والساعة وحتى المكان، داعيا المحامي إلى الاطمئنان.

حقوقيون لا يريدون درهما رمزيا

وبعد أن جامل محمد العجيد، دفاع المركز الوطني لحقوق الانسان بالمغرب، محامي دنيا باطمة وشقيقتها ابتسام إضافة إلى عائشة عياش وصوفيا شاكري، صدم الحاضرين حين اعتبر المتهمات الأربع “ضحايا جهات تغتني من مواقع التواصل الاجتماعي”، قبل أن يلتمس من القاضي عثمان النيفاوي، أن تكن متابعات في حالة سراح”.
مدح المحامي محمد العجيد، عضو المكتب التنفيذي للمركز الوطني لحقوق الإنسان، الذي يوجد رئيسه محمد المديمي رهن الاعتقال على خلفية قضية تتعلق بـ “محاولة النصب والابتزاز، وإهانة موظفين عموميين أثناء قيامهم بمهامهم، والوشاية الكاذبة، وإهانة هيأة منظمة، وبث وتوزيع وقائع كاذبة، والتشهير” (مدح) الفنانة دنيا باطمة، التي اعتبرها “شرفت المغرب في المحافل الدولية وحظيت بوسام ملكي ورفعت الراية المغربية”، رغم أن المركز نصب نفسه طرفا مدنيا في القضية، التي تتابع فيها الفنانة المذكورة.
واعتبر ميلود لغدش أن المركز المغربي لحقوق الإنسان لا يتوفر على صفة المنفعة العامة، إضافة إلى أنه لم يمض على تأسيسه خمس سنوات من أجل تنصيب نفسه طرفا مدنيا في هذه القضية، غير أن النقيب عبد اللطيف بوعشرين استغرب مطالبة المركز، بتعويض، مؤكدا أن ذلك يسيء إلى سمو ورقي العمل الحقوقي، الذي يطالب الطرف المدني الحقوقي درهما رمزيا.
بعد شوطين من المرافعات دامت لأزيد من تسع ساعات خرج عثمان النيفاوي إلى جموع الحاضرين للقاعة 5 ليتلو عليهم الحكم القاضي بالسجن النافذ ثمانية أشهر بحق الفنانة دنيا باطمة، فيما أدينت شقيقتها ابتسام، في حالة اعتقال، حبسا لمدة سنة نافذة. وقضي في حق مصممة الأزياء عائشة عياش بسنة ونصف حبسا نافذا، فيما أُدينت المتهمة المسماة صوفيا شاكيري، بعشرة أشهر حبسا، وغرامة مالية قدرها 10 آلاف درهم لكل واحدة منهن.

متفرقات

الترك يجلب الماء
جلس محمد الترك في آخر مقعد في الجلسة يتابع أطوار محاكمة زوجته دنيا باطمة. قدم الترك خدمات كثيرة في جلسة المحاكمة. ففي البداية جلب حقيبة زوجته من مقعد بعيد، بعد أن نسيتها هناك. ثم قام بعد ذلك بإحضار قنينات الماء المعدني لأعضاء هيأة الدفاع وعناصر الأمن وبعض المواطنين، نظرا لارتفاع درجة الحرارة، قبل أن يقوم بحماية زوجته الحامل خلال خروجها من الباب الرئيسي للمحكمة الابتدائية بمراكش.

الركيك ينزل للقاعة
خالد الركيك، وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بمراكش فاجأ الجميع بحضوره إلى القاعة رقم 5، حيث كانت تحاكم الفنانة دنيا باطمة. وقبل أن تنتهي الجلسة بحوالي نصف ساعة حل الركيك بقاعة الجلسات ليتابع أطوار القضية، وأغلب الوقت الذي قضاه رئيس النيابة العامة في الجلسة كان للاستماع إلى مرافعات ممثل الحق العام، التي تابعها بتركيز شديد، بدا من خلال ملامح وجهه.

“سلطانة” أمام زوج باطمة
كان حضور سهام بادة المعروفة باسم «سلطانة» إحدى المشتكيات في القضية لافتا، الرغم محاولات إخفاء ملامحها والتخفي عن كاميرات ممثلي وسائل الإعلام. لكن المشهد الغريب داخل جلسة محاكمة المتهمات في ملف «حمزة مون بيبي» أن مصممة الأزياء سلطانة جلست أمام محمد الترك، زوج دنيا باطمة، غير أنه لم يعرها أي اهتمام ولم يبد أي رد فعل تجاهها طيلة أطوار المحاكمة.

مجاملات بالوثائق
في الوقت الذي كان الجو مشحونا شيئا ما بين طرفي القضية، عمد دفاع دنيا باطمة إلى تزويد الطرف المطالب بالحق المدني بنسخ من الوثائق والملفات والأحكام السابقة، التي كان يدلي بها للقاضي عثمان النيفاوي. كما قدم النقيب بوعشرين قنينات الماء للمحامين المدافعين عن الأطراف المدنية، الأمر الذي دفع المحامين إلى الإشادة بمكانة وكفاءة النقيب بوعشرين، قبل أن يبادلهم بمجاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق