fbpx
بانوراما

الأوبئة والمجاعات في المغرب 4 … طاعون الفواكه

يحفل تاريخ المغرب بكثرة الأوبئة التي فتكت بآلاف المغاربة، وأثرت، خلال تلك الحقبة، بشكل كبير على البنية الديمغرافية للسكان، وشكلت رواسب نفسية في الذهنية الجماعية، مازالت حاضرة داخل المجتمع.
في مقال صدر في 1974، من الباحثين برنار روزنبرجي وحميد التريكي، معنون بـ”المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17″، تتم الإشارة إلى أن وباء الطاعون الأكثر شيوعا في المغرب، حيث يتردد كثيرا على ألسنة المغاربة عبر مختلف الحقب، إضافة إلى حمى التيفوئيد والجدري والسل والحصبة، فكيف واجه المغاربة هذه الجوائح؟

خالد العطاوي

بعد الطاعون الذي ظهر في عهد مولاي إسماعيل، في سنوات 1678 و1680، والذي اشتهر بقوته التدميرية، استراح المغرب من شره زهاء نصف قرن، إلا أن أخطار العدوى ظلت تهدده باستمرار، انطلاقا من البلدان المتوسطية.
ومن 1670 إلى 1700، تفشى وباء الطاعون في تونس والجزائر، ففي 1718 ظهر بمصر، وبعد سنتين انقض على مرسيليا على الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط، وفي 1735 و1736، عاود هجومه على مصر، وهو أشد ما يكون من قوة.
ورددت المصادر المغربية أصداء هذا الهجوم الأخير، وذكر المؤرخ القادري أنه أودى بحياة عدد كبير من المغاربة في مصر، وأنه فتك ب60 شخصا من سكان البلاد، وهلكت من جرائه الإسكندرية ورشيد وغيرهما من المدن والقرى المصرية، مع ذلك لم يسلم المغرب، وهو ما أكده القادري ضمنيا عندما أخبر بأن ركب الحجاج المغاربة عاد سالما، إلا أن الأخطار تزايدت عندما أصيبت الجزائر وتلمسان وإقليم وهران، في 1738 و1740 و1741. وهكذا ما إن حلت 1742، حتى جاء دور المغرب ليؤدي بدوره ضريبة الوباء.
ويفهم من المصادر المغربية أن الطاعون ظهر مباشرة، بعد اضطرابات جوية عنيفة، إذ يذكر ابن الحاج في هذا الصدد أن رياحا هوجاء هبت في 12 شتنبر 1742، انهارت بسببها دور وأشجار عظيمة، ثم انهالت السماء بأمطار طوفانية مسترسلة نحو أربعين يوما، ففاضت الأودية واجتاح سيل عظيم فاس، وتهدمت بسببه دور كثيرة، كما جرف وادي سبو أشجار الأرز العظيمة، وذهب بكثير من الدواب في الغرب، مضيفا أنه في هذا الوقت تفشى الطاعون بفاس وزرهون ومكناس، وعم جميع المغرب.
والحقيقة أن الوباء ظهر منذ مارس، كما يستشف ذلك من المراسلات القنصلية، إلا أن هذه المراسلات نقلت روايات متضاربة حول مصدره وطبيعته، إذ تشير رواية أولى بأن المرض لم يكن في الحقيقة سوى حمى نجمت عن إفراط السكان في تناول الفواكه، محتجة بأن الوفيات المسجلة تنحصر بين المسلمين، دون اليهود أو النصارى. وتزعم رواية أخرى أن هذا الطاعون مجرد إشاعة روجها يهودي من تطوان، يعمل كاتبا لباشا المدينة أحمد الريفي.
وهناك رواية ثالثة، وردت في مراسلة بتاريخ 19 مارس 1742 تفيد بأن قافلة تجارية محملة بالحرير قدمت من الشرق وحملت العدوى، فيما يقال، إلى قرية بجوار فاس.
ويبدو الرأي الأخير محتملا، ويجد ما يزكيه في ما عرف من سير العدوى التي غالبا ما كانت تبدأ بالمدن الشمالية التي لها علاقات مع الشرق، وتقول الرواية إن الوباء ظهر أولا بتازة، والمدينة تقع على المحور التجاري الرئيسي الرابط بين وجدة وفاس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى