الحلقة 18 الاجتهاد بين الضوابط والانتحال الشريعة كلها رحمة وعدل، لأنها شريعة رب العالمين وهدى رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم. وهناك أمر يجب التنبيه إليه، يغفل عنه كثير من الناس، فيتطاولون على الشريعة بدعوى الاجتهاد، وهذا الأمر هو الفرق بين الشريعة والفقه، فالشريعة ربانية المصدر وأصولها القرآن والسنة والإجماع لا يجوز بحال تغييرها، أما الفقه فهو نتاج جهد العلماء في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية عن طريق التعامل مع النصوص وأعمال الاجتهاد قياسا واستصحابا واستصلاحا واستحضارا للمفاسد والمصالح والمقاصد وهذا ما أدى إلى إنتاج ثروة فقهية غطت كل مجالات الحياة في زمانها ومكانها عبادة ومعاملة وسلوكا. ففي مجال الشعائر التعبدية فصل العلماء ودققوا واتفقوا في الأصول واختلفوا في الفروع والأمر نفسه بالنسبة إلى المعاملات، وبقي هامش الاجتهاد في المستجدات لأهل الاجتهاد من العلماء الربانيين، الذين يعملون النقل والعقل، ويستعينون بالخبراء لإيجاد الحلول للقضايا المستجدة. والأصل في هذا الاجتهاد، هو قول الله تعالى " وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ " سورة النساء الآية 83. وأولو الأمر هنا هم العلماء في مقابل أولى الأمر في قوله تعالى " يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم" فالمقصود بهم ولاة الأمور أي الحكام. وأيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم "يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلين" حديث صحيح، وأيضا قوله "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا". وقوله لمعاذ بن جبل "بم تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد، فقال بسنة رسول الله، فقال فإن لم تجد، قال أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله على صدر معاذ وقال : الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يحبه ويرضاه" . فالاجتهاد أصل من أصول التشريع الثلاثة الأساسية وهي القرآن والسنة والاجتهاد، ويندرج تحت الاجتهاد أصول متفرعة عنه كالقياس والاستصحاب والاستصلاح والاستحسان وفتح الذرائع وسدها وغيرها من الأصول التي أخذ بها العلماء. ويتعين على أهل الاجتهاد أن تتوفر فيهم الشروط، مثل العلم باللغة العربية وأساليبها والدراية بعلوم القرآن وعلوم الحديث وعلم أصول الفقه بكل مباحثه، مع القدرة على استحضار النصوص القرآنية والأحاديث، إضافة إلى فقه بالواقع وفقه بالتنزيل يمكن الفقيه من إيجاد المخارج والحلول للمستجدات التي تحدث في حياة الناس، وهي مخارج شرعية لا تحل الحرام و لا تحرم الحلال و لا تتجاوز النصوص القطعية الدلالة سواء كانت قطعية الثبوت أو ظنية الثبوت. إن ما يروج له المبطلون من دعوة إلى الاجتهاد، انتحال على الشريعة لأن دعوتهم قائمة على السعي إلى تغيير الأحكام الصريحة القطعية الدلالة، كإباحة الزنا وعدم تجريمه، و تحريم التعدد وتجريمه، والدعوة إلى إلغاء أحكام الإرث بالسعي إلى إلغاء التعصيب، وهو الأصل في نظام الإرث، وغيرها من الدعوات، التي هي عبارة عن تطلعات، الهدف من ورائها إلغاء الشريعة واستبدالها بقوانين مأخوذة من فكر دخيل، لا علاقة له بالشريعة، وقد تم تجريب كل ذلك في بعض البلاد، فلم تنتج إلا خرابا في الأسرة ودمارا في المجتمع. لحسن بن إبراهيم السكنفل * * رئيس المجلس العلمي المحلي لتمارة الصخيرات