fbpx
مقالات الرأي

المسبوك: نافذة على أسر أطفال طيف التوحد

يعد البنون زينة من زينات الحياة، وضرورة للحفاظ على النسل البشري والعائلي، وطبعا يشكل ميلاد طفل ما حدثا سعيدا بكل المقاييس، خصوصا إذا تم ذلك في أحضان أسرة توفرت فيها الشروط الضرورية لنموه وتربيته والتي تضمن له تحقيق وعيش خصائص مراحله العمرية وكل أبعاده الشخصية، وذلك لما يحمله أيضا هذا الحدث من دلالات وازنة، تعني الشيء الكثير بالنسبة للأسرة ككل.

يشكل الطفل مرآة بالنسبة لأبويه، إذ يريان من خلاله نفسيهما، فالأم خاصة ترى في مولودها ثمرة لعلاقتها الزوجية، التي تحمل دلالة اكتمال أنوثتها، وصيانة نرجسيتها وكبريائها، وبذلك فهو وسيلة للتزود بالإيمان وتحقيق درجة من الخلود في الحياة علاوة عن مكانته في تعزيز علاقتها الزوجية، والزيادة من موثوقيتها. فمعظم الآباء إن لم نقل كلهم، يكونون صورة خيالية عن طفلهم المستقبلي في فترة الانتظار، إذ يحققان في هذه الصورة كل إشباعاتهم و رغباتهم في المولود المنتظر، فيرسمونه في مخيلتهم بالمواصفات التي يريدونها ووفق الأماني والآمالي التي يطمحون أن يكون بها وعليها، إلا أن هذه الانتظارات توضع في موقف المواجهة مع الحقيقة، أي حقيقة الطفل بعد الولادة.

الأكيد أن ولادة طفل له نصيب من الصحة العقلية والجسمية والنفسية، هو بمثابة ترجمة لتلك التوقعات والطموحات التي يسعى الأبوين لأن يكون مولودهما بها، أما ولادة طفل دون المواصفات المنتظرة، أو ولادة طفل مصاب باضطراب ما، كاضطراب طيف التوحد، فإنه يعد بمثابة فاجعة، وجرح نرجسي بالنسبة للأبوين، يجعل منهما ومن كل أفراد الأسرة يعيدون النظر في أنفسهم وفي ذواتهم، وإعادة النظر في كل القيم والتاريخ الشخصي لكل فرد من أفراد الأسرة، فاضطراب طيف التوحد من أغمض وأعقد الاضطرابات، لا على مستوى تحديد سببه ومنشئه، ولا من حيث تشخيصه وعلاجه، علاوة عن ما يتسم به صاحبه من أعراض؛ ضعف في البعد العلائقي والتواصلي، ضعف في البعد المعرفي، خلل على المستوى السلوكي، ومجموعة من الخصائص؛ كلانغلاق والضعف الحاد في التواصل واتسامه بسلوكات عدوانية، نمطية-متكررة… إنها مميزات وخصائص تطبع هذا الاضطراب، لكنها في نفس الآن تزيد من الأعباء والتكاليف المادية والمعنوية أيضا، وهو الشيء الذي يتطلب من الأم بحكم كونها الأقرب له، رعاية وتربية خاصة ومستمرة لابنها.

تعيش الأسرة تحولا جذريا في سيرها العادي الذي يغدو سيرا مضطربا، فتصير المعاناة هي السمة الأساسية التي تطبع حياتها، نتيجة المتطلبات المتزايدة والإضافية. ما يميز هذه المعاناة هو كونها معاناة لا لحظية، وإنما مستمرة باستمرار تواجد الطفل المضطرب داخل الأسرة، إذ تصبح حياة الأبوين تبعا لذلك حياة لذلك الطفل فقط ولما يتطلبه من رعاية واهتمام. وبالنظر إلى صعوبة علاج هذا الاضطراب، التي ترجع في الأساس، إلى صعوبة التحديد الدقيق والموحد لسببه ومنشئه، فإنه يبقى مرافقا وملازما للطفل، وبالتالي استمرار معاناة ومشاكل الأسرة ككل، بفعل وضعيته والمواقف الناجمة عنها.

إن وجود طفل مصاب باضطراب طيف التوحد في الأسرة يشكل حالة نموذجية للمعاناة التي يمكن أن تعيشها الأسرة عموما، والأم بشكل خاص، نظرا لما تتطلبه رعايته وتربيته من اهتمام خاص ومكلف. وهو الأمر الذي يجعل الأم في حيرة دائمة بين المسؤوليات الملقاة على عاتقها، بكونها زوجة وأما لطفل مصاب باضطراب طيف التوحد والذي يتطلب منها اهتماما إضافيا، مما يجعلها مضطرة في غالب الأحيان إلى التنازل عن بعض الأشياء والتضحية بأشياء أخرى في سبيل الحصول على التوازن والاستقرار الأسري.

مما لا شك فيه أن تعريف أباء الأطفال التوحديين، يختلف عن أي تعريف لآباء الأطفال الأسوياء، وخاصة الأم، إذ المعاناة والصعوبات والضغوطات والقيود التي تفرضها رعاية الطفل المصاب، هي السمة الأساس التي تميزها عن غيرها من الأمهات، حيث المعاناة من وضعية ترتبط أولا بتشخيص طفلها، ثم تربيته ومحاولة التوصل إلى حلول علاجية، والتكفل بأسرتها، وكذا تأمين بعدها الاجتماعي-العلائقي والاقتصادي أيضا.

مما أفادت به ارتسامات بعض الأمهات لأطفال توحديين، أن تواجد طفل مصاب باضطراب طيف التوحد، يمس الجوانب الجسدية والوجدانية للأبوين، ويقودهما في كثير من اللحظات إلى القيام بإعادة النظر في أنفسهما وفي علاقتهما، الأمر الذي قد يغير من شعورهما، الذي قد يحدث حتى عند الإقدام على الجماع، الذي أضحى في نظرهما يأخذ دلالة اضطراب طفلهما. كما أن الجهد الذي يبذلانه في سبيل الرعاية يعرضهما إلى استنزاف طاقتهما الجسدية والنفسية وبالتالي يؤدي إلى شساعة المساحة بينهما.

لا تقف المعاناة هنا فحسب، بل تمتد من صعوبة الحفاظ على الإيقاع العادي للعلاقة الزوجية إلى معاناة مرتبطة بالحياة العادية للأبناء الأسوياء، إذ أن تواجد طفل مصاب باضطراب طيف التوحد بين أخوة أسوياء، يشكل مصدرا للإنزعاج والحرج بالنسبة للإخوة الأسوياء، ويعاني الآباء في هذه الحالة من وضعية كونهم مرغمون على حرمان الإخوة الأسوياء من اللعب التلقائي والخروج في العطل والقيام بالأنشطة الترفيهية، بسبب وضعية الطفل المصاب باضطراب طيف التوحد، والتي تتطلب دوما وقتا إضافيا واهتماما أكبر، علاوة عن صعوبة تحملهما لصورة العلاقة بين الابن المصاب والأبناء الأسوياء وهي الصورة التي تكون في الغالب صعبة البناء والاستقرار بفعل عامل أعراض الاضطراب.

معاناة تلخصها بعض أمهات الأطفال في كلمات قليلة تحمل في ذات الوقت كما كبيرا من المشاكل والمعاناة المادية والمعنوية أيضا، فجل التعبيرات عن الوضعية التي تعيشها أمهات الأطفال المصابين بالتوحد توحي إلى مشاكل علائقية تبدأ بالعلاقة الزوجية وتتخطى ذلك إلى العلاقات الاجتماعية، والعائلية التي تصل أحيانا إلى القطيعة. كما توحي إلى مشاكل مادية مرتبطة بالتكاليف التي تتطلبها رعايته وتربيته وتأهيله. علاوة على التعبير عن الجرح العاطفي الذي تعاني منه الأمهات جراء البرود العاطفي الذي يطبع علاقتهن بأبنائهن المصابون باضطراب طيف التوحد، وهو الأمر الذي تعبر عنه الأمهات بأسف شديد، يمكن ملاحظته على ملامحهن.

إن الشيء الذي لا يمكن لأحد نكرانه اليوم هو وجود حالات تعاني من اضطراب طيف التوحد داخل العديد من الأسر المغربية، ومما لا شك فيه أن العديد من هذه الأسر تعيش مجموعة من المعاناة المرتبطة برعاية طفلها المصاب في صمت وبعيدا عن أعين الآخرين، والأكيد أن هذه الأسر لم تختار بإرادتها أن تعيش معاناتها المرتبطة باضطراب ابنها في صمت وبعيدا عن المجتمع، وإنما هو الخيار الذي تبقى لديها أمام التكاليف المجهدة التي يتطلبها، وأمام عائق كسر تمثلات المجتمع ورؤيته، إضافة إلى عدم وجود مراكز ومؤسسات مجانية لرعاية وتأهيل هذه الفئة، والتي من شأنها أن ترفع عنهم بعض المعاناة، وإعانتهم على مواكبة ما يتطلبه تأهيل ورعاية ابنهم المصاب.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الأسر التي استطاعت الخروج إلى المجتمع بصورة تواجد طفل مصاب باضطراب طيف التوحد ضمنها، وتجاوزت تمثلات المجتمع عن الشخص المضطرب، وأخذت محاولة البحث عن السبل الكفيلة برعاية ابنها ولو على عاتق وضعيتها الاقتصادية، والقيام برعاية وتأهيل طفلها وفق ما يضمن استقلاليته وتطوير ذاته كمبتغى أدنى، وبالتالي التخفيف من الأعباء والمعاناة المستمرة التي تعيشها جراء تواجدها معه، هي أيضا لا تزال تعاني من التكاليف المادية التي تعترضها في سبيل بلوغ غايتها. وعلى الرغم من مستواها الاقتصادي، إلا أنها تعاني أيضا من ارتفاع التكلفة المادية الكفيلة برعاية ابنها المصاب، في مقابل عدم وجود مراكز تتوفر على العدة التربوية والبيداغوجية الملائمة، والأطر المرافقة ذات التكوين في تربية وتأهيل الأطفال التوحديين، اللهم وجود مبادرات من جمعيات المجتمع المدني التي وعلى الرغم من افتقارها إلى أبسط الشروط الضرورية، إلا أنها على الأقل تقوم بإواء هذه الفئة وتأهيلها التأهيل الذي يضمن الحد من تطور اضطرابها، وبالتالي استقلاليتها على الأقل.

مما لا شك فيه أن وعي الجهات المسؤولة بالفئات ذات الاحتياج الخاص عموما وبذوي اضطراب طيف التوحد خصوصا، وبالمشاكل التي يعاني منها ذوي اضطراب طيف التوحد، من شأنه أن يقود إلى حلول قد تكون مساهمة في التخفيف من الأعباء الملقاة على أهالي المصابون باضطراب طيف التوحد، فالشيء الأقصى الذي يمكن أن تقدمه هذه الجهات، لن يكون إلا في سبيل رفع القليل من المعاناة والتكاليف المجهدة التي يعاني منها أهالي أطفال اضطراب طيف التوحد مقارنة مع حقيقة الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه.

يوسف المسبوك: طالب باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى