fbpx
مقالات الرأي

أروى: أزمة كورونا ورهان النموذج التنموي الجديد

لقد أدى قصور النموذج التنموي القديم إلى البحث عن مدخلات أخرى لتحقيق التنمية ببلادنا، وقد تبنت المؤسسة الملكية هذا المشروع من خلال الدعوة في عدة مناسبات إلى ضرورة صياغة نموذج تنموي جديد يستحضر الخصوصية المغربية ، ويضع المواطن في صلب العملية التنموية ، فالتأسيس الملكي ظهر لأول مرة في خطاب 17 أكتوبر2017 بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الأولى من السنة التشريعية الأولى ، والذي دعا فيه الملك إلى اعتماد نموذج تنموي جديد من خلال تقييم موضوعي للوضع الحالي في سبيل اعتماد نموذج يهدف إلى الحد من الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهو نفس التوجه الذي سيتكرس في خطابي العرش لسنتي 2018 و2019.
وقد تم تتويج الدعوة الملكية مؤخرا بتعيين لجنة مكونة من عدة خبراء و أكاديميين خصيصا لهذه المسألة ، وبعد أن بدأ العمل بالفعل على صياغة النموذج التنموي الذي يتوخاه المواطن، سيعرف المغرب كغيره من دول العالم أزمة كورونا وما لها من تداعيات على كافة الأصعدة ، ما يجعلنا نتساءل هل المملكة مدعوة إلى تأجيل الحديث كل رهان تنموي اقتصادي في سبيل حماية شعبها ، أم أن المنطق يفرض القيام بموازنة تضمن أضرار أقل على كافة المستويات؟
الظاهر في الأمر أن المملكة ومن خلال العديد من التدابير التي اتخذتها اختارت رهان الرأسمال البشري ، اختارت الشعب و تم تأجيل الحديث عن التنمية والإقلاع الاقتصادي ، وهو ما يبدو بديهيا فالشعب هو قوام كل دولة ، وكل استراتيجيات الدول هي موجهة بالأساس لتحقيق مصلحة مواطنيها .
لكن توجه الدولة لا يعني في نظرنا إحداث قطيعة مع الوعود والجهود التي بدلت، بل إن المنطق يفرض ضرورة تسخير كل نقطة إيجابية يتيحها هذا الوضع في سبيل صياغة النموذج التنموي الذي يتطلع إليه المواطن المغربي ، وقد تأكد بالفعل لكل المشككين في هذا البلد أننا نملك مقومات الدولة ، و أنه حين تذكر الوطنية و الإخلاص للوطن لابد من استحضار المواطن المغربي بكل أطيافه و تمظهراته ، فالأزمة أبانت نسبة الانسجام بين السلطة والشعب ، و أكدت أنه مهما بلغت قيمة التدابير التي تتخذها الدولة فإن نجاحها يبقى معلقا بمعطى الإرادة في بلوغ الأهداف و رهينا بمواطن يعي دوره في عملية عنوانها التنمية الشاملة للبلاد.
وإذا كان الجانب المظلم من أزمة كوفيد19 هو أنها تهدد الصحة و تؤثر مباشرة على الاقتصاد الوطني ، فإن الجانب الايجابي منها هو كونها إشارة على ضرورة توسيع أوراش الإصلاح مستقبلا ، وعلامة على تسخير كل الوسائل لتجاوز مكامن الخلل في قطاعات كانت تعاني و اتضح اليوم أكثر من أي وقت مضى حجم هذه المعاناة ، فقطاع الصحة يجب أن تكون له الأولوية من خلال النهوض بالبنية التحتية الصحية و تأهيل الموارد البشرية ذات الكفاءة العالية ، بالإضافة إلى توسيع هامش الاهتمام بالبحث العلمي في هذا المجال و ما سيترتب عن هذه الإجراءات من فتح آفاق أمام شباب عاطل متعطش لطرد نحس العطالة وخدمة الوطن.
كما أن الإصلاح ينبغي أن يطال أيضا قطاع التعليم عبر تشخيص علمي لمكامن الخلل التي أصبحت واضحة وتتكرر سنة بعد أخرى في سبيل تأهيل المنظومة التعليمية لنحصل على مدرسة منتجة ومنفتحة على سوق الشغل.
إن أزمة كورونا جاءت لتعيد ترتيب الأولويات في سياسة الدولة ، وتكتب بالخط العريض الأوراش التي ينبغي أن تنطلق منها لجنة النموذج التنموي الجديد في أفق صياغة نموذج تنموي تترتب عنه نتائج تستجيب لتطلعات المواطن ، وتكون غايته تقليص الفوارق المجالية ، وخلق فرص الشغل للشباب ،و إصلاح المنظومة التعليمية ، وكذا وضع حد للاختلالات التنموية (الفقر ، التهميش،…).
ويبقى أن نشير إلى أن التنمية الشاملة للبلاد تتحقق أساسا عبر تأهيل كافة المستويات الترابية لتكون على قدر التحدي ، و ذلك من خلال الاهتمام بالبنية التحتية في المجالات الضرورية ( الصحة ، التعليم ، …)و ضمان التوزيع العادل للمرافق العمومية على صعيد التراب الوطني ، إضافة إلى تزويدها بالموارد المالية و البشرية الضرورية للنهوض بمهامها حتى يصح لنا بعد ذلك الحديث عن تنمية شاملة تقودها السلطة المركزية و تساهم فيها المستويات الترابية الأخرى للدولة.

عبدالرزاق أروى: طالب باحث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق