fbpx
منبر

ديمقراطية مؤجلة في مصر

 

أجواء الاستفتاء على الدستور تشويه معيب للديمقراطية الحقة   

لا شك بأن قسطا من الممارسة الديمقراطية والروح الديمقرطية قد تحقق في مصر، بالذات في الشهرين الأولين لثورة 25 يناير، عندما أدت ممارسات مدنية سلمية الى إطاحة رؤوس أحد أعتى أنظمة الاستبداد رسوخا في العالم الثالث، ذلك أن حدث ثورة 25 يناير لم يكن في خلاصته سوى غلبة التحرك الشعبي السلمي الذي يعبر عن إرادة الغالبية العظمى من جموع الشعب المصري، على آلة الاستبداد الكبرى التي كان يرتكز عليها حكم النظام السابق، عبر أجهزة القوات المسلحة والشرطة والإعلام، وسوى ذلك من أدوات الحكم التسلطي .
غير أن الحراك السياسي الدائر في مصر منذ ذلك الانتصار الجزئي للممارسة الديمقراطية السلمية، قد أثبت في مرحلة سيطرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة (بكل تفاصيلها)، ثم مرحلة سيطرة جماعة الإخوان المسلمين، منذ انتخاب محمد مرسي رئيسا لجمهورية النظام الجديد في مصر، أن الديمقراطية في مصر هي بالضبط عرس لم يكتمل، لأن أربع سنوات من ولاية مرسي في مصر قد أعلنت عن نفسها بفجاجة وصراحة كاملتين، منذ أشهرها الأولى، بل أيامها الأولى، أن مذبحة جديدة قد أقيمت للديمقراطية السليمة والمكتملة الأركان في مصر، بأدوات بعضها موروث كما هو عن النظام السابق، إضافة الى أدوات جديدة تم الكشف عنها في الأسابيع الأولى لحكم مرشح جماعة «الإخوان المسلمين» محمد مرسي. ولقد اتضح، أخيرا، في العملية التي حملت اسم الدستور الجديد، من كتابته حتى الاستفتاء عليه، لماذا حاربت جماعة الإخوان كل فصائل ثورة 25 يناير، على أسبقية الانتخابات الرئاسية على الدستور. إنها النية المبيتة لتجنيد كل عناصر التخلف الاجتماعي والأمية التي تسود قطاعات واسعة من جماهير الشعب المصري، للتعجيل بفرض جمعية تأسيسية لكتابة الدستور، ذات غالبية من جماعة الإخوان وجماعة السلفيين، ثم فرضه في استفتاء يمكن الاستفادة فيه من كل مقومات التزوير المباشر وغير المباشر للإرادة الشعبية، وذلك قبل فوات الأوان، وعودة الأمور إلى نصابها النابع من كل الحقائق والوقائع الجديدة التي كشفت عنها ثورة 25 يناير.
وقد اكتشفنا في عملية الاستفتاء الأخير على مشروع الدستور الذي كتبته مجموعة المنتسبين إلى التيار الإخواني والتيار السلفي، أن الديمقراطية السلمية لا يمكن أن تكون مجرد آلية تجر بها جموع الشعب الى صناديق الاقتراع، بينما تسيطر على عملية التصويت نفسها، وعلى صناديق الاقتراع، آلية استبداد حقيقي لا يريد أن يسمح أبدا لأي احتمالات ظهور حر لتعبير الإرادة الشعبية عن نفسها.
إن عملية سيطرة آليات حكم الاستبداد لجماعة معينة على الإرادة الشعبية العامة، كانت ظاهرة منذ أشهر عديدة، وتبدت في أكثر من تحرك منها:
– سيطرة الإخوان المسلمين على تشكيل الجمعية التأسيسية لكتابة مشروع الدستور الجديد، في المرة الأولى، مستبعدة معظم ممثلي جماعات الأطياف الأخرى في المجتمع المصري.
– حين أبطلت المحكمة الدستورية تكوين الجمعية التأسيسية الأولى، أصرت جماعة الإخوان على استخدام كل أدوات السيطرة في يدها، لإعادة تشكيل جمعية تأسيسية ثانية، تشبه الأولى.
وعندما لمح الإخوان احتمال قيام المحكمة الدستورية بإبطال تكوين الجمعية التأسيسية الثانية، كما فعلت مع الجمعية الأولى، أوعزوا الى أنصارهم لمحاصرة مقر المحكمة الدستورية، فمنع قضاتها من إمكانية الاجتماع للقيام بواجباتهم.
– إن هذه الواقعة وحدها كافية لإبطال مشروع الدستور الجديد، وعملية الاستفتاء عليه، لكنها لم تكن وحدها، ذلك أن جماعة الإخوان لم تترك أي وسيلة متخلفة لم تستخدمها في منع ظهور الاستفتاء بالتعبير عن الإرادة الحقيقية للجماهير، عبر وسائل عديدة:
– عدم التورع عن استخدام العاطفة الدينية لدى جماهير الفقراء المصريين بالذات، بإفهامهم أن التصويت بنعم هو تصويت لشريعة الله، أما الذي يصوت بلا، فهو يصوت ضد شرع الله.
– عدم احترام رغبة الغالبية العظمى من قضاة مصر بمقاطعة عملية الاستفتاء والإصرار على إقحام غالبية كبرى من غير القضاة للإشراف على الاستفتاء.
– إعاقة طوابير المنتظرين الذين لا يتمكنون من ممارسة حقهم في ممارسة الديمقراطية.
إن ممارسة ديمقراطية لها كل هذه المواصفات، هي أبعد ما تكون عن أساليب وروح ممارسة الديمقراطية في الدول المتقدمة التي تحاول جماعة الإخوان عبثا التشبه بها.
إن خلاصة ما تعنيه هذه الظواهر هو أن زمنا غير قصير ما زال يفصل بين مصر والوصول إلى درجة الممارسة الصحيحة للديمقراطية السليمة، في شكلها وروحها وفلسفتها.
إن ما شهدته مصر في اليوم الأول للاستفتاء على الدستور، لم يكن سوى تشويه معيب للديمقراطية شكلا ومضمونا.
 بقلم:  إلياس سحاب : كاتب سياسي لبناني

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى