fbpx
منبر

أزهار الربيع التونسي تصبح أحجارا

كان الأمل معقودا وما زال في أن تفرز ثورات «الربيع العربي» تجربة ديمقراطية نموذجية، ليس فقط في الآلية الانتخابية بدءا بالتنافس الحر بين الأطراف والقوى السياسية  وانتهاء بالاقتراع النزيه والحر، ولكن أساسا على مستوى النخب السياسية والتنظيمات الحزبية التي تتمثل مطالب الشعب وطموحات الثوار في الحرية والكرامة والديمقراطية. مرت سنتان على اندلاع الثورة التونسية، وقريبا منها الثورة المصرية ، دون أن يظهر في الأفق مخرج واضح للأزمات السياسية والاجتماعية والهوياتية التي تعمقت حدتها بعد وصول الإخوان إلى السلطة. لقد تعقدت أزمات هاتين الدولتين اللتين عاشتا الثورة وسقطت أنظمتهما السياسية، بسبب الانحراف الخطير الذي اتخذه مسار الثورة والأهداف التي استنسخها الحكام الجدد وجعلوها زورا أهداف الشعوب إياها التي ثارت من أجل تحقيقها وقدمت فداها شبابا في عمر الزهور بين قتيل ومفقود وجريح.
كانت انطلاقة الثورة في تونس ثم مصر إيذانا بانبلاج آفاق أرحب غذّت الآمال في إمكانية التغيير والإصلاح لدى الشعوب العربية، لكن الذي يجري على أرض الواقع صدم هذه الشعوب وخيب آمالها، وفرض عليها خوض ثورة ضد ثورة، أي فرض عليها أن تثور ضد من أفرزتهم الثورة «ديمقراطيا»، مما يعني أن الديمقراطية التي تحققت بالثورة ليست هي الديمقراطية التي كانت الثورة من أجلها، فالديمقراطية ليست فقط أحزابا وصناديق شفافة ونسب مائوية تحدد الفائز، بل الديمقراطية قيم وثقافة وسلوك، وتمثّل للذات في علاقتها بالآخر داخل وطن يتسع  للجميع بغض النظر عن الجنس واللون والمعتقد الفكري والديني والمذهبي، لأن هذه الأسس هي المدخل الوحيد لتأسيس الدولة الديمقراطية حيث سينعم التونسيون بما رفعوه من شعارات خلال ثورتهم ضد نظام بنعلي، إلا أن المسار الذي اتخذته حكومة النهضة حطم آمال التونسيين، وجعلهم ينتفضون ضدها. وعذرهم في هذا أن الظروف الاجتماعية والأمنية ازدادت سوءا عما كانت عليه على عهد بنعلي. فقد كشف عبد الرحمن الهذيلي، رئيس المنتدى الاقتصادي والاجتماعي أن حصيلة المهاجرين التونسيين  غير الشرعيين نحو أوربا بلغت أكثر من 40 ألف شاب تونسي خرجوا للهجرة عقب ثورة 14 يناير.  
وبخصوص الأوضاع الأمنية، تحدثت بثين، وهي  مواطنة تونسية، لموقع هسبريس، وقالت إن «الأوضاع الأمنية بعد بنعلي صارت خطيرة، بسبب قلة أعداد الشرطة وعدم قدرتهم على ضبط الناس، لتتحول أمور من قبيل التحرش الجنسي والسرقة الموصوفة إلى عادات يومية بعدما كانت ممنوعة لا يقدر أحد من الاقتراب منها في عهد بنعلي، الذي كان من أكبر حسناته تجريم التحرش وإعطاء المرأة التونسية مكانة مهمة في المجتمع كما تقول بذلك مختلف التحليلات». وأمام تردي الوضع الأمني لم تتردد بثينة  في نهاية حديثها، بالإقرار بالحقيقة التالية:»ندمنا..ندمنا على بنعلي..كل أمنيتي هي أن يعود ليحكمنا من جديد..». أمر خطير أن يعلو صوت فئات تونسية خاضت ثورتها ضد الاستبداد وعانقت الحرية بعد  معاناة لتجد نفسها في وضع اجتماعي وأمني أسوأ مما كانت عليه على عهد بنعلي. ليست شماتة في الثورة ولا تشاؤما، ولكنها الحقيقة التي يجب استحضارها، ليس فقط من طرف المسؤولين التونسيين على تدبير الشأن الحكومي، بل أيضا من طرف الشباب الطامح إلى الثورة في البلدان العربية التي لم تشهد ثورة، حتى لا تنتهي أحلامه إلى كوابيس وشعور بالإحباط يفقده كل أمل في العيش على أرض الوطن والمساهمة في إعادة بنائه بما يضمن لكل المواطنين الحرية والكرامة والديمقراطية. فالتونسيون لم يخوضوا ثورتهم ضد الرئيس بنعلي من أجل حرية التعبير وحدها، ذلك أن الحرية لن تملأ لهم بطونا، ولن تفتح له أوراش عمل، تنقذهم من العطالة والتهميش، فمطلب الشغل والأمن والكرامة لا يقل أهمية عن مطلب الحرية.   لقد اكتشف التونسيون أن الحكومة لم تكن جادة في وعودها التي تضمنها البرنامج الحكومي، الذي سبق لوزير التنمية الجهوية والتخطيط التونسي جلال الدين الغربي أن وعد، على ضوئه بتنفيذ 97 مشروعا تنمويا في مختلف جهات البلاد منها 74 مشروعا في أربع عشرة ولاية داخلية في حاجة إلى التنمية وقادرة على إحداث 593142 وظيفة، إلا أن لا شيء تحقق من هذا البرنامج، الأمر الذي فجر عدة احتجاجات وقرار الإضراب العام الذي تم إلغاؤه في آخر لحظة. ولم يكن الرئيس المرزوقي ذو الصلاحيات المحدودة والمدّة المحددة، ليسلم من غضب المواطنين في سيدي بوزيد، مهد الثورة؛ حيث رشقه المتظاهرون، يوم الاثنين 17 دجنبر الجاري، بالحجارة رفقة رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر، بمناسبة الاحتفال بمرور سنتين على انطلاق الثورة في تونس.
ولم يخف الرئيس المرزوقي  تفهمه للوضع وإقراره بفشل الحكومة وعزمه على تغييرها قائلا «أفهم هذا الغضب المشروع، إلا أن الحكومة حددت الداء وخلال ستة أشهر ستشكل حكومة تصف الدواء لشفاء البلاد مما تعاني منه». لكن لحد الساعة مازالت الحكومة نفسها تزاول عملها دون أن يظهر في الأفق أي تعديل حكومي  بسبب رفض حركة النهضة التعاطي مع دعوة الرئيس الجبالي رئيس الوزراء بتشكيل حكومة تقنقراط مصغرة، حتى لا تسقط في التجاذبات السياسوية.
أكيد أن الوضع في تونس يقتضي التعجيل باتخاذ قرارات جذرية تهم التخفيف من معاناة المواطنين وتشركهم في صياغة الحلول على المستويين المحلي والجهوي ، حتى تضمن الحكومة توفير السلم الاجتماعي ووقف الإضرابات والاحتجاجات التي أخافت المستثمرين على مصير أموالهم في تونس.
 بقلم:  سعيد الكحل : باحث مختص في الحركات الإسلامية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى