fbpx
حوار

إسبانيا أضحت الشريك الأول للمغرب بدل فرنسا

سفير إسبانيا في الرباط قال إن مصلحة البلدين تتحقق عبر التفاهم ومواجهة التحديات المشتركة

قدم سفير إسبانيا في المغرب، ألبرتو نافارو، تصوره للقفزة النوعية التي شهدتها العلاقات بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية، واستعرض السفير في حوار صحافي، التحول العميق لهذه العلاقات، ودوره في احتلال اسبانيا موقع الشريك الأول للمغرب في المجالات الاقتصادية والتجارية بدل فرنسا. وأورد ممثل الديبلوماسية الإسبانية رأيه في الآفاق المستقبلية للعلاقات الثنائية على ضوء التحديات المشتركة بين البلدين الجارين. وبخصوص نزاع الصحراء، أكد أن بلده يجب أن يعي أن الأقاليم الصحراوية شهدت تغييرات اقتصادية واجتماعية بفضل الاستثمارات الكبرى للمغرب في هذه المناطق، وأن هذه التغييرات يجب أخذها بعين الاعتبار لإيجاد تسوية لهذا النزاع. في ما يلي نص الحوار:

كيف تقيمون المرحلة الحالية من العلاقات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية بين إسبانيا والمغرب؟
نحن نعيش أفضل مراحل علاقاتنا، إنها فترة مميزة وآفاق المستقبل ممتازة، كما أن علاقات التبادل على المستويين السياسي والمؤسساتي مكثفة جدا، لقد سافر رئيس الحكومة الإسبانية، ماريانو راخوي، إلى المغرب مرتين، وكان آخرها لحضور القمة المشتركة بين البلدين، كما زار رئيس الحكومة المغربية عبد الإله بنكيران بدوره إسبانيا مرتين أيضا، وعقد رئيسا برلماني البلدين لقاء مشتركا، وحضر أمير أستورياس منتدى اقتصاديا على درجة كبيرة من الأهمية بمدينة الدار البيضاء، كما سافر إلى المغرب رؤساء أقاليم الحكم الذاتي لكتالونيا وجزر الكناري، ارتور ماس، ووباولينو ريفيرو، ولعدة مرات وزراء الخارجية والصناعة والزراعة والدفاع، والقائمة طويلة، كما سيقوم السنة المقبلة ملك اسبانيا خوان كارلوس بزيارة رسمية للمغرب.  
ويجب التذكير أن العلاقات الاقتصادية تمر بفترة جيدة للغاية، فوفق بيانات يوروستات (المكتب الإحصائي للاتحاد الأوربي)، تفوقت إسبانيا على فرنسا من حيث الاستثمار في المغرب، وتعد أيضا الشريك التجاري الرئيسي، إذ أن الفرق في الميزان التجاري مقارنة مع فرنسا في المغرب هو 800 مليون يورو لفائدة إسبانيا.
الأرقام تتحدث عن نفسها في هذا الشأن، فمن يناير إلى يوليوز من هذه السنة ارتفعت صادرات 20 ألف شركة اسبانية في اغلبها صغرى ومتوسطة بنسبة  22.4 في المائة، مما يجعل المغرب السوق الثاني خارج الاتحاد الأوربي لتصدير المنتجات الإسبانية، بعد الولايات المتحدة.
كما وصلت تغطية الميزان التجاري لإسبانيا  تجاه المغرب رقما قياسيا جديدا بمعدل 170 في المائة، وتتركز 52 في المائة من الاستثمارات الإسبانية في إفريقيا بالمغرب.
لقد تكثفت العلاقات بين البلدين في العديد من المجالات الأخرى، وقمنا بفتح خطوط بحرية جديدة لتقريب البلدين، من خلال ربط ميناء موتريل في إقليم غرناطة بميناء مليلية، على سبيل المثال، كما ارتفعت أيضا الرحلات الجوية بين البلدين، يمكن القول باختصار إن علاقاتنا شهدت قفزة نوعية مؤكدة.

قلتم إن اسبانيا أصبحت أكبر مستثمر وشريك تجاري للمغرب متقدمة على فرنسا، هل هذه الوضعية ناتجة عن معطى إستراتيجي أم مجرد ظرفية؟
نحن نعمل من أجل أن يكون هذا التحول إستراتيجيا ومهيكلا، أعتقد أنه تغيير عميق، كما أنه من المفيد الدخول في منافسة مع الدول الصديقة الأخرى، مثل فرنسا، وهذا ما نقلته للسفير الفرنسي في الرباط، تشارل فرايز، الذي هو صديق جيد. فكما قلت، دور إسبانيا في المغرب هو نتيجة لتغيير هيكلي في العلاقات الثنائية، ونحن نحافظ على علاقة جيدة بفرنسا، لأنه بلد شريك تربطنا به أواصر الصداقة، غير أن هذا لا يمنع من أن نتنافس معها في المجال الاقتصادي، فهذه مسألة طبيعية، لكننا نتكامل في الوقت نفسه داخل المغرب، لقد استفادت الشركات الإسبانية بشكل كبير من الاستثمار الضخم لشركة رونو بطنجة، إذ على سبيل المثال، يتم تصنيع محركات السيارات في فرع شركة رونو في منطقة “فالادوليد”، ويتم تصنيع علب تبديل السرعة في منطقة “سان جيرونيمو” في اشبيلية.
إن الجوار بين بلدين يعد عاملا يخدم التقارب، وتحديدا بين المغرب وإسبانيا، وكمثال فإن البرتغال تبيع داخل إسبانيا أكثر من مجموع ما تبيعه لكل أمريكا، وكما أسلفت الذكر، المغرب هو السوق الثاني لإسبانيا خارج الاتحاد الأوربي بعد الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى المغرب لتحسين العجز الكبير الذي يميز ميزانه التجاري مع إسبانيا أن يبذل المزيد من الجهد في هذا المجال.

ما الذي حدث حتى عرفت العلاقات الثنائية قفزة نوعية؟ هل أدرك البلدان أنهما بحاجة لبعضهما البعض؟
نحن نعيش ظرفية حساسة للغاية من الناحية الاقتصادية في إسبانيا وأوربا، وفي في ظل العولمة فان هذه الأزمة تؤثر أيضا على المغرب. فكلا البلدين نضجا بالفعل، وأدركا أنهما بحاجة إلى بعضهما البعض. لقد شهد المغرب تغييرات على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ولقد تغيرت كذلك النظرة إلى هذا البلد في إسبانيا، ويملك الرأي العام في الوقت الراهن رؤية واضحة، فالبلدان يعيدان استكشاف بعضهما البعض، والمغرب يوجه أنظاره نحو الشمال.
إن العلاقات بين الحكومتين ممتازة والانسجام بين ماريانو راخوي وعبد الإله بنكيران جيد جدا، فكلا الزعيمين يتفاهمان بشكل جيد للغاية. وتدرك كلا الحكومتين أن مصلحة إسبانيا والمغرب تمر عبر تفاهم جيد بينهما، لأن من شأن ذلك أن يولد الثروة والرفاهية في كلا البلدين.
إن حسن التفاهم يشمل الجوانب السياسية أيضا، ولا يقتصر على الناحية الاقتصادية، ولقد تم في هذا الإطار إحداث مراكز شرطة مشتركة يعمل فيها الحرس المدني والشرطة الإسبانية مع زملاءهم من الشرطة والدرك الملكي المغربي بدون مشاكل تذكر، مثل هذا التعاون غير موجود في أي مكان في العالم، حتى بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وفي المجال العسكري، نعمل سويا أيضا بشكل جيد للغاية، والزيارة الأخيرة لوزير الدفاع، بيدرو مورينيس إلى المغرب دليل على ذلك.

بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية، يلعب عامل الأمن بين ضفتي البحر المتوسط لصالح تحقيق التقارب بين البلدين؟
بالتأكيد، فمسألة الأمن بالنسبة إلى إسبانيا كما للمغرب أساسية، ولهذا فنحن بحاجة إلى تعزيز الحوار والتعاون بيننا، من أجل تحقيق علاقات وتعارف متبادل بشكل افصل، ولو أن بعض الأحكام المسبقة و”الكليتشيهات” ما تزال موجودة، وهو ما سيتم تجاوزه من خلال الحوار والتعارف بشكل افضل، ويلعب عامل القرب لصالح تحقيق هذه الغاية، وبلدانا في حاجة إلى مواصلة العمل لتحسين هذه العلاقة، وعلى المغرب الالتزام الثابت بتحسين صورته داخل اسبانيا، ويبذل جهودا كبيرة من خلال غرفة التجارة والصناعة والخدمات بمدريد، لكني اعتقد انه عليه اتخاذ المزيد من الخطوات.

 ما تزال هناك اختلافات بين البلدين، على سبيل المثال، حول نزاع الصحراء “الغربية” والوضع القانوني لسبتة ومليلية، كيف يمكن معالجة هذه التباينات في مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين؟
أعتقد أن الحوار هو السبيل الوحيد لذلك، ولا أرى شكلا آخر لتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى التعارف أكثر وبشكل أفضل، وإلى الحوار والتعاون في مختلف المجالات، هذا ما نقوم به في الوقت الراهن، والنتائج جيدة ويمكن أن تصير أفضل.
وبخصوص الصحراء “الغربية”، فإن على إسبانيا أن تعلم أن الوضع في هذه الأقاليم مختلف عما كان عليه في سنة 1975، فلقد حدثت تغييرات اجتماعية واقتصادية، بفضل الاستثمارات الكبيرة للمغرب، ومست هذه التغييرات سكان  هذه المنطقة، إنها عوامل يجب أخذها بعين الاعتبار للبحث عن حل لهذا النزاع.
أريد أن أؤكد أن علاقات اسبانيا والمغرب في درجة من النضج، لذلك قرر البلدان أن تنعقد القمة المشتركة بينهما سنويا، وحيث أن اسبانيا تعول على نيل مقعد بمجلس الأمن ما بين 2015 و2016، فنحن نعلم أننا سنحسب الحساب لدعم  المغرب.

ماذا يمثل وضع الشريك المميز الذي يحظى به المغرب لدى الاتحاد الأوربي بالنسبة إلى إسبانيا؟
إن اتفاقية التبادل الحر مع الاتحاد الأوربي عامل ايجابي لصالح الجميع، إن بالنسبة إلى الاتحاد الأوربي أو المغرب وأيضا اسبانيا، وعلى المغرب أن يبذل المزيد من الجهد لرفع صادراته نحو الاتحاد الأوربي وإسبانيا، كما أن وضعه المتميز لدى الاتحاد الأوربي يفتح الكثير من الفرص للمقاولات الإسبانية.

يمكن للمغرب أن يكون لاسبانيا مدخلا نحو إفريقيا، وإسبانيا يمكن أن توفر للمغرب أرضية للوصول إلى الأسواق في أمريكا اللاتينية؟
 بكل تأكيد فهذه العوامل تشكل دافعا إيجابيا، ويجب الأخذ بعين الاعتبار أن اسبانيا والمغرب يتجاوزان القواعد الرياضية من خلال الإمساك بيد بعضهما، لأن مجموع واحد زائد واحد سوف لن يكون إذن اثنين بل أكثر، فالبلدان يعدان بوابة لقارتي إفريقيا وأوربا، وواضح أن المغرب يحتل مكانة اقتصادية مهمة في إفريقيا، ومن ذلك يمكن لاسبانيا بفضل وجودها وتعاونها مع المغرب أن تفتح منفذا نحو بقية الدول الأفريقية، وبالمقابل، يمكن أن تكون إسبانيا داعما جيدا للمغرب في أسواق أوربا وأمريكا اللاتينية.
إن المزيد من استثمار الشركات الإسبانية في المغرب، سيمهد من ثم للتوسع بعد ذلك في أفريقيا، وفي هذا المعنى، فمدينة الدار البيضاء أصبحت مركزا تجاريا مهما من الناحية الاقتصادية والمالية وإسبانيا يجب أن تأخذ ذلك في الحسبان. وبالنسبة إلى المغرب، فإن إسبانيا هي منفذ جيد نحو أمريكا اللاتينية، من الناحية الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية والثقافية، ولهذا السبب دعي المغرب كدولة صديقة في آخر مؤتمر قمة لرؤساء دول وحكومات أسبانيا والبرتغال وأمريكا اللاتينية الذي عقد في قاديس.

عن صحيفة “كوريو ديبلوماتيكو”، ترجمة: عبد الحكيم اسباعي
(الناظور)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق