fbpx
حوادثمقالات الرأي

أبـومـسلـم: الحريات الفردية مطلقة أم مقيدة؟

تجريم الإثراء غير المشروع جاء تطبيقا لأحكام الدستور (2/1)

بقلم: الحـطاب أبـومـسلـم*

مما لا خلاف فيه أن الحريات الفردية التي أصبح يتمتع بها الإنسان – بعد كفاح شاق وطويل، ضد الرق والعبودية – هي أثمن القيم الإنسانية، بعد الحياة وأن هذه الحريات باعتبارها مُكنات طبيعية تخول أصحابها ممارسة حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية (أخلاقا وسلوكا).
غير أن هاته الحريات ليست مطلقة يفعل المتمتعون بها ما يشاؤون، بل هي مقيدة، ومحدودة بحريات الآخرين مما يتعايشون معهم ويتبادلون معهم المنافع والخدمات، لأن الإنسان – ومهما اتسعت حرياته – لا يستطيع أن يعيش منفردا ومحققا لنفسه الاكتفاء الذاتي.

قيود الحريات – وإن كان الأصل في الحريات هو الإباحة – تختلف باختلاف الأنظمة السائدة في كل دولة، فهي مصوغة من مجموعة القيم، كالأخلاق الحميدة، والآداب العامة التي بعث سيدنا محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام لإتمامها –بالنسبة للدولة الإسلامية- كما جاء في قوله الكريم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
وكالحفاظ على حياة الناس، وحرياتهم، وعلى أموالهم وأعراضهم، وعلى أمنهم واستقرارهم، وذلك بمقتضى قواعد آمرة لا يسوغ للأفراد تمسكهم بها ولو أضرت بغيرهم بدعوى سلطان الإرادة.
ولما كان من المتوقع ألا يتم احترام تلك القواعد والانصياع لأحكامها، فقد فرض المشرع الجنائي الوضعي (النافذ) لمن يخالفها جزاء يتمثل في عقوبات قد تصيبه في حريته، أو في حياته، أو في ذمته المالية، أو في وضعيته الاجتماعية وفي حقوقه السياسية، بله الغرض الأهم المتوخى منها، وهو إصلاح المحكوم عليه، وإعداده بمختلف الوسائل للاندماج مجددا في المجتمع، في إطار السياسة العقابية الحديثة الهادفة، احتراما لحقوق الإنسان التي يعض عليها المغاربة بالنواجذ تشريعا وسلوكا، وعين لها وزير دولة لحمايتها داخليا. والذود عنها خارجيا في مختلف المحافل الدولية. اهتماما بها، وبكرامة الإنسان أيا كان جنسه أو جنسيته أو لونه.
وفي إطار التحرك التشريعي بشأن تغيير وتعديل بعض الفصول من القانون الجنائي (الحالي) برفع التجريم عن بعض الأفعال التي تمس مكارم الأخلاق والآداب العامة التي تغذى بلبنها المغاربة المسلمون، وتربوا عليها وترعرعوا في أحضانها جيلا بعد جيل، حتى أصبحت مكتسبات تشبه المعتقدات الدينية، أو تمس الدماء والأموال، وتُضفي على الاعتداء عليها صفة الفساد (المالي، والفساد الأخلاقي)
وفي ضوء ما أخبرت به جريدة “الصباح” ونشرته بتاريخ 20 نونبر 2019 في عددها 6068 وفي صفحتها الأولى من أن “أزمة حكومية تلوح في الأفق حول تعديل القانون الجنائي بشأن رفع التجريم عن العلاقة الجنسية الرضائية بين الرجل والمرأة ” بدعوى أن الإبقاء على التجريم يؤدي إلى إحراج كبير للمغرب من خلال ما روته سائحة أجنبية لوسائل إعلام بلدها، كانت على علاقة بمغربي بمراكش، وإلى المس بالحريات الفردية، وكذا تغيير الفصل 262 مكرر المتعلق بتجريم “الإثراء غير المشروع”، والفصل 448 وما يليه المتعلق بالإجهاض.
رأينا أنه من الواجب علينا – وعلى غيرنا– أن نعلن رأينا في هذه الفصول مرتبة بأرقامها (262 مكرر، و449 وما يليه، و490) لأن السكوت أخو الرضى. وعلى النحو التالي:
أولا –الفصل 262 مكرر:
ينص هذا الفصل على أنه “دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بغرامة من 3000 إلى 15.000 درهم كل شخص ملزم بالتصريح بالممتلكات نظرا إلى مهام يمارسها أو إلى نيابة انتخابية يتولاها، والذي لم يقم بالتصريح المذكور داخل الآجال القانونية بعد انتهاء مهامه أو نيابته، أو أدلى بتصريح غير مطابق”.
وفي الحقيقة، فإن هذا الفصل جيء به جزاء لمن لم يستجب لمقتضيات الفصل 158 من دستور 2011 الذي ينص على أنه “يجب على كل شخص منتخبا كان أو معينا، يمارس مسؤولية عمومية أن يقدم، طبقا للكيفيات المحددة في القانون تصريحا كتابيا بالممتلكات والأصول التي في حيازته بصفة مباشرة أو غير مباشرة بمجرد تسلمه لمهامه، وخلال ممارستها وعند انتهائها”. كما يشكل مضمونه “جريمة الإثراء غير المشروع”.
بيد أنه يلاحظ على هذا الفصل أنه لم يستوعب كل الحالات التي أوردها الفصل 158 من الدستور، لأنه اهتم بالنهاية (بعد انتهاء مهامه أو نيابته)، ولم يهتم بالبداية (بمجرد تسلمه لمهامه)، مع أن هذه الحالة الأخيرة هي المرجع والأساس في الوقوف على الإثراء وحجمه، فكان بذلك مخالفا للدستور، كما لم يهتم بوجوب التصريح بممتلكات الأزواج والأولاد القاصرين. كما يلاحظ عليه أيضا أنه اكتفى معاقبة من لم يقدموا تصريحاتهم بالمرة أو تلاعبوا فيها بغرامة بين 3000 و15.0000 درهم، وهي عقوبة تشجع على الفساد (المالي) وتكاد تشبه عقوبة الأب لولده المدلل. ولذلك فقد كان ينبغي أن تكون هاته العقوبة في مستوى العقوبات عن جرائم الأموال المنصوص عليها في الفصول 241 إلى 256 من القانون الجنائي، (حبسا وغرامة)، مضافا إليها وعلى سبيل الوجوب، العزل، والحرمان من ممارسة أي مسؤولية عمومية لمدة لا تقل عن ست سنوات عقوبتين إضافيتين، معاملة للفاعل بنقيض قصده، وذلك لأن التصريح بالممتلكات يعتبر من أهم وسائل اكتشاف الفساد، باعتباره مَصَباًّ لكل الموارد التي تتدفق من مختلف القنوات المخفاة عن الأنظار وفي غياهب الظلام الدامس.
ويبدو أن تجريم الإثراء غير المشروع الذي أصبح يكتسي هذه الأهمية وأوحت به مكافحة الفساد (المالي) والتصدي له في جميع بؤره – لم يأت من فراغ، وإنما جاء تطبيقا لأحكام الدستور الذي صوت عليه الشعب المغربي بالقبول، وإحياءً لعمل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ومحاكاة لبعض التشريعات العربية. فقد نص عليه الدستور في الفصل 158 السابق ذكره، وجاء في كتاب سيدنا عمر بن الخطاب إلى عامله في البحرين أبي هريرة: ” لقد وليتك البحرين وليس لك نعلان، فمن أين لك هذا؟، أسرقت مال الله؟، فمن أين لك عشرة آلاف درهم؟” فأجابه بأن خيله تناسلت وتلاحقت الهدايا إليه. فقال سيدنا عمر: “أي عدو الله هلا قعدت في بيتك فينظر أيهدى إليك أم لا؟”؛ ولهذا وشبهه أرسل من حاسب الولاة وصادر أموالهم، أو شاطرهم إياها. ومن جهة أخرى فقد نشرت جريدة أخبار اليوم (المغربية) بتاريخ 14 شتنبر 2012 في عددها 8557، وفي صفحتها الأولى، خبراً موضوعه أن محكمة جنايات القاهرة أصدرت الخميس 13 شتنبر 2012 حكما بإدانة رئيس وزارة أسبق بجرائم الفساد المالي وبحبسه ثلاث سنوات وتغريمه 9 ملايين جنيه، بعد أن كانت النيابة العامة قد تابعته بتهم استغلال وظيفته لمراكمة ثروة كبيرة تتنافى ومصادر دخله، بلغت 65 مليون جنيها، وهي عبارة عن عقارات وشركات ومؤسسات تعليمية….
والظاهر أن نشر هذا الخبر يعتبر في حد ذاته رسالةً مفتوحة إلى كل من أراد قراءتها بإمعان وتدبر (أو يعيد اليوم قراءتها)، وكانت له الإرادة الصادقة لمكافحة الفساد المالي، ومحاربته على جميع الأصعدة ومختلف المستويات، وما أحوج مشرعنا الجنائي والشعب المغربي (حكاما ومحكومين) إلى خوض حرب لا هوادة فيها تشبه معركة جنايات القاهرة التي قضت بعقوبة سالبة للحرية لتؤدي العقوبة بعض أهدافها ولتحقق الحِكمة منها “العقوبات موانع قبل الفعل زواجر بعده”.
* دكــتـــــــور فــــــي الحـــقـــــــوق
الإجـــازة العــلـيـــا فـي الشـريــعـة
رئيس غرفة سابق لمحكمة النقض
قاض شرفي من الدرجة الاستثنائية
محــــام بـهـيــأة البـيـضــاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى