خاص

بوزنيقة … بين القرية والمدينة

احتلال الملك العمومي وتأخر إنجاز المشاريع والتجربة الاستقلالية في قفص الاتهام

تقف بوزنيقة على أبواب الحضارة، متوجسة في دخول عوالم التمدن، فرغم مؤهلاتها النموذجية في تدبير الموارد، والسعي نحو الاستقلالية عن دعم الدولة، واستخلاص ضرائبها، إلا أن عقدة القرية ما تزال ترافقها، بالنظر إلى عدم ولوجها عالم الصناعة والاستثمار إلا في العقود الأخيرة، كما أنها ما تزال تعاني بعض العوائق، من قبيل احتلال الملك العمومي، وتأخر بعض المشاريع، والسعي إلى عدم السقوط في فخ “مرقد” المدن المحيطة بها، ما يجعل التجربة الاستقلالية التي حكمت المدينة في قفص الاتهام.
إنجاز: عصام الناصيري وتصوير (أحمد جرفي)
تقع بوزنيقة بين العاصمتين الاقتصادية والإدراية للمملكة، وهي مدينة ساحلية، مرتبطة بشبكة مواصلات قوية، أهمها السكة الحديدية والطريق السيار، وتتمتع بشاطئ بحري من بين الأفضل على صعيد المملكة. ويسير المجلس الجماعي لبوزنيقة منذ زمن بعيد من قبل حزب الاستقلال٬ إذ من نهاية التسعينات هيمن الحزب على الرئاسة، وفي الانتخابات الجماعية الأخيرة فاز المرشح نفسه٬ وحصل على الأغلبية، بينما اختار مرشحو العدالة والتنمية صف المعارضة.

قلعة استقلالية

يقول مصدر من حزب الاستقلال بالمدينة٬ في تصريح لـ “صباح”، “إن المجلس البلدي يضم 27 عضوا، وكان حزب الاستقلال يحصل على 25 مقعدا، وهو ما يفسر ارتباط بوزنيقة بحزب “الميزان”، واستمر هذا الوضع إلى حين 2015. لكن بمجرد اعتماد نمط الاقتراع باللائحة تغيرت الأمور نوعا ما، إذ حصل حزب الاستقلال على 12 عضوا في الانتخابات الأخيرة، فيما تقاسم الحركة الديمقراطية الاجتماعية والعدالة والتنمية الباقي، إلا أن الاستقلال حافظ على تسيير المدينة”.
والمطلع على تاريخ المدينة، يعرف أنها كانت شبه قروية، لكنها اليوم أصبحت مدينة، بالنظر إلى حجم المساحات الخضراء التي أصبحت تتوفر عليها، بالإضافة إلى ألعاب الأطفال في الأحياء الشعبية، كما أن ما يميزها اليوم، هو أنها بدون أحياء صفيح، إذ تمكن المجلس في أجل ثلاث سنوات، من القضاء على “البراريك” القصديرية، إذ حارب مجموعة من “الكاريانات”، وخصص لها بقعا أرضية بأسعار رمزية، عكس ما هو معمول به في بعض المدن الأخرى، التي تشترك فيها أسرتان في بقعة واحدة”.
ويقول امحمد كريمين٬ رئيس المجلس البلدي لبوزنيقة٬ في حديثه مع “الصباح”٬ “كانت توصف بوزنيقة قبل 1997 بالقرية، خاصة أنه في تلك الفترة فتح الطريق السيار الرباط ـ البيضاء، وكانت تعتمد على هذا الممر الطرقي فقط، واقتصادها موجه نحو إرضاء العابرين”، مردفا “كانت هناك منطقة صناعية بالمنطقة، أسسها صندوق الإيداع والتدبير في 1982، لكن لم يكن مسموحا له ببيع البقع، لأن صاحب الجلالة الحسن الثاني رحمه الله، أمر بأن يكون إقليم بنسليمان بما فيه بوزنيقة إقليما أخضر، خاصة أنه يوجد بين العاصمتين الرباط والبيضاء، وأراد لهذا الإقليم أن يكون متنفسا، إلا أن ترجمة هذا الأمر المولوي لم يفهم جيدا، ومنع جميع الصناعات حتى تلك غير الملوثة”.
ويضيف كريمين أنه “بمجرد قدومنا لرئاسة المجلس سنة 1997، حرصت على أن يكون أول ما أقوم به، هو عقد لقاء مع المرحوم إدريس البصري، وفسرت له وضعية المدينة، وحينها كلف أحمد الحليمي الذي كان وزيرا للشؤون العامة في حكومة الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، بأن يجد معنا حلا لهذا الإشكال، وحينها أصدر دورية وزارية حددت فيها أنواع الصناعات التي يمكن أن تشيد ببوزنيقة، وهو ما أعطى للمدينة الضوء الأخضر لتستقل بذاتها وتصبح وجهة من واجهات الاستثمار”.

مناصب شغل

يؤكد كريمين أنه يمكن القول إن الترخيص الذي منحه إدريس البصري للمنطقة الصناعية ببوزنيقة، كان بمثابة انطلاقة كبرى، لأنه مباشرة بعد الترخيص حلت شركة بالمنطقة، وأنشأت معملا على مساحة 5 هيكتارات، يهم تشغيل أكثر من 2500 شخص، والتي تشتغل في ميدان صناعة الكابلات، الموجهة للسيارات، والتي لا تتطلب تكوينا كبيرا، مبرزا أن التكوين “كان يطرح لنا إشكالا كبيرا، إذ كنا في حاجة إلى صناعات لا تتطلب مهارات عالية بالنظر إلى طبيعة العاملين، الذين لا يتوفرون على مستوى تكويني وتعليمي كبيرين، وكان من المفروض علينا البحث عن شركات يمكنها استيعاب هؤلاء العاملين بتكوينهم المحدود”.
ويوضح المتحدث ذاته٬ أن الأمور تطورت، إذ “فتحنا أقساما للتكوين، يتمثل عملها في تزويد العاملين بالتكوين المناسب الذي تحتاجه الشركات المستثمر ة في المدينة، وما يزال محافظا على نشاطه إلى حدود الساعة”. وتطور القطاع الصناعي بالمدينة، إلى درجة أنه أصبح اليوم يستوعب حوالي 4 آلاف منصب شغل.

احتلال الملك العمومي

تعاني بوزنيقة مجموعة من التحديات٬ وأبرزها احتلال الملك العمومي، خاصة بشوارعها الرئيسية، التي تؤثر على جماليتها٬ وتعطي صورة سلبية على المدينة، ويعلق رئيس المجلس البلدي على هذا التحدي بالقول “هناك احتلال للملك العام المرخص، وآخر عشوائي، والذي يعطي تراخيص هذا الاحتلال لممارسة نشاط تجاري هو مجلس المدينة، فهناك من يتقدم لنا بترخيص لاكتراء مكان ما لممارسة نشاط تجاري أو غيره، وبدورنا نرسل لجنة مكونة من قطاعات مختلفة، وهي من توافق على الطلب من عدمه، وخارج هذا الإطار فكل من يحتل الشوارع والأزقة فإنه يحتله بطريقة غير قانونية”.
ويضيف كريمين، أنه لا يمكن تبرير احتلال الملك العام بسهولة، مبرزا أنه بالمقابل هناك مؤشرات ساهمت في انتشار هذه الظاهرة، مشيرا إلى أن هناك محطة شهدت تفريخ الكثير من المناطق التجارية العشوائية، وهي السياقات التي رافقت فبراير 2011.
وأما بالنسبة إلى اللجان التي يشكلها المجلس من أجل النظر في تراخيص الاحتلال المؤقت، فلا يمكن أن نرخص لشخص سيعرقل حركة المواطنين أو يشوه منظر الشوارع حسب المتحدث ذاته.
ويضيف كريمين، أنه “بعض أصحاب العربات وغيرهم من محتلي الملك العام، استغلوا فرصة فبراير 2011، من أجل الاستيلاء على بعض الأماكن، لأن السلطة تخلت عن بعض أدوارها، ولا يقتصر الأمر على بوزنيقة بل جميع مدن المملكة٬ التي شهدت هذا الواقع، لكن من جانبنا لن نبقى مكتفي الأيدي، إذ رفعنا ملتمسات إلى العمالة من أجل الحرص على الملك العام، وإزالة الذين لا يتوفرون على الرخص، لكنهم يطالبوننا بتسوية وضعية هؤلاء الأشخاص، على حساب ميزانية الجماعة”.

استقلالية مالية

يمكن القول إن المجلس الجماعي لبوزنيقة، نموذج فريد مقارنة بباقي الجماعات الترابية، في ما يتعلق بتدبير موارده ومصادر تمويل ميزانيته، ففي الوقت الذي نجد فيه أغلب الجماعات تعتمد على ضريبة القيمة المضافة على الدخل، وإعانات الدولة، ويرى رئيس المجلس الجماعي لبوزنيقة أنه”وبالنظر إلى ميزانية الجماعة، فسنجد أن الضريبة على القيمة المضافة لا تمثل سوى نسبة 18 بالمائة، كما أن الضرائب المحولة من الدولة إلى الجماعة لا تتجاوز نسبتها ما بين 16 بالمائة، أي أن هذه الضرائب مجتمعة تستقر عند حاجز 30 بالمائة، بينما حوالي 70 بالمائة عبارة عن موارد ذاتية، ومن الصعب على أي جماعة اليوم أن تكون لديها هذه المؤشرات، إلى درجة أنه إذا توقف دعم الدولة سنتمكن من الاستقلال المالي الذاتي”.
وبالنسبة إلى الطريقة التي تدبر بها ميزانية الجماعة، يقول كريمين”أسسنا نظاما خاصا بنا في تطبيق الضريبة على الأراضي غير المبنية، لأن مفهوم هذه الضريبة لم يستوعبه الرؤساء السابقون بطريقة صحيحة، لذلك كانوا يطبقونها على القطع الأرضية والبقع غير المبنية، وبالإضافة إلى هذا كان من الواجب تطبيقها أيضا على الأراضي المفتوحة في وجه التعمير، غير أن أربابها لا ينشؤون بها مشاريع عقارية، ويخصصونها للمزايدات والمضاربات، وتحملنا مسؤوليتنا داخل الجماعة، من أجل تحصيل هذه الضرائب، إلى درجة أننا لجأنا إلى القضاء في مواجهة ملاكين كبار، من بينهم مؤسسات كبرى، من قبيل صندوق الإيداع والتدبير، وفوزنا بهذه القضايا”.
ويضيف المتحدث ذاته٬ أنه “يمكن القول إننا خضنا المسار الصحيح في ما يتعلق بالتحصيل الضريبي، ففي 2005 أعطى وزير الداخلية في البرلمان، مثالا ببوزنيقة، إذ أكد أن مداخيل الضريبة على الأراضي غير المبنية بالمدينة شكلت 15 بالمائة على الصعيد الوطني، وأشار إلى أن هذا هو التوجه الصحيح، وأصدر أوامره للعمال ورؤساء الجماعات بإتباع خطى بوزنيقة في هذا المجال”.
وأما في ما يتعلق بالمصاريف، فيقول”إننا نحاول التقليل من المصاريف، خاصة في التوظيف، فرغم أن مشروع الميزانية يتيح لنا تشغيل 40 موظفا، إلا أننا لا نوظف إلا المقاعد التي نحن في حاجة ماسة إليها، كما أن مصاريف الموظفين لا تتعدى 20 بالمائة من مصاريف البلدية، وهذا رقم لا يمكن أن تجده في جماعات أخرى، إذ هناك من تذهب نسبة 80 بالمائة إلى الموظفين، وهذا الأمر غير سليم، ونعتبر أن عقلنة شؤون تدبير الجماعة من المسائل الأساسية”.

تـــحــــديـــــات

أقام أعضاء من حزب العدالة والتنمية الدنيا ولم يقعدوها في ما يتعلق بالنظافة العام الماضي، خاصة بعد إنجاز تقرير من قبل اللجنة الدائمة للسير والجولان والصحة والرياضة والبيئة وتتبع قطاع النظافة، تحدث عن أن المدينة تغرق في الأزبال، بينما الشركة المفوض لها تدبير القطاع عاجزة عن مواجهة الوضع.
وجاء في تقرير اللجنة على أن هناك معاينة قام بها أفرادها في فترات متفاوتة٬ إلا أن كريمين له رأي آخر في ما يتعلق بهذا الخصوص٬ إذ قال في تصريحه “للصباح” ” أدعو المسؤولين للقيام بجولة بالمدينة لاكتشاف إلى أي مدى نتوفر على شوارع نظيفة”، مبرزا أنه “يجب أن يكون الشخص الذي يمارس المعارضة عادلا في أحكامه، فإذا كانت دفاتر التحملات تفرض على شركة التدبير المفوض، جولتي نظافة في اليوم في الصباح والمساء، وإذا مر أحد الملاحظين 5 دقائق بعد التنظيف فإنه سيقول إن الشوارع نظيفة جدا، بينما إذا قامة بجولته 5 دقائق قبل التنظيف سيقول العكس تماما، لهذا أدعو المواطنين والمسؤولين للقيام بجولة في المدينة، وسيكتشفون أن النظافة ببوزنيقة يمكن مقارنتها بمستوى المدن الكبرى، التي تدبرها الشركات الدولية”.
وأما بالنسبة إلى السوق الأسبوعي، فيشكل بدوره أحد التحديات٬ خاصة أنه يقع في قلب المدينة٬ ويخلف النفايات والروائح الكريهة٬ ويقول كريمين في هذا الصدد٬ “إن المجلس وافق على تحويله إلى مكان آخر، إذ كان بإمكاننا إزالته بشكل كامل، لنقل أننا لم يعد بإمكاننا التصرف كما لو إننا في مجال قروي، لكن غلبت فكرة الإبقاء على السوق، باعتباره مهما ويمثل تقاليدنا، والآن نحن بصدد التفكير في هذا الأمر، إذ رصدنا استثمارا، وننتظر تحويله إلى مكان آخر يبعد عن مركز المدينة بثلاثة كيلومترات، في اتجاه ابن سليمان، واعتمدنا فيه معايير عصرية، إذ أحدثنا فيه أيضا منطقة حرفية، ستتركز فيه جميع الحرف الملوثة، بالروائح أو تلك التي تحدث الضجيج، حرصا على راحة السكان. كما أن هذا المشروع يرع مسألة القرب إلى السكان، خاصة أن المسافة غير بعيدة جدا”.
وسيمتد السوق الجديد على مساحة عشرة هكتارات، منها هكتاران ونصف مخصصة للمرأب، وهكتار مخصص للمنطقة الحرفية.
ومن التحديات الأخرى التي تعرفها بوزنيقة٬ هي مخالفات البناء. يقول كريمين في هذا السياق٬ “إن حركة التعمير التي تعرفها المدينة، بالفعل تطرح إشكالية مخلفات البناء، إذ هناك ظاهرة يقوم بها بعض الملوثين، فرغم أننا خصصنا مكانا للتخلص من هذه المخلفات، إلا أنهم يستغلون الليل للتخلص منها في غير مكانها، والإشكال أنه لا يمكن للبلدية ترتيب عقوبة على هؤلاء الملوثين، يمكن باستثناء الغرامة التي ليست وسيلة ناجعة، عكس حجز الشاحنة التي أعتقد أنها يمكن أن تفي بالغرض، لكن ليست لنا هذه السلطة، ولهذا فإننا دائما ندعو السلطة إلى التعاون معنا في هذا المجال، لأن هؤلاء الأشخاص يلوثون بكثرة”.

تعليق واحد

  1. اسكن في مدينة بوزنيقة من حوالي سنتين، ولم تتمكن ساكنة هذه المدينة من الانعتاق من الحياة الريفية، في تصرفاتها حيث نجد القطعان ترعى في كل نكانغ، والعربات الخشبية المجرورة بالبغال والحمير ، اما السوق الاسبوعي فهو يحتاج الى مجهودات كبيرة لتنظيمه وافلاته من اصحاب الاتاوات التي تمر على كل البائعين لاستخلاص المال دون تقديم اي سند رسمي ، فترى شخص يتحزم بكامل نقود ومعه أربعة فتوات ولم ارى ابدا مو في البلدية يقومون بهذا العمل الذي وجب تحويل ارادته الى خزينة الدولة.من ناحية أخرى هناك احياء حديثة النشئة ليس بها حاويات قمامة مما يلزم الساكنة لحمل سطولهم والمشي لمسافات بعيدة للتخلص منها.
    اجمالا تتوفر المدينة على مؤهلات رائعة وجب توظيفها بالشكل الاستراتيجي البعيد لتنعش المدينة حيث أنها تفتقر إلى المعامل والمشاريع المدرة للشغل، كما اتمنى تاطير سوق السمك ومراقبته بشكل دائم بالتوازي مع المطاعم التي تعمل بشكل عشوائي دون نسيان حراس السيارات الذين يرفضون اسعارهم حاملين كوبونات وهمية ويستغلون مواقف الابناك ، فإذا وقفت امام البنك تجده يطلب منك المبلغ مستندا انه ضمن المساحة المأجورة لهذا الغرض ضانين اننا شذاجا او نعيش في عالم اخر غير المغرب. اتمنى من القائمين على هذه المدينة التحرك للنهوض بها قبل أن تغزوها التجمعات الإسمنتية التي ابدت تفوق عدد الساكنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق