fbpx
ربورتاج

“غرباوة”… دوار من القرون الوسطى

مجمع سكني منسي على أطراف مراكش يقطن سكانه في زرائب آيلة للسقوط
من فوق سطح هار لمنزل بدوار غرباوة بمقاطعة النخيل بمراكش، يبدو المشهد مؤلما: في الجهة الأمامية، فسيفساءٌ من المباني العشوائية والأزقة الضيقة المتداخلة المثخنة بالأثاث المنزلي الذي ضاقت به البراريك، وفي الجهة الخلفية، تتراءى أنوار نخيل، بهية وسط الإقامات الفارهة والفنادق والحدائق والرياضات والقصور الشاسعة التي تستريح وسط الواحات الخضراء، لتتأكد للمرة الألف أن القضية “ماراكباش”، كما يقول المراكشيون في أوج مزاجهم الرائق.

يوسف الساكت (موفد الصباح إلى مراكش)

سياج من زرائب المواشي يحجب الرؤية عن الواجهة الأمامية للمنازل الطينية الواطئة لدوار غرباوة.
يبدو المكان، من بعيد، أنه خارج من حرب خاسرة، أو لقطة من مشهد من فيلم تاريخي عن القرون الوسطى، إذ تتطلع النساء والصغار بملابس شبه رثة، بعيون تائهة، إلى الزائرين، ثم يختفون رويدا بين ثنايا أزقة ضيقة، يُرى فوقها من بعيد، بناء عشوائي في شكل صومعة لا تخطئها العين.

حبل الثقة
الاقتراب من دوار “غرباوة” محفوف بالمخاطر، ليس لأن قاطنيه لا يحبون الغرباء، بل لفقدانهم الثقة في بعض زوار “الغفلة” الذين لا يتذكرون وجودهم فوق التراب، إلا أثناء الحملات الانتخابية، أو خلال هبات منتصف الليل، حين يحشد الباشا والقائد “جيشا” من الأعوان مدججين بسيارات وشاحنات و”طراكسات” لتجريف الحضائر العشوائية الموجودة أمام المنازل، وتشريد عشرات رؤوس الأغنام والدواجن في الخلاء.
لهذا السبب لا يثق سكان “غرباوة” في أي أحد، ولذلك أيضا استعنا برفيق فسح لنا طريق “ألفة” معهم خططنا أن تستغرق أقل من ساعة، فامتدت لثلاث ساعات دون انقطاع قال لي (يوسف. ف) في نهايتها، وهو يوصلني إلى الطريق بدراجته النارية: “مازال مشفتي والو.. هاد شي للي شفتي كامل غير نقطة في بحر معاناة تمتد لستين سنة”.

الجد الأول 
قد ينسى سكان الدوار أشياء كثيرة تسقط من بال مثخن بالمشاكل، سوى اسم سي محمد الغرباوي، الرجل الطيب الذي أسلم الروح في 1999، وإليه يعود الفضل في إيواء عدد من الأسر والعائلات بهذا المكان، إذ كان “يقتطع” من منزله بيوتا وغرفا ويمنحها إلى الأبناء والغرباء والهاربين من شظف الحياة ومواسم القحط والجفاف من مدن مجاورة إلى هوامش مراكش.
يتحدر محمد الغرباوي من جهة الغرب وكان موظفا بإدارة المياه والغابات بالقنيطرة، وتحت اسمه سجل صكُ هذا الدوار الذي بنيت أول منازله وسط غابة أشجار كثيفة ومثمرة كان يتكلف بحراستها وغرس فسائلها، ثم تحولت البيوت القليلة إلى مجمع سكني عشوائي صغير محاط من الجهة الخلفية أراضي الحبوس، ومن الجهة الأمامية بأراضي دوار “حانون البقال”، أو ما يسمى أراضي التقسيم، أي الأراضي التي وزعها الملك الراحل محمد الخامس على بعض المواطنين بظهائر شريفة.
تمر السنوات بسرعة وتتضاعف أعداد عائلات “غرباوة” التي وصلوا في السنوات الأولى من بداية 2000 إلى 170 أسرة تقريبا تعيش في خرب صغيرة، عبارة عن بيوتات وغرف صغيرة مشيدة بالأجور والطين دون إسمنت أو حديد، وسقفها من ألواح وأعمدة خشبية متراصة على نحو متواز.
والغريب أن السلطات الإدارية لم تنتبه إلى وجود دوار من العصر الوسيط يبعد بأمتار قليلة عن أرقى مدن المغرب، إلا مع اندلاع الموجة الأولى من الحراك العربي في تونس، حيث حل أعوان بالمكان وحرروا محاضر وأجروا إحصاء لعدد السكان والمنازل، ثم ذهبوا إلى حال سبيلهم.

رزق حار
وسط ورشته الصغيرة التي يستغلها في الوقت نفسه زريبة لثلاثة رؤوس من الأغنام وخما للدجاج ومخزنا للمتلاشيات، يقف محمد الزياني بقامته الطويلة ولحيته غير المشذبة، وقال ل”الصباح”: هادا هو مصدر الرزق ديالي أنا ومراتي وجوج ولاد واحد مازال كيقرا وواحد خرج كيضبر على راسو”.
وأشار محمد (من مواليد 1983) بأصبعه إلى كومة من الأخشاب موضوعة في زاوية من الزريبة، مؤكدا أنه يستيقظ في الصباح الباكر ويطوف بعربته على حاويات الأزبال قرب التجمعات التجارية ويجمع بقايا أخشاب الصناديق المهملة، يعود بها إلى ورشته، يقطعها، ثم يعيد بيعها إلى أصحاب الأفرنة.
قال محمد “كل نهار ورزقو، شي نهار كنصور 1000 ريال وشي نهار 800…وشي نهار ألف فرنك عايشين بيها حنا والبهيمات والفريرجات ديارنا..اشنديرو نمشيو نسرقو”.
يعيش محمد الزياتي رفقة أسرته في بيت بسقف خشبي واطئ لا تتجاوز مساحته 35 مترا مربعا مكون من غرفة للنوم، وما يسمى مطبخا يستعمله ولداه الاثنان للنوم، إضافة إلى مرحاض ضيق.
حين دخل محمد بجسده وقامته الفارهة إلى البيت ليطلعنا على الوضعية البئيسة، التي يعيش فيها كاد المكان يغلق، بسبب الضيق وقلة التهوية وكثرة الأثاث الذي وضع جزء منه في الخارج.

مناسبتان وزيارة
يوسف الشاب المتعلم والبشوش، الذي يحب التدوين في مواقع التواصل الاجتماعي، قال لي “أغلب السكان هنا مضطرون لوضع جزء من أثاثهم المنزلي في الخارج، مثل خزانات الملابس وآلات التصبين والأفرنة، رغم غزوات لصوص الليل الذين “يكرطون” أي شيء يجدونه أمامهم، خصوصا الدراجات النارية”.
اقترح يوسف (متزوج وأب لطفل) مرافقتنا في جولة في دوار لا يتورع في وصفه أنه عار على جبين المغرب الحديث. وقال لي إن القاطنين يوجدون في وضعية حصار محرومون في أبسط شروط المواطنة، عدا طبعا الحصول على البطاقة الوطنية والتسجيل في اللوائح الانتخابية.
الدولة لا تتذكر وجود هذا المكان على خارطة مراكش الا في مناسبتين: الأولى هي انتخابات كل أربع سنوات، إذ تتساقط الوعود مثل زخات ثلج على السكان، والثانية هي حملات التفتيش الكبرى التي تتزامن مع وصول رجل سلطة جديد إلى المقاطعة الإدارية، إذ يحشد جيش من الأعوان والقوات المساعدة والجرافات والشاحنات لاقتلاع الزرائب والحظائر من مكانها بطريقة سادية أحيانا، مع استعداد كامل لاستعمال العنف ضد أدنى حركة احتجاج، ما تبرره سيارة الإسعاف التي تحضر ضمن فريق التدخل.

الموت مجانا
طلب يوسف من جاره يوسف الغرباوي، وهو أحد أحفاد محمد الغرباوي الجد، سلما استعنا به للصعود إلى سطح أحد المنازل لتشكيل رؤية بانورامية عن المكان، أما مرافقي فقد كان له هدف آخر هو التقاط صور للخيوط المتشابكة والعارية للتيار الكهربائي الموضوعة كيفما اتفق على الأسطح، حتى اهترأت من تعاقب الفصول وأضحت خطرا على السكان، بسبب التماسات القوية التي تحدث خلال هطول الأمطار.
علق يوسف “فعلا هاد الناس عطونا الضو فابور، لكن عطونا حتى الموت معاه فابور”، مؤكدا أن الطريقة العشوائية للربط بالكهرباء تهدد حياة الأطفال كل دقيقة، كما تتسبب في خسائر جسيمة لاجهزة منزلية إلكترونية اقتناها الناس هنا من الخردة، بعد تجاوز قوة الضخ 330 فولت أحيانا”.
يقول الزياتي، الذي ساعدنا على النزول من السطح، إن بيته رغم حالته المتردية يعتبر أحسن حالا من بيوتات أخرى في الجهة السفلى من الدوار في اتجاه الطريق. 
لم نصدق، فطلبنا مساعدة الشاب رشيد (أحد أبناء الجد محمد الغرباوي من زوجته الأخيرة المتحدرة من سيدي رحال بضواحي الجديدة).

الطريق إلى الجحيم
قادنا رشيد وسط زقاق ضيق تتفرع عنه ممرات أخرى أكثر ضيقا توجد في طرفيها ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزا اسم منازل، والحال أن الأمر يتعلق بزرائب صغيرة يستعملها السكان هنا سكنا لا يصل مستوى “غير اللائق”.
غرف صغيرة تستعمل في الوقت نفسه للنوم والأكل والاستراحة واستقبال الضيوف بأسقف من خشب ينخره السوس والبرودة وتشقق أغلبه حتى يكاد يسقط فوق رؤوس قاطنيه، ومطابخ ضيقة تعج بالأواني والأثاث ورائحة كريهة تنبعث من المراحيض المشتركة وحظائر الغنم والدواجن، وحمامات تقليدية تسخن بالخشب.. هذا كل ما تبقى لأبناء وحفدة محمد الغرباوي، الذي أفنى حياته موظفا بإدارة المياه والغابات ومات ولم تستفد زوجته من نصف تقاعد!!
شاب لم يتجاوز 18 سنة نطق قربي، غاضبا: “نعيش في وضعية بئيسة جدا وسط هذه الحقارة التي تعافها الحيوانات”، “حتى واحد مكيجي عندنا، أو كيعرفنا فين عايشين وكيفاش عايشين..دور بعينيك وصور ودخل للديور وشوف الشوهة ديال الويل لي حنا فيها”.
كان الشاب الغاضب يستشيط أمام جدته التي ليست سوى الزوجة الأخيرة لمحمد الغرباوي، أنجبت منه خمسة أبناء قبل وفاته قبل 21 سنة. 
قالت لنا “مديش عليه أولدي..راه العيل طالع ليهم الدم من هاد شي”، ثم اقترحت علينا جولة في المكان الغارق في عشوائية مريبة وضيق وروائح سيول الواد الحار تخنق الأنفاس وتعيش وسطها عشرات الأرواح في المغاربة في شبه حصار.
“با العربي”، الرجل المبتسم دائما رغم الأزمة، لم يقو على كبت شهادته، مؤكدا أن هذا الوضع رافقنا لعدة سنوات، وكلما قررنا الاحتجاج رفعوا في وجهوهنا الوعد البالي نفسه: “سيروا فيحالاتكم..انتم مبرمجون في الترحيل”.
قال “با العربي” (حوالي 65 سنة) “كبرنا وهرمنا وشارفنا على الموت ولم يأت بعد هذا الرحيل، كل ما هناك زيارات متقطعة لتجديد مؤامرة الصمت، آخرها الزيارة التي قام بها أبدوح (يقصد عبد اللطيف أبدوح، برلماني حزب الاستقبال) الذي تداول معنا مقترح الانتقال إلى منطقة ولاد الكرن”.
“مشفنا الكرن مشفنا ابدوح”، يبتسم “با العربي” ويضرب كفا بكف..ويمضي إلى حال سبيله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق