fbpx
أســــــرة

احتفالات عاشوراء… طقوس عابرة للزمان والمكان

تتجاور فيها معتقدات إسلامية ويهودية ومسيحية ووثنية

لم يستطع المد السني الذي اكتسح المغرب طيلة قرون بشكل ظلت معه البلاد محافظة إلى حد ما على وحدتها العقائدية والمذهبية، من اجتثات العديد من رواسب المذاهب والثقافات السابقة التي مازالت حاضرة في لاوعي المغاربة وتصرف نفسها في العديد من المناسبات والأعياد ذات الصبغة الدينية. وتشكل مناسبة عاشوراء إحدى أهم اللحظات التي تترجم مدى ثراء القاعدة الحضارية والإثنية التي أسست عليها دولة المغرب، وتعاقب الكثير من الحضارات والأمم على أرضه التي لم يحل زوالها واندثارها دون بقاء رواسبها ثاوية خلف ممارسات وطقوس بالإمكان تلمس جذور بعضها ما دامت تتكرر لدى أمم أخرى. وبإطلالة بسيطة على ما تبقى من طقوس عاشوراء يتبين أن لها إحالات على معتقدات كانت سائدة في حقب مضت بالمغرب وغيره، ففي الوقت الذي نجد أن هذه المناسبة تتجاور فيها مناسبات أخرى على نحو متواز يلتمس لها الكثيرون مبررات وأصولا داخل المرجعية الدينية ونصوصها بمختلف تفرعاتها التوحيدية، فمثلا يتم الاحتفاء خلال عاشوراء بذكرى نجاة النبي موسى من الغرق وغرق فرعون وأصحابه، كما تتحدث بعض النصوص التراثية عن أن هذه المناسبة فيها “استوت سفينة نوح على الجودي” أو هو اليوم الذي “خلق فيه آدم وحواء واللوح والقلم” فضلا عن مقتل الحسين بن علي بكربلاء، كما أن قريشا كان تخلد ذكرى عاشوراء بكسوة الكعبة، فضلا عن اختلاط هذه الطقوس بطقوس الأعياد الوثنية مثل النيروز والمهرجان والأعياد المسيحية مثل القلندس ليظهر بذلك تنوع روافد هذه الاحتفالات وتعقد بنيتها الاعتقادية.
وفي هذا السياق يميز الباحث محمد بلاجي، في دراسة نشرت ضمن أعمال ندوة “جوانب من الثقافة الشعبية بالدار البيضاء” التي نظمتها كلية الآداب ابن امسيك نشرت سنة 2001، في احتفالات عاشوراء بين “ما هو إسلامي مثل صيام عاشوراء وما هو وثني مثل إيقاد النيران وما هو مسيحي مثل التراشق بالماء وما هو شيعي مثل النياحة والحزن والسماط وما هو بدائي مثل لبس الأقنعة”.
ويضيف بلاجي أن الطابع المميز لاحتفالات عاشوراء لا يخرج عن هذا الرباعي المعقد والمتداخل وهو “الموت والنار والماء والقناع”  مشيرا إلى الكثير من الطقوس المواكبة لعاشوراء هاجرت من مواطنها الأصلية في الشرقين الأقصى والأوسط واستوطنت المغرب بعد إلباسها طابعا محليا ذا منحى إسلامي في عمومه. ويردف الباحث المغربي أنه إذ كانت الاحتفالات الدينية الإسلامية تختص معظم طقوسها بالبالغين من الرجال والنساء فإن احتفالات عاشوراء “احتفالات صبيانية” بكل ما في الكلمة من معنى، موضحا أن القائمين بطقوسها منذ البداية إلى النهاية ليسوا إلا أطفالا دون سن البلوغ، غير أن مهندسي هذه الاحتفالات بلا شك هم الكبار بسبب أن محتوى الاحتفال وتركيبه وأهدافه فوق مستوى فكر الصغار. ويتساءل بلاجي في هذا السياق عما إذا الكبار يرمون من الاحتفال بعاشوراء أهدافا تعليمية وتربوية أم ترفيهية أم تعبدية، أم هي لعبة يقوم بها الصغار أمام أنظار الكبار ليستمتع هؤلاء قدر استمتاع أولئك؟.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق