منبر

الإسـلام يتلـون بثقافـة الشعـوب

عصيد قال إن أعراف الأمازيغ تعكس تجذر العلمانية في ثقافتنا

قال أحمد عصيد إن بعض الدعاة يعادون كل ما له علاقة بما قبل الإسلام بما في ذلك تاريخ وثقافات البلدان التي يحيون فيها، وأضاف الباحث والناشط الحقوقي أن الأمازيغ بالمغرب كانوا يضعون تقابلا واضحا بين الديني والدنيوي في حياتهم اليومية.

< أعادت بعض ردود الأفعال المتشنجة ضد احتفالات المغاربة برأس السنة الأمازيغية إلى الواجهة سؤال علاقة الإسلام بالتقاليد المحلية للشعوب.. ما تعليقك؟
< مشكلة بعض الدعاة والفقهاء هو أنهم حولوا الدين الإسلامي إلى إيديولوجيا معادية لتاريخ بلدانهم إذ يعتبرون أن كل ما له علاقة بجذور سابقة على الإسلام داخل في إطار ما يعتبرونه وثنية أو جاهلية، أو غير ذلك، وهذا في الواقع ينتهي بهم إلى إنكار تاريخ الشعوب والبلدان المتجذرة في الحضارة، كأن يقول الفقيه في مصر إن خمسة آلاف سنة من الحضارة الفرعونية لا أهمية لها، وهذا مشكل حقيقي لأن كل شعوب الأرض لها تاريخ ولها جذور ولها ثقافة من الناحية الأنثربولوجية ضاربة في عمق التاريخ.
المشكل الثاني إيديولوجي محض، إذ يعتبرون أن هذا الاحتفال مرتبط بالحركة الأمازيغية، وله حسابات شخصية مع الحركة الأمازيغية لأنها حركة علمانية فيقعون في الخلط بين تقاليد المجتمع المغربي العريقة، وبين خلافهم مع الحركة الأمازيغية، والراجح أن الكثيرين منهم يحركهم هذا السبب. وبالطبع فالفقهاء الذين ليس لديهم محرك إيديولوجي تجد لديهم موقفا متوازنا فيقولون إن هذا من عادات المغاربة وليس فيه أي ضرر.

< من هم هؤلاء؟
< من جانب آخر أعتقد أن المقصود بالذات هم الدعاة السلفيون الوهابيون الذين يتبنون إيديولوجيا دينية أجنبية عن المغرب، تعود إلى جزيرة العرب وتحديدا العربية السعودية، والتي تم ترويجها في بلادنا ابتداء من نهاية السبعينات تزامنا مع ما سمي "الصحوة الإسلامية"، وهؤلاء يحملون إلى جانب التدين الوهابي، ثقافة عرب الجزيرة، ولا تجد لديهم ارتباطا بثقافة بلدانهم، فالمغرب أو الجزائر أو تونس لا تهمهم، ولا يشعرون في أحيان كثيرة حتى بالانتماء إليها، فهم يشعرون بالانتماء إلى ما يسمونه الأمة الإسلامية، التي هي فكرة نظرية في أذهانهم لكن ليس لها وجود واقعي، فالوجود الحقيقي هو البلدان والأنظمة والسياسات والدول والأقطار، التي لها أعلام وطنية ورموز، وتعيش فيها الشعوب لكنهم يرفضون هذا الواقع وبالتالي، بما أنهم ينظرون إلى بلدهم انطلاقا من ثقافة أجنبية وإيديولوجيا دينية دخيلة فإنهم لا يستطيعون أن يفهموا قيمة هذه التقاليد والعادات، ويمكن اعتبارهم مغتربين ذهنيا، أي أنهم يعيشون ذهنيا خارج الوطن، وإن كانوا بأجسادهم يعيشون في بلدانهم ويأكلون من خيراتها.
من جانب آخر سنجد بأن هؤلاء الدعاة الذين يعبرون عن هذه المواقف السلبية لديهم قراءة الإسلام، ضيقة جدا ولا تتعدى كتب الفقهاء، ولا يستطيعون أن يفكروا في الحياة والمجتمع والدولة خارج ما يقرؤونه أو ما يتلقونه، لأنهم أسيرون داخل منظومة فقهية تراثية مغلقة، ومنغمسون في كتب التراث، لا يتنفسون هواء العصر الذي نحن فيه، وتجد مواقفهم غريبة جدا عن واقعنا وعن بلدنا وعن ثقافتنا.

< الملاحظ أن حضور الإسلام تاريخيا في المغرب لم يلغ مظاهر الحياة التي كانت سائدة قبله؟
< نعم لأن الإسلام في شمال إفريقيا، كان له سياق أمازيغي من الناحية الثقافية، فالإسلام يتلون بثقافة الشعوب، فنجده مختلفا في ماليزيا أو لدى السود الأمريكيين أو في آسيا، فهو ينطبع بالثقافات السائدة، ولهذا نجد الإسلام في بلدنا إسلاما أمازيغيا عبر التاريخ ولهذا قام الأمازيغ وفقهاؤهم تحديدا بملاءمة النصوص الدينية مع الواقع الثقافي الذي يعيشونه، وقاموا بقراءة وتأويل خاص بهم، لهذا كان الإسلام هنا وسطيا معتدلا لأنه اعتبر الاختلاف عنصرا ثقافيا واندمج معه، ولهذا تجد فتاوى فقهاء سوس مخالفة كليا لفتاوى فقهاء فاس، وفقهاء فاس يأخذون من الثقافة العربية بينما السوسيون يستلهمون من الثقافة المحلية، ولهذا فهناك الكثير من الأشياء يحرمها فقهاء فاس ويعتبرها نظراؤهم في سوس داخلة في إطار المصلحة، مثلا كانوا يعتبرون عدم قطع الأيدي والأرجل والرجم بالحجارة لمصلحة القبيلة، فالقبائل الأمازيغية لم تكن تطبق الحدود الشرعية والعقوبات والجسدية وكانت تحكم فقط بالغرامات.

< الأمازيغ أبقوا على أعرافهم في تعاملهم مع الإسلام؟
< لأنها أعراف متجذرة، وليست شيئا زائدا، بل هي تقاليد عريقة يتشبث بها الشعب، وتدخل في بنيات وعيه وسلوكه، مثل المواسم والمناسبات التي يقيمها الأمازيغ على المستوى المحلي، ومرتبطة بجذور الكثير من التقاليد التي تمارس مثلا طقوس الاستمطار أي ما يسمى "تاغنجة" التي تصنع من أجل استدرار المطر، فالفقهاء والسلفيون يعتبرونها جاهلية أو وثنية متناسين أنها طقوس استمطار قديمة تعود إلى آلاف السنين، ويتجاهلون أن صلاة الاستسقاء نفسها في الإسلام ما هي إلا امتداد للفكرة نفسها لدى الشعوب القديمة التي تتضرع إلى الآلهة من أجل هطول المطر، لكنها اتخذت طابعا إسلاميا.

< هناك جانب أيضا يتم فيه المزج بين الأعراف والجانب الديني كما هو شأن مؤسسة "تيمزكيدا" في القبائل الأمازيغية؟
< هذه المؤسسة هي التي اتخذت طابع ما سمي ب"الجامع" في الثقافة الإسلامية القديمة، إذ أن "تيمزكيدا" ليست فقط مكانا للصلاة، بل أيضا لاجتماعات الجماعة، حيث تجتمع هناك وتقرر تدبير شؤونها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بمعزل عن الفقيه وهذا شيء أساسي، لأنه من جذور العلمانية في ثقافتنا، ومن جذور الفصل بين الديني والدنيوي، فالجماعة وإن كانت تجتمع في "تيمزكيدا" إلا أنها لا تقحم الفقيه في شؤونها الدنيوية ، وإن كانت تستشيره في الأمر الدينية، مثل الإرث لأن له طابع ديني، لكن ما يتعلق بالأمور السياسية والاقتصادية في تدبير شؤون الجماعة فإنه يعود إليها. وأحيانا يجتمع الأمازيغ في المسجد ويحكمون بأعراف وضعية لا علاقة لها بالدين وهي القوانين العرفية التي كانوا يدونونها في ألواح ويعتمدونها في تدبير شؤونهم. وهذا التمييز بين ما هو دنيوي وروحي، أساسي في ثقافتنا وهؤلاء الدعاة الجدد اليوم يعارضونه لأنه لديهم نموذج الخلافة، في أذهانهم ولا يعيشون معنا الواقع الذي نحياه.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق