ملف الصباح

المعطي … عاشق “التبركيك”

لا أحد يملك ذاكرة قوية مثل المعطي (اسم مستعار)… هكذا يجمع أصدقاؤه بالحي، فهو يعلم ما خفي من الأسرار، ويتحدث عن قصص لأسر متكتمة، الله وحده يعلم كيف تجاوزت الجدران ووصلت إلى أذني المعطي الذي يرفع شعار “بركاك وأفتخر”.
وهب المعطي حياته لاستقبال ونقل المعلومات، فهو مثل صحن لاقط أو وكالة للأنباء عالمية يجمع الأخبار ويدققها، ثم يشعر بالسعادة، حين يوزعها على كل الباحثين عن الأسرار والعاشقين للمعلومة.
مرة، أدهش المعطي كل سكان الحي، فقد اشترى أحدهم سيارة جديدة، وصادف ذلك سفر المعطي لزيارة قريب له في مدينة أخرى، وحين عاد تحداه الأصدقاء مازحين بمعرفة جديد الحي في غيبته، فرد مزهوا بنفسه: “إنها السيارة الجديدة ولوحتها تحمل هذا الرقم”.
أصبح المعطي مشهورا بين أقرانه، فهو صديق جميع أعوان السلطة الذين تعاقبوا على المنطقة، لأنه مزودهم الرئيس بكل الأخبار، وأحيانا يتضايق أبناء الحي من سرعته في نقل الخبر، مهما كان تافها، إذ لا يهدأ له بال، إلا بعد أن يشيعه، حتى أن بعضهم قاطعه.
في تفاصيل حياة المعطي الكثير من الألغاز، إذ لم ينه تعليمه الثانوي، ولم ينجب ابنا له، وزوجته امرأة مسنة، قلما تغادر المنزل.
قارب المعطي الخمسين عاما ولا يخجل من أن ينعت أو يقول الناس إنه “بركاك”، ويتدخل في كل شيء، ويتحول أحيانا إلى وسيط قادر على حل جميع المشاكل التي تصادف بعض جيرانه، من قبيل منع طلاق زوجين أو الصلح بين الجيران أو إنجاز بعض الوثائق في رمشة عين، لينتابه إحساس بالفخر، وهو يستقبل الشكر منهم، والثناء على مكانته وعلى الخدمات التي يقدمها.
امتد نفوذ المعطي إلى الأحياء المجاورة، وأصبح شخصية محبوبة ومكروهة في الوقت نفسه، وكلما انتشر خبر ما، إلا واتجهت إليه الأنظار إليه، ما جر عليه الويلات أحيانا، إذ انهال عليه أحدهم بالركل والصفع لأنه أخبر عون سلطة بإجراء إصلاحات داخل منزله، فقط لأن المعطي شاهد عربة مجرورة بحصان تحمل مواد بناء، فتعقبها لمعرفة وجهتها، ثم نقل الخبر إلى الجهات المعنية التي انتقلت على الفور إلى المكان.
ورغم كل ذلك يدرك المعطي أن “التبركيك” له حدود وخطوط حمراء لا يمكن له أن يتجاوزها، إذ يتغاضى عن تداول أخبار ما يصله من مروجي المخدرات المنتشرين في الحي الشعبي الذي يقيم به، إذ يخشى عن نفسه من اتهامه بالوشاية بهم، ويسعى إلى نيل رضاهم، ولا بأس أن يدخن، بين الفينة والأخرى، “الحشيش” ، تعبيرا منه على التزامه بتجاهل أنشطتهم.
المعطي أهم شخصية بالمنطقة، و ناقل الأخبار، و”حضاي” من الدرجة الأولى، ولا يهمه إن تعرض للوم من قبل بعض الجيران، ففي كل مرة يردد مقولته الشهيرة :” الله يعفو علينا من هاذ البلية”.

خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق