ملف الصباح

ثقافة “الهوتة”

رفضت فوزية برج، أستاذة علم الاجتماع والانثروبولوجيا استعمال كلمات من قبيل الانتهازية والازدواجية وتعدد الأقنعة لوصف ممارسة اجتماعية راهنة، في إشارة إلى ما أصبح يعرف بثقافة “الهوتة”، خاصة في المجال السياسي.
وشددت برج في تصريح لـ”الصباح” على أن هذه الممارسات تصبح أكثر خطورة إذا قام بها فاعلون حاليا في المجال السياسي، على اعتبار أن المرحلة الراهنة تتسم بالحساسية، بالنظر إلى نوعية القضايا المتداولة من قبيل الحريات الفردية والموقف من الفئات الهشة والمهمشة.
ورصدت مجموعة من الأبحاث السوسيولوجية أن طبقة جديدة من الانتهازيين، صقلت وطورت أساليبها وثقافتها، وجعلتها ملائمة للعصر وإكراهاته وشروطه، وركب أفرادها المستحيل من أجل تأمين الأهداف واقتناص الفرص في الإدارة العمومية وفي مراكز المال العمومي وفي الأحزاب السياسية، والمنظمات الإنسانية والحقوقية، ولو نجم عن ذلك الإجهاز على الحقوق واستغلال ضعف الفقراء وهشاشة وبؤس المهمشين.
وفي رأي علماء الاجتماع، وعلماء السياسة ، تنمو الانتهازية وتتناسل وتتنقل من جيل لآخر، ومن فترة إلى فترة، لكن يتعاظم حجمها في فترات ضعف الأمم والشعوب، وفي فترات الهوان، وتمتد في زمن الفساد والتخلف، لتصبح خطرا كارثيا يهدد الدول في سيادتها وكياناتها والشعوب في صحتها وسلامتها وأمنها.
وتزداد خطورة الممارسات المذكورة في مجتمعات مثل المغرب، على حد تعبير نتائج دراسة ميدانية قام بها آلان كون من جامعة ميشيغان الأمريكية، وميشيل أندري ماريشال وكريستيان لوكاس زوند من جامعة زيوريخ السويسرية وديفيد تيننباوم من جامعة أوتاه الأمريكية بخصوص مدى تحلي شعوب العالم بالأمانة.
وبناء على الدراسة الميدانية المذكورة التي شملت 40 بلدا حول العالم، وحللت تصرفات 17000 شخص وضعت بين أيديهم حقيبة تحتوي على أغراض وأموال وبطاقة تحتوي على وسيلة للتواصل مع صاحبها، إذ بناء على خلاصات الدراسة فقد وصل عدد الناس الذين عثروا على الحقائب وقاموا بمحاولة إعادتها إلى أصحابها إلى ما بين 70 و80 في المائة في سويسرا والنرويج وهولندا والدنمارك والسويد، وهي البلدان الأربعة التي جاءت على قائمة اللائحة المكونة من أربعين بلدا، فيما تذيلت الصين اللائحة وقبلها المغرب والبيرو وكازخستان وكينيا، إذ لم تصل نسبة من حاولوا إرجاع المحافظ التي عثروا عليها 20 في المائة.
وخلصت جل الدراسات الانتربولوجية إلى إن هناك تحولا حاصلا حتى في النخب المغربية التي أصبح همها الوحيد هو الحصول على المناصب والمكاسب والتحكم في دواليب السلطة بشتى الطرق، على اعتبار أن التحكم في السياسة هو الاستيلاء على المجتمع كله، ما أدى إلى المس بجوهر مفهوم النضال ووضع القيم والأخلاق والمبادئ في خانة البضاعة، التي تباع وتشترى، إذ لم تعد هناك حرمة للأحكام والقوانين المنطقية والعقلية التي تؤطر الممارسة، وأصبح الانفصال واضحا بين الأخلاق والممارسة، ما أفرز فاعلين لا تحكمهم أخلاق أو قوانين، سوى ما تمليه عليهم أنانيتهم.
ياسين قُطيب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض