ملف الصباح

ضحية التنشئة الاجتماعية

مرجان قال إن الدراسات الاستعمارية كرست بعض الصفات التي التصقت بالمغاربة مثل الاستسلام والخنوع
قال محمد مرجان إن الدراسات الاستعمارية حاولت أن تلصق بالمغاربة العديد من الصفات، ما زالت ترسباتها محمولة لدى البعض منا.
كالقول بغموض وتعقد وزئبقية العقلية المغربية والقول بقابلية المغاربة للاستسلام والخنوع، والاستئناس بحالة الفقر وقبوله، وأضاف الباحث في علم الاجتماع أن استمرار القيم السلبية يؤشر على استمرارية المجالات والمؤسسات والبنيات الحاضنة والمدعمة لها.
< هل يستقيم علميا الحديث عن خصائص عامة تميز المغاربة عن بقية الشعوب؟
< الناس كما نعرفهم يرضون بذواتهم ما داموا يجهلونها أو لا يعرفونها حق المعرفة. لذلك فندرة التفكير في الذات، مع إهمال الخصوصيات التاريخية والثقافية الأصيلة التي ساهمت في تكوين شخصيتنا، هي من الأسباب المباشرة التي جعلت كياننا المغربي يشكل موضوعا لبناء الخصائص العامة التي تميزه في نظر الآخر المختلف عنا ثقافيا و حضاريا. لقد وجدت الثقافة في طرق مقاربتها نوعا من التشابه مع ظواهر أخرى للإدراك الجماعي الخاصة بكل مجتمع، والمحددة بعوامل المناخ والجغرافية والتقاليد التاريخية وبالانتماء العرقي. لكن سرعان ما تم تجاوز هذه النظرة من الناحية العلمية، مع بروز المدرسة السلوكية، أي التركيز على السلوك المعبر عن الشخصية وليس الأصل، والتي اهتمت ليس بروح الشعوب، ولكن بالملاحظة المنهجية للسلوكات التي تتمتع بنوع من التجانس والتوافق. إلى الحد التي تصبح تعبيرا مباشرا عن طبيعة اجتماعية متأصلة. طبعا منطقيا لا يمكن الاعتقاد في صلابة ومتانة هدا الطرح الذي يجعل من سلوكات وقيم ومواقف محكومة بالنسبية، وبالظرفية الخاصة بكل فرد أو جماعة، أن تصبح دالة على الأساس الوجودي والحضاري لشعب ما.

< كيف ذلك؟
< لقد حاولت الدراسات الاستعمارية أن تلصق بالمغاربة العديد من الصفات، ما زالت ترسباتها محمولة لدى البعض منا. كالقول بغموض وتعقد وزئبقية العقلية المغربية والقول بقابلية المغاربة للاستسلام والخنوع، والاستئناس بحالة الفقر وقبولها، دون العمل المضني من أجل تجاوزها، إلا بما توفر لهم من السبل الجاهزة و الضعيفة، واعتبار المغاربة شبقيين ومهووسين بالجنس من منطلق أن الإسلام يسمح بالزواج بأكثر من امرأة واحدة، وأن الفحولة الجنسية خاصية تميزهم عن الشعوب الأخرى، فالعلاقات الاجتماعية هي أكثر تعقيدا لدى المغاربة، تختلط فيها التعاليم الدينية والتعاليم الأخلاقية وما يكتسبه الإنسان من تراث الثقافات العريقة المتواصلة مع الحضارات المختلفة.

< ما هي طبيعة المظاهر السلبية التي رصدتها الدراسات الاستعمارية حول المغاربة؟
< هناك مجموعة من الصور التي نقلتها من قبيل أن المغربي مجبول على انعدام الثقة والحذر في التعامل اليومي مع الآخرين، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو في الإدارة. دون التغاضي عن علاقة المغربي بذاته، التي يعتبرها منزهة عن الأخطاء، مع تحميل الآخرين لكل الأزمات التي قد تلحق به، أو تخوينهم نتيجة لانعدام المسؤولية، والقدرة على تحمل نتائج الفعل و السلوك. وحتى في حالة ثبوت الذنب، ينتقل المغربي مباشرة للمظلومية ودور الضحية باحثا عن المبررات والتحالفات الكفيلة بإنقاذه وتبييض صورته.
كما أن العدوانية والعنف من الخصائص الجوهرية الملتصقة بالمغاربة. الحسد و الغيرة من الصفات التي طالما تغنت بهما الأدبيات الاستعمارية وحتى الوطنية، باعتبارهما من القيم المناقضة تماما لأسلوب المنافسة الشريفة بين الأفراد. غياب ثقافة الاعتراف، ونكران الجميل لكل من أسدى معروفا أو خيرا، للفرد أو الجماعة وحتى للوطن. والقائمة طويلة جدا في هدا السياق.

< هناك مجموعة من الصور المجتمعية التي يسعى الكثيرون من المغاربة تسويقها عن أنفسهم من خلال النكتة وتعابير أخرى تجعل من المغربي "مسمارا" يخدع الجميع؟
< يلجأ المغربي بشكل واع أو غير واع لمحاولة التعويض أو استبدال هذه الصفات السلبية بأخرى أكثر إيجابية. معتمدا في هذا الأمر على الأشكال التعبيرية الأكثر شعبية، كالنكتة والأمثال المتداولة و الحكايات المروية. وهنا يكتسب المغربي صفات قلما نتحقق من مصداقيتها على مستوى الواقع. فهو ذكي وشجاع ومتحمل للمسؤولية، وقادر على مواجهة الآخر كيفما كان نوعه أو جنسه. كما أنه قادر على ضبط الحلول لأكثر المشاكل تعقيدا نتيجة المكر والدهاء والحيلة.
هذه الصفات ليست قوانين ميتافيزيقية ولكنها ناتجة عن تأثيرات متعددة غربية وعربية وقبلية، وحضرية. أما بخصوص المظاهر السلبية في الشخصية المغربية، فتنبغي الإحالة على المنطق السلوكي المرتبط بالتنشئة المجتمعية التي نكتسب من خلالها البناء الاستراتيجي لكل أفعالنا وممارساتنا وقيمنا، ومن خلالها نتعامل مع ذاتنا ومع الآخرين. مما يعني أن استمرار القيم السلبية على وجه الافتراض، يؤشر على استمرار المجالات والمؤسسات والبنيات الحاضنة والمدعمة لها.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

في سطور:
ـ حاصل على دكتوراه الدولة في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط.
ـ أستاذ علم الاجتماع الحضري بكلية الآداب جامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
ـ من مؤلفاته كتاب "مقاربة سوسيولوجية لآليات التغير الاجتماعي بالمغرب" و"الرحلة والمعرفة الكولونيالية.. المغرب بعيون الرحالة الإسبان".
ـ له عدة مقالات منشورة في مجلات متخصصة في علم الاجتماع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض