خاصمقالات الرأي

السموني: الـوطـنـيـة الـحـقـة

عبقرية ملك وحماس شعب لاسترجاع أقاليمه الصحراوية

بقلم: د.خالد الشرقاوي السموني*

تحل اليوم (الأربعاء) الذكرى الرابعة والأربعين للمسيرة الخضراء، وهو الحدث الوطني الأبرز في تاريخ المغرب المعاصر بعد الاستقلال، في الوقت الذي يقف المغرب صامداً أمام التحديات التي تواجه الوحدة الترابية للمملكة و المناورات التي يضعها خصوم هذه الوحدة في الداخل و الخارج.
حدث يخلده المغاربة بكل فخر واعتزاز لمواصلة السير قدما على درب الإصلاحات والإنجازات، سعيا إلى تثبيت الوحدة ومناهضة كل الأصوات الداعية الى الانفصال و التقسيم.
حدث المسيرة الخضراء يحيلنا إلى حدث ثورة الملك والشعب الخالدة، تلك الذكرى التي يحتفل بها الشعب المغربي في يوم 20 غشت من كل سنة، باعتبارها ملحمة عظيمة في مسلسل الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي بقيادة ملكه من أجل الحرية والاستقلال، حيث انتفض الشعب المغربي، وفاء للروابط القوية والمتينة بينه وبين ملكه، إذ خرج بكل فئاته في مختلف أرجاء البلاد في انتفاضة عارمة وبكل شجاعة وحزم، من أجل التصدي لمخططات المعمر الفرنسي، ليفجر غضبه ويؤكد رفضه المطلق لإبعاد الملك الشرعي عن عرشه ووطنه، وليضرب بذلك مثلا رائعا للوفاء والإخلاص.
لقد شكلت ثورة الملك والشعب حدثا تاريخيا عظيما، وهي بمثابة عقد جمع بين الملك وشعبه، قوامه العهد والوفاء للملكية، وغايته تحقيق الحرية والاستقلال. كما ترجمت هذه الثورة، الخالدة في ذاكرة المغاربة، أروع صور الوطنية الصادقة وأغلى التضحيات في سبيل الوطن.
كما شكلت أيضا المسيرة الخضراء حدثا يؤرخ لصفحات مشرقة من النضال و يشكل لحظة قوية لاستحضار بطولة الشعب المغربي ووطنيته و تضحياته الجسيمة .حدث سيظل منقوشا بمداد من ذهب في الذاكرة المشتركة للمغاربة، و كذلك مناسبة ووقفة للتأمل.
إن ذكرى المسيرة الخضراء تدعو القوى الحية وسائر الهيآت السياسية والنقابية والحقوقية والشبابية والنسائية إلى الاعتزاز بالوطن والتشبع بالحس الوطني وبالراية المغربية التي حملها ملايين المغاربة، نساء ورجالا، ترفرف على أرض الصحراء المغربية بعد استرجاع أقاليمه الصحراوية بالسلم والشرعية الدولية، إنها ذكرى وموعظة لكل انفصالي خولت له نفسه الحقيرة لإحراق العلم الوطني على تراب دولة أجنبية خلال الأيام الأخيرة المنصرمة، و لكل من حرض على ذلك العمل الإجرامي الشنيع.
إن الوطنية الحقة في مواجهة التحديات و التصدي للمرتزقة ،هي مسؤولية كبرى على عاتق جميع المغاربة سواء كانوا في تنظيمات سياسية أو مهنية أو مدنية أو مواطنين بصفة عامة. ولا شك أن الإيمان بعدالة القضية الوطنية التي تصدى لها المغرب للدفاع عنها سلميا أمام المنتظم الدولي، كانت هي المحرك الأساسي لتشبث المغرب، قيادة وشعبا، بوحدته الترابية وبرايته الوطنية.
لقد كان قرار تنظيم المسيرة الخضراء، مظهراً من مظاهر عبقرية الملك الحسن الثاني رحمه الله، و سانده في ذلك الشعب المغربي بكل تلقائية و عفوية صادقة و تطوع لا مثيل له. لقد أبان الشعب ذاك الوقت عن وطنيته وحبه للوطن وللملك، وتفانيه من أجل الدفاع عن الوحدة الترابية.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يواجهه المغرب من تحديات مستقبلا هو ضعف الحماسة الوطنية عند بعض المغاربة في الدفاع عن الوحدة الترابية، أو أن يتخذ بعضهم موقفاً متخاذلاً يخرج به عن الصف الوطني، لمسايرة الأطروحة الانفصالية التي تريد النيل من وحدة المغرب وفق أجندات خارجية.
فالمغرب لن يتنازل عن صحرائه، والدعوة إلى الانفصال و الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره عند البعض من أبناء الوطن يعتبر خيانة وطنية.
ولا ننسى بالمناسبة أن المغرب دولة تجنح دائما إلى السلم وتلتزم بقرارات الأمم المتحدة، على اعتبار أن هذا النزاع معروض على المنظمة الأممية في انتظار قرار من مجلس الأمن يضع حدا له بشكل نهائي، علما أن مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الصحراوية، الذي تبناه المغرب منذ 2007، يشكل إطارا ملائما للحل، وهو الحل الوحيد و الأنسب لقضية الصحراء المغربية، لأنه مقترح عملي لطي صفحة النزاع المفتعل بشكل نهائي.
ثم لا ننسى أن احتفالنا بذكرى المسيرة الخضراء يدعونا جميعا للالتزام بمسيرة الإصلاح، وهذا يقتضي انخراط جميع المؤسسات والفعاليات الوطنية المعنية، في إعطاء نفس جديد، لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا، من خلال النموذج التنموي الجديد، مما يتطلب التعبئة الجماعية، وجعل مصالح الوطن والمواطنين تسمو فوق أي اعتبار، و إجراء قطيعة نهائية مع التصرفات والمظاهر السلبية، وإشاعة قيم العمل والمسؤولية، والاستحقاق وتكافؤ الفرص، مع ضرورة انخراط المواطن المغربي، باعتباره من أهم الفاعلين في مواصلة الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضا من أجل تحقيق التنمية المستدامة ومحاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية وربط المسؤولية بالمحاسبة وتكريس الحقوق والحريات.. كل ذلك في ظل الملكية ضامنة للوحدة والاستقرار ورافعة للتقدم والتنمية لبناء مغرب جديد، يتطلع إليه الملك و الشعب.
* مدير مركز الرباط للدراسات السياسية و الاستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق