ملف الصباح

السياسة الجبائية … تكريس اللاعدالة

ثقل ضريبي على المأجورين وإعفاءات متواصلة وقطاع غير مهيكل خارج المنظومة

ظلت السياسة الجبائية إحدى القضايا المثيرة للجدل في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى تداعيات الضغط الضريبي على الاستقرار الاجتماعي، والنمو الاقتصادي المنشود.
ورغم الإجماع حول ضرورة إقرار منظومة جبائية تتسم بالإنصاف، وتخفف الضغط الضريبي الذي ظلت فئات المأجورين والموظفين تعاني ثقله، إلا أن السياسات المالية المنتهجة ظلت بعيدة عن شعار العدالة الضريبية، رغم توصيات المناظرات الوطنية، والتقارير الدولية، التي تؤكد على ضرورة إصلاح المنظومة، في اتجاه تخفيف الضغط، وتوسيع قاعدة الملزمين بالضريبة، وتبسيط المساطر والإجراءات.
ورغم إجماع الفاعلين الاجتماعيين على أهمية مراجعة الضريبة على الدخل، في إطار رفع السقف المعفى، ومراجعة الأشطر، وضرورة إعفاء المعاشات من الاقتطاع الضريبي، ووضع حد لكل الإعفاءات غير المنتجة، فإن الحكومة، ومن خلال مشروع القانون المالي، ظلت بعيدة عن مطلب تغيير واقع المنظومة، لتركز فقط على إجراءات تهم النسيج المقاولاتي، من خلال تخفيض الضريبة من 31 في المائة إلى 28 في المائة، والالتزام بتخفيضها إلى 20 في المائة قبل نهاية السنوات الخمس المقبلة.
وبتفحص مشروع قانون المالية 2020 يلاحظ أنه لم يأت بأي إجراء يخص الضريبة على الدخل في صالح الأجراء، عكس المقاولات التي ستستفيد من تخفيض الضريبة على الشركات من 31 % إلى 28، وتخفيض المساهمة الدنيا في الضريبة على الشركات من 0.75% إلى 0.5 %، إضافة إلى تخصيص صندوق لدعم المقاولات بـ 6 ملايير درهم، خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وبرأي المختصين، فإن معالجة اختلالات المنظومة الضريبية تفرض وضع حد لكل الإعفاءات غير المنتجة، وإعادة تقييم التحفيزات الضريبية، أخذا بعين الاعتبار النجاعة، وتقييم تأثيرها على الاقتصاد والاستثمار والإنتاج والنسيج الاجتماعي، وتوفير فرص الشغل المنتجة للقيمة المضافة.
إن الحديث عن العدالة الجبائية، يفرض بناء منظومة جبائية منصفة، تقوم على محددات تشجيع الانفتاح والخروج من وضعية التركيز الاقتصادي، ومحاربة هيمنة اقتصاد الريع والامتيازات، وتجاوز الاختلالات الاجتماعية والمجالية والترابية، مع مراعاة تحقيق التنافسية الضريبية بين كل فئات المجتمع، وتبسيط المساطر والمقتضيات القانونية الخاصة بالنظام الجبائي.
وتبقى أغلب توصيات المناظرة الوطنية للجبايات مجرد أمنيات، في ظل عدم إقرار القانون المالي للسنة المقبلة لأي إجراءات واقتراحات ضريبية، تسعى إلى الحد من اتساع النشاط غير المهيكل، وإدماجه التدريجي في الدورة الاقتصادية، بهدف توسيع الوعاء الضريبي، باعتباره أحد المداخل لتخفيف الضغط الجبائي.
وإذا كان مطلب تخفيض الضريبة على الشركات، حقا مشروعا، فإن المطلوب هو ربط هذه التخفيضات بمستوى إسهامها في توفير مناصب الشغل القارة والمدمجة في منظومة الإنتاج الوطني، وتحقيق مستوى معين لتنافسية المنتجات المحلية.
وتشكل الضريبة على الدخل المحصلة من المنبع، والتي تخص الأجراء 73 في المائة من مجموع الضريبة على الدخل، وتقسم النسبة المتبقية على الأرباح الناتجة عن المهن الحرة، والأرباح العقارية وأرباح الرساميل، وهو ما يعني أن الضغط الجبائي يتحمله الأجراء بالدرجة الأولى.
إن مفهوم العدالة الجبائية يتطلب ربط حجم التضريب بكلفة المعيشة، ومحاربة التملص الضريبي، وتكثيف عمليات المراقبة وفحص الوثائق المحاسبية، وتعزيز الموارد البشرية واللوجيستية المخصصة للمراقبة، وتقوية الآليات القانونية الزجرية، واعتماد نظام صارم للجزاءات بمستويين، مرتبط بسوء النية أو حسنها، مع تطوير منظومة الأبحاث والتحقيقات، من أجل إحداث نظام معلوماتي متوازن وفعال يرفع مردودية المراقبة.

برحو بوزياني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق