ربورتاج

“الزهو” بملاهي طنجة

قاصرات ومتحجبات و”مرافقات” للعاجزين جنسيا يتنافسن على الأغنياء

تختلف ليالي السهر بعاصمة البوغاز عن نظيراتها بالمدن الكبرى، ففي فضاءات سهرها الخاصة، التي تعج بعاهرات «الداخل» والباحثين عن الملذات من مختلف أرجاء المملكة، يتميز «طنجاوا» و»ريافة» عن غيرهم بخصوصيات تجعلهم يتربعون على عرش السهر بعروس الشمال، سواء في ما يتعلق بالزبناء أو المومسات أو ما يسمى بـ «المرافقات» اللواتي يتسابق الأغنياء للحصول على أجملهن بغرض التباهي لا أكثر. في هذه الورقة، تطلعكم «الصباح» على خفايا عالم الليل بعاصمة البوغاز، من خلال زيارات متعددة لمختلف الفضاءات الخاصة بطنجة «باي نايت». 

إنجاز: يسرى عويفي (موفدة الصباح إلى طنجة)

«خوانجية» وقاصرات و«مرافقات» و«غرامات» بالملايين، هذه أبرز مظاهر السهر في ملاهي وكاباريهات طنجة الصاخبة. داخل هذه الفضاءات المسماة بـ»الحفر»، نسبة إلى تموقع معظمها بالطابق تحت الأرضي للرصيف البحري، يحظى الزبناء بمعاملة خاصة لا تشبه تلك التي يعامل بها زبناء الليل بباقي المدن، وذلك راجع بالأساس إلى المنافسة القوية بينها، التي تباح بفعلها كل الممنوعات.

“فيدورات” لطفاء

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلا، حينما بدأت أفواج الباحثين عن المتعة بالتوافد على كاباريهات «الحفرة» الموجودة بالشريط الساحلي.  عند أبوابها الملتصقة ببعضها البعض، اصطف عدد من «الفيدورات» وقد اعتلت محياهم ابتسامة ترحاب عريضة بالوافدين الجدد. وعكس سياسة «انتقاء الزبناء» الصارمة التي تنهجها باقي الكاباريهات الراقية بمدن «الداخل»، كان الحراس الخاصون الذين يتولون مهمة السهر على استتباب الأمن والنظام داخل هذه الفضاءات، يحرصون على استقطاب أكبر عدد ممكن من الزبناء، على اختلاف أشكالهم ومظاهرهم، فيتعاملون مع السكارى بنفس طويل، ونادرا ما يضطرون بلطف لإخراج أحدهم بسبب حالة سكر طافح، أو نزعة عنف عشوائية أوحت إليه بالتمرد.  
ولعل أكثر ما يثير الدهشة في هذه الفضاءات، استقبالها للمحجبات والقاصرات اللواتي يأتين بمعية شخصيات مرموقة في عالم الليل بهذه المدينة، ويحظين بمعاملة خاصة تقاس بكلفة «الطبلة» التي يجلس إليها كل زبون، وتتحدد بموجبها قوانين وأنظمة الكاباريهات.

“خوانجية” متحررون

خلال جولتنا الليلية بهذه الكاباريهات، أثار انتباهنا أحد الزبناء الملتحين ممن تظهر عليهم مظاهر الوقار والتدين، رفقة صديقته المحجبة، التي ترتدي عباءة سوداء طويلة وكعبا عاليا، وهما يتمايلان على أنغام موسيقى الراي الجزائرية. كان العشيقان يرقصان بحماس ظاهر، ولا أحد ينتبه لهما أو ينظر إليهما نظرة الغرابة التي يوحي بها مظهرهما الدخيل عما هو معتاد بمثل هذه الأماكن. 
كانت الشابة، التي تبدو في الثلاثينات من عمرها، تشرب الخمر بنهم واضح، وتتطلع لباقي الزبناء بنظرة غنج ودلال، وكأنها تبحث عن «ضحية» أخرى غير ذلك الأربعيني الذي يرافقها، بينما انغمس رفيقها، الذي يظهر على جبينه أثر السجود، في ملذات «الزهو»، متطلعا للعاهرات اللواتي اصطففن وراء «الكونطوار»، وقد بدأت ترتسم على ملامحه أثر الثمال. لم يكن العاشقان اللذان حظيا بانتباهنا في تلك الليلة، «الخوانجية» الوحيدين في تلك السهرة، إذ انضم إليهما زوج آخر بالمظهر ذاته، الفرق الوحيد بينهما، أن صديقة الثاني كانت ترتدي جلبابا أصفر وتضع على رأسها شالا مزركشا لا يغطي شعرها بالكامل. وفي الوقت الذي انهمك فيه رفيقها بالشرب والرقص مع رفيقة صديقه، كانت منشغلة بأخذ الصور وتدخين «الشيشة»، غير آبهة بما يدور حولها من بهرجة وأجواء حماسية، وكان منظرهم جميعا يعكس بالملموس مقولة «شوية لربي وشوية لعبدو».

فوضى و”جذبة”

استأذنتنا نسرين لتستقبل صديقة أخرى، أخبرتنا أنها زميلتها في الدراسة وحبيبة أحد رفقائها، ثم انضمتا إلى الشباب الأربعة الذين بدت عليهم علامات الثمل، لكنهم ومع ذلك، استمروا في الشرب والرقص إلى أن فقد أحدهم توازنه وهوى بثقله كاملا على قنينة الـ»شيشة» التي طلبتها الوافدة الجديدة. 
لم تكن تلك اللحظة الوحيدة التي سقط فيها الشاب الثمل، بل كان المنظر ذاته يتكرر عدة مرات، وفي كل مرة يتدخل «الفيدورات» لمساعدته على النهوض، ثم يناوله أصدقاؤه قنينة بيرة أخرى، ولو أن أمرا كهذا وقع في فضاءات السهر بباقي المدن، لكان مصير الشاب الطرد فورا، لما قد يتسبب فيه من إزعاج لباقي الزبائن. 
ولتجنب لفت الأنظار لرفيقهم الثمل، أخرجت نسرين وشاحا من حقيبتها وربطته حول خصرها السمين، ثم صعدت فوق أحد الكنبات وبدأت تهزه كالحصان الجامح الذي يستحيل ترويضه. ورغم عدم اتساق حركاتها، نجحت القاصر الشقية في خطف الأضواء ولفت انتباه كل من في الملهى إلى رقصها، بمن فيهم صديقها الثمل الذي ارتمى على كرسي فارغ بأحد أركان الملهى، ثم أخذ يصفق بوعي حرج لما يدور حوله.
كانت الأجواء حماسية وفوضوية في الآن ذاته، واستمر الجميع في مشاهدة «الراقصة السكرانة» المتمايلة على أنغام «العيطة»، إلى أن قام أحد الشباب الجالسين بكنبة مجاورة لـ»الديدجي»، بإخراج قراقب (آلة إيقاعية تقليدية يستعملها كناوة) من حقيبته والضرب عليهما منسجما مع إيقاع أغنية «العلوة»، قبل أن تنتابه حالة من «الجذبة» ويبدأ بهز رأسه بطريقة عنيفة، مرددا كلمات الأغنية بصوت مرتفع واللعاب يتطاير من فمه، ليسارع أحد «الفيدورات» إلى التقاط القراقب من يده ورشه بقنينة ماء لإخراجه من الحالة الهستيرية التي كان فيها، صارخا في وجه أحد رفقائه «كنقولك ديما ماتبقاش تخليه يجيبهم أخاي .. عقلتي المرة الفايتة شنو دار لينا»، ثم التفت إلى «الديدجي» قائلا «بدل الموسيقى … مشفتيش العايل شنو وقع لو».

“غرامة” بنات الحاج

من الظواهر الغريبة التي عاينتها «الصباح» في بعض الملاهي الليلية الراقية بطنجة، تنافس العديد من الزبناء، وأغلبهم نساء، على رشق المغنين بمبالغ مالية مهمة (الغرامة)، تصل إلى ملايين السنتيمات.
وتقول نهيلة (اسم مستعار)، عشرينية متحدرة من عائلة ميسورة قابلناها بأحد الكاباريهات «الهاي كلاس»، «مايمكنش نمشي لشي كاباريه ومانغرمش، شفتي واخا نبقا 0 درهم ومانلقاش باش نخلص الطاكسي، أنبقا نغرم … لدرجة أنني في إحدى المرات غرمت 7000 درهم، وشفت وحدة غرمات أكثر مني، فخرجت سكرانة شديت طاكسي ومشيت للبنك تيريت فلوس، عاد رجعت كانغرم ثاني… «.
وتضيف الشابة، التي تدرس في معهد خاص بتكوين مضيفات الطيران، «كنت أرتاد ملهى ليليا يملكه أحد أباطرة الحشيش بالشمال، وكان صاحب الملهى يعطيني 3 ملايين سنتيم قبل أن أدخل، ثم يطلب مني أن أرشق المغنين بها لاستفزاز باقي أغنياء السهرة، وجلهم «ريافة» أو»طنجاوة» أو أفراد من الجالية»، علما أن المبلغ ذاته يسترجعه «مول الشي» بعد نهاية السهرة، مشيرة إلى أنها تتحداهم بنظرة استهزاء وهي ترشق المغني بالمبلغ الذي ناولها إياه، كي يلتقطوا الطعم ويبدؤوا بدورهم برشقه بمالهم الخاص.
وتستطرد نهيلة حديثها بحماس قائلة «كنت أرش المغني بالمال، ورقة زرقاء تلو الأخرى، وأطلب منه أن يحصيها دون توقف، فيبدأ بالعد بصوت عال مرددا : بنت الحاج بنت الحاج…لأننا نحن الطنجاويات اللي كايغرمو، نتفادى ذكر أسمائنا الحقيقية، فيقال لنا بنت الحاج (في إشارة للفتاة البورجوازية)»، ثم سكتت لوهلة استرجعت خلالها ذكريات سهراتها «الباذخة»، وتابعت «عموما، تجري العادة بأن البنت مني كاتنوض تغرم، ماكاتشوفش فالمغني، بل كاتشوف فالناس اللي جالسين معاها فالطبلة أو فالطابلات الآخرين …. زعما ها أنا … وأنا لا أتقبل أن تقوم أي فتاة ما بالأمر ذاته، متطلعة إلى الطاولة التي أجلس إليها… واخا نعرف نمشي نشفر ونجي نغرم، غير ماتعمليش ديك النظرة».

“مرافقات” للعاجزين جنسيا

كشفت لنا منال (اسم مستعار)، وهي طنجوية تبلغ من العمر 27 سنة، أسرار عالم الدعارة الراقية في عاصمة البوغاز، مؤكدة أن بطلاتها يتحدرن من المنطقة، ويفرضن على الزبناء قوانينهن الخاصة المتعارف عليها في أوساط «روافة» و»جبالة» الباحثين عن المتعة.
ونادت الشابة الأنيقة نادل مقهى الـ»شيشة» الذي يملكه أحد زبنائها، بعد أن أصرت على لقائنا هناك بدعوى أنه الفضاء الوحيد الذي تقصده يوميا باعتبارها «العايلة دمول الشي»، «محمد شي قهيوة وشيشة نعناع عافاك، وشوف العايلة شنو بغات»، ثم أخرجت من حقيبتها «الغوتشي» هاتفا ذكيا من أحدث الموديلات المطروحة في السوق، وأطلعتنا على صورة زبونها مالك المقهى قائلة باستهزاء «شفتي شحال مزيون، اللي شاف الفورمة والعضلات يقول هذا هو الراجل… «.
وأوضحت لنا منال أن معظم زبنائها يشكون البرود الجنسي ومشاكل في الانتصاب، مشيرة إلى أن الدافع الوحيد الذي يجعلهم بيحثون عن حسناوات لمرافقتهم في السهرات والحفلات الاجتماعية أو اجتماعات العمل أو خلال السفر، هو التباهي لا أكثر. وأردفت قائلة «كان لدي زبون يملك محلات لصياغة وبيع الذهب، وكان يدعوني إلى الحفلات الخاصة التي يقيمها بمنزله، فيدفع لي 1500 درهم عن كل حفلة، علما أن دوري كان يقتصر على الجلوس بجانبه والدردشة معه ومعانقته بين الفينة والأخرى، وما إن تنتهي الحفلة التي يدعو إليها أصحابه ورفيقاتهم، حتى يعطيني المبلغ الذي اتفقنا عليه، وأذهب في سبيلي دون أي ممارسة جنسية… غير تجلس معاه وصافي».
وتابعت الحسناء الطانجوية وهي ترتشف كأس القهوة الذي أحضره لها النادل، متفحصة زبناء المقهى بنظرة ثاقبة، «أنا كليان ديالي شي خانزين فلوس… كل شهر كايعطيوني المصروف ديالي، بالإضافة إلى تكاليف الصالون والحوايج، وأغلبهم ماكايقيسونيشي… المهم عندهم، يمشيو لشي موضع يبانوا بالعايلة ديالهم، بشرط تكون مزيونة… أما هادوك اللي فالخمسينات والستينات، اللي فاشلين بمرة، ماكين غير بنات 16 و17 عام اللي كيخرجو معاهم».
وعن أساليب وأشكال ممارسة الدعارة، قالت منال «حنا ماكانمشيوشي مع أي واحد… أنا صحاباتي إذا ماكانش غينزل 2000 درهم أو أكثر والله لامشات معاه، عاد زيد السيارة ديالو خاصها تكون واعرة ويكون سخي، بالحق إذا شفتيهم شحال مزيونات، الصراحة اللي عندك غتعطيها»، واستدركت حديثها قائلة «في الغالب الفتيات كيمشيو مع روافة، حيث هما اللي كيخسرو فلوس بزاف… ماتجبرهاشي أبدا ماشيا مع كازاوي أو رباطي…».

قاصرات وعاهرات “رخيصات”

تركنا «خوانجية» كاباريهات الحفرة ليكملوا سهرتهم الصاخبة، واتجهنا إلى أحد الملاهي الليلية الشعبية بوسط المدينة.  هناك، استوقفنا منظر الكم الهائل من القاصرين والقاصرات الذين يشتركون في أداء ثمن ما يعرف بـ «سطيلة بيرة» أو اثنتين (250 درهما للوعاء الذي يحوي 10 قنينات بيرة)، ويطلقون العنان لرغباتهم الجامحة في الرقص والغناء، مرددين بشكل جماعي أغاني جزائرية وريفية معروفة في أوساطهم. 
ورغم الضجيج والزحمة بالفضاء الداخلي المظلم للملهى، تمكنا من تجاذب أطراف الحديث مع نسرين (اسم مستعار)، تلميذة تبلغ من العمر 17 سنة، وتتردد باستمرار على الفضاء الليلي المذكور. أخبرتنا أنها تستغل سفر والدها للخارج بحكم طبيعة شغله، من أجل إقناع والدتها بالمبيت لدى إحدى صديقاتها بحجة الدراسة، وتأتي برفقة حبيبها، الذي يكبرها بسنتين، للترويح عن نفسها وكسر روتين الحياة المدرسية اليومية. 
وتابعت نسرين وهي تشعل سيجارة تلو الأخرى، وتشرب من قنينة البيرة التي ناولها إياها أحد أصحابها «أنا لست عاهرة تبيع جسدها مقابل المال كباقي الفتيات الموجودات هنا، واللواتي يمارسن الجنس مع الغرباء مقابل 100 أو 200 درهم.. لدي حبيبي الذي يشبع رغباتي الجنسية، وأعيش معه حياتي بتحرر ودون قيود»، مضيفة «لا يغرنك مظهر الفتيات المتأنقات هنا، فأغلبهن بنات الداخل (الخميسات، سيدي سليمان، البيضاء، أكادير، مراكش) و»المخيرة فيهم كتمشي بعشاء و300 درهم»، ما يفسر سبب ازدحام هذا الملهى عن غيره … أما أنا فآتي هنا لأنني أحب أجواءه الحماسية الشعبية، وأجد الأثمنة مناسبة جدا لقدرات رفقائي المالية، بالنظر إلى أنهم يدفعون ثمن السهرة من مالهم الخاص، الذين يوفرونه من مصروفهم اليومي».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق